محمد جمال الدين
لابد من تدريبهم حتى لا يدفع الشعب الثمن
فى ظل التحولات الكبيرة التى يشهدها العالم حاليًا فى جميع المجالات، أعلن مجلس النواب بالتعاون مع الأكاديمية الوطنية للتدريب، عن إقامة دورة تدريبية لصقل مهارات ورفع قدرات نواب البرلمان الجدد، وهو ما يعد خطوة إيجابية بكل المقاييس، فمثل هذا التدريب يمنح النائب أدوات سياسية تمكّنه من فهم أعمق للتشريع والدستور وآليات العمل البرلمانى اللازمة لصياغة القوانين، وتقييم الأثر التشريعى لها قبل وبعد إصدارها، لتكون عوضًا عن الاكتفاء بالتصويت الشكلى، وتجعل منه حلقة أساسية بين التمثيل السياسى والكفاءة التشريعية، وتجعلهم قادرين ومتمكنين من استخدام أدواتهم الرقابية، مثل السؤال وطلبات الإحاطة والاستجواب ولجان تقصى الحقائق، وبهذا نستطيع أن نحول نوابنا من متفرجين سياسيين إلى رقباء على أداء الحكومة، خاصة أن الدورة البرلمانية الحالية تضم عددًا لا بأس به من الأعضاء الذين لا يملكون القدر الكافى من الخبرة بالعمل البرلمانى، وهؤلاء تحديدًا يفرضون تحديًا حقيقيًا على البرلمان.
فغياب الخبرة لا يضر النائب وحده، بل ينعكس على أداء المجلس ككل. ومن هنا يمثل التدريب جسر المعرفة الذى يختصر سنوات من التعلم العشوائى، ويمنح النائب فهمًا منظمًا لطبيعة العمل النيابى، وحدود دوره ومسئولياته، حتى لا يتحولوا إلى مجرد نواب بالصفة، فى حين أن من انتخبوهم ينتظرون منهم أن يكونوا نوابًا بما يملكونه من أدوات رقابية، تمس القرارات والقوانين الصادرة منهم حياة ملايين المواطنين.
ومع احترامى التام واعترافى بدور التدريب وأهميته لنواب البرلمان، إلا أنه يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل لدى البعض، للاعتراض عليه لا من حيث المبدأ، ولكن من حيث التوقيت والمنهج، على الرغم من أهميته وضرورته لجميع مؤسسات الدولة. إلا أن الأمر لدى هؤلاء يختلف فى البرلمان، فهم يرون أن قاعة المجلس لا يجوز قط أن تكون قاعة للتجريب، وإنما هى فى احتياج لنائب يملك خبرة سياسية، أوكل إليه شعب مصر سلطة التشريع والرقابة، لضمان تسيير حياته بالصورة التى تكفل لهم الحياة الكريمة والعدل والمساواة، نائب لا يعبر عن ذاته أو مصالحه أو مصالح عائلته والمقربين منه، بل يعبر عن مصالح فئات وطبقات اجتماعية طبقية متباينة، فمصلحة العامل تختلف عن صاحب العمل، ومصلحة مالك الأرض تختلف عن مصلحة من يزرعها، والسياسى هو وحده القادر على فك شفرات هذا التباين، وبالتالى يجب ألا يجلس تحت قبة هذا البرلمان إلا من لديه الحد الأدنى من المعرفة السياسية والدستورية والخبرة العامة، رغم أنه من الوارد والممكن أن ينتج لنا التدريب نائبًا محترفًا وأكثر انضباطًا، ولكنه لا يضمن أن تنتج لنا نوابًا يشتبكون مع الواقع، أو لديهم مشروع سياسى واضح. فالسياسى يا سادة لا يتم خلقه فى قاعة التدريب (حسب وجهة نظرهم)، بل يتشكل عبر الاحتكاك الحقيقى بالناس وشعوره بهموم الشارع وما يجرى فيه، وقدرته على وضع حلول واتخاذ مواقف لمجابهة مثل هذه المشاكل والهموم، نتيجة خبرته التى اكتسبها من خلال عمله سواء داخل الأحزاب، التى للأسف اختفى دورها ولم يعد لها وجود على أرض الواقع، وبالتالى غاب دورها فى إعداد كوادر شابة، تستطيع أن تعوض الفراغ السياسى الذى شاب الحياة السياسية فى مصر، بعد وفاة أصحاب الخبرة أو اعتزال الكبار منهم، أما منظمات المجتمع المدنى، التى كثيرًا ما ساهمت فى إعداد كوادر سياسية شابة، فقد تراجع أيضًا دورها نتيجة قيود قانونية قلّصت من استقلاليتها، خاصة بعد التمويلات المالية التى كانت ترسل لبعضها بعيدًا عن رقابة الدولة، وحملات التشويه الإعلامى التى شابت ذلك، مما ساهم فى إضعاف دورها التنموى والحقوقى المستقل.
عمومًا تطوير الأداء البرلمانى هدف نبيل، (وأراه من وجهة نظرى ضروريًا) شريطة أن تتم البداية الصحيحة من آليات اختيار المرشحين عبر أحزاب بحق وحقيقى، ومن ثم وضع معايير واضحة تضمن أن يصل إلى البرلمان من هو مؤهل فعليًا لتحمل أعبائه، لا من يحتاج إلى تعريفنا بدوره بعد جلوسه على مقعده وتمتعه بالحصانة البرلمانية.
لهذا ولغيره كثير لا يمكن الحديث عن استعادة ثقة المواطنين فى البرلمان دون الحديث عن كفاءة أعضائه. فالنائب المدرَّب، الواعى، القادر على النقاش العميق، يعكس صورة مؤسسة تحترم نفسها وتدرك خطورة دورها. وقد يكون تدريب النواب هو أحد أهم أدوات تحسين هذه الصورة، ليس عبر الدعاية، بل عبر الأداء، خاصة فى زمن السوشيال ميديا الذى ينقل الشاردة والواردة، ووضع النواب تحت الضغط الدائم لإرضاء الرأى العام، حتى ولو على حساب المصلحة العامة، ولكن هل يدخل النائب التدريب باعتباره أداة لخدمة الناس أم شهادة تزيين للسيرة الذاتية؟ عن نفسى أعتقد جازمًا أن التدريب الجاد من الممكن أن يخلق نائبًا قادرًا على التمييز بين الموقف الشعبى من مشكلة أو أزمة ما، والقرار الوطنى المسئول الذى يعالجها، وهذا ما يمكن أن يوفره التدريب، الذى يمنحه أدوات تمكنه من التحليل بدل الانجرار وراء الشعارات والشو الإعلامى، حينها فقط يكتسب ثقة الناخب التى اهتزت مؤخرا، نتيجة صدور قوانين يرى أنها تمس حياته الشخصية.











