الأحد 1 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
عيد الكتاب

عيد الكتاب

 معرض «القاهرة».. سنوات من صناعة الوعى ومواجهة التطرف  



خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تغيرت علاقتى بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، ذلك أن ارتباطى مع هذا الملتقى الفكرى الثقافى الكبير، تحول من مجرد قارئ تجذبه كثير من عناوين الكتب لا سيما الجديدة منها، إلى مشارك بإصدارات ضمن أروقة المعرض، وهو فى حد ذاته، شعور مختلف عمّق ارتباطى بهذا الحدث السنوى، من مجرد زائر إلى إحساس بمسئولية أن تكون جزءا من صناعة هذا الحدث الاستثنائى سنويًا.

 

والواقع أنه إحساس مختلف أن تكون جزءاً من الحدث ككاتب، فيه شعور بمعنى وقيمة وأهمية الكلمة والكتابة، مسئولية كبيرة أن تكتب، وأن تقدم تجربة مكتوبة تُقرأ فى حدث ثقافى فريد، مثل معرض القاهرة الدولى للكتاب، وأيضًا غيره من المعارض خارج مصر، ارتباط بمعانٍ أخرى، تتجاوز مسألة القراءة والبحث عن المعرفة، إلى ارتباط أصيل صيغته أن يكون لك عنوان لكتاب ضمن عشرات آلاف الكتب المعروضة فى المعرض.

بهذه المشاعر، أصبحت أستقبل نسخة معرض القاهرة الدولى للكتاب سنويًا، غير أن الأهم فيها، تلك النظرة التى أصبحت أنظر بها إلى هذا الملتقى الفكرى والثقافي، ليس فقط كونه أشهر المحافل العربية للكتاب والإبداع، ولكن حالة التفاعل التى تصاحبه، ما بين شرائح النخب المختلفة، مع جمهور من مختلف الفئات والشرائح ومن كل الأقاليم، المنتديات التى تعقد بداخله، شغف الحضور والتواجد والمشاركة من كل كاتب وصاحب تجربة تأليف، كلها معانٍ تجعل من المعرض، «عيداً للكتاب»، يحتفى به الجميع، جمهورا قبل النخب والكتب والناشرين.

 

قيمة الكتاب

 

داخل معرض الكتاب، لمست وعايشت كل معانى قيمة الكتاب، فلا يمكن أن أنسى نصيحة كثير من الأصدقاء من كبار الكتاب الذين سبقونى بعشرات العناوين من الكتب داخل المعرض وخارجه من المحافل الثقافية الدولية، فقد استمعتُ إلى أحاديثهم عن أهمية وقيمة وثقل الكتاب، فهو منتج لا يفنى، وينشر لتبقى سطوره وأفكاره وتتداولها الأجيال، فهكذا لا يزال يحيى عشرات الرواد من الأدباء والمبدعين والكتاب، رغم رحيلهم من سنوات، فأفكارهم وأقلامهم لا تزال حية وتتداولها الأجيال.

هنا أذكر نصيحة الصديق العزيز، الكاتب الكبير أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، حينما تحدثنا قبل نحو خمس سنوات، عن مشروع كتاب لدى قيد التنفيذ، وبمجرد نقاشنا حول محاوره، أراد تحفيزى لسرعة إنجازه، بوصف لهذه التجربة أصبحت أدركه حالياً، حينما أشار إلى أن «الكتاب هو أقوى تعريف للشخص»، أى أنه أفضل وسيلة لتعريف الكاتب لنفسه ولأفكاره.

وقتها أشار إلى أن أقوى طريقة ليقدم بها كاتب نفسه، هى الكتاب، أقوى من تعريف المناصب نفسها، فمن خلال الكتاب، تستطيع أن تقدم نفسك، لرئيس قبل المرؤوس، والمعنى هنا، أن التجارب والأفكار المدونة فى الكتاب هى خير تعبير عن كاتبها، والأهم الأكثر بقاء وحضوراً.

ولا أنسى فى نفس الوقت، حديث الصديق العزيز طارق رضوان، رئيس تحرير صحيفة القاهرة، ومجلة صباح الخير السابق، وهو صاحب تجربة طويلة فى النشر، تقارب 30 مؤلفاً، حينما قال إنه ينظر لكل كتاب يقدمه كابن من أبنائه، جزء من أسرته، والمعنى هنا، أن كل عنوان يقدمه ككاتب، هو جزء من كيانه الاجتماعى والثقافى والفكرى، وهو خير مُعبر عنه صاحبه.

والواقع أننى أدركت هذه المعاني، مع أول تجربة كتابة ومشاركة فى معرض الكتاب، فمن ذاق علم، فالمعرفة الحقيقية بقيمة الشىء لا تدرك إلا بتجربته وتذوق حلاوته، فمن يتذوق لذة الكتابة يعلم تأثيرها وقيمتها بالتفاعل المستمر مع محتواها، هكذا كان الشعور حينما شاركت فى معرض القاهرة للكتاب، فى نسخته رقم 55، فى يناير 2024، بأول إصدار عن تجربة مهنية وبحثية بمجال التخصص الأكاديمي، وهى «السودان».

سنة أولى معرض كتاب

 

نقطة التوقف هنا، تتعلق بمسئولية الكتابة، فالواقع أننى لم أدرك قيمة وأثر الكتاب، إلا مع أول تجربة بكتاب «جنوب السودان.. شاهد على ميلاد الدولة»، إصدارى الأول، الذى شاركت به فى نسخة المعرض عام 2024، فقبل هذه التجربة كانت لدى كثير من الإسهامات الصحفية، والبحثية فى إصدارات علمية محكمة، وأيضًا لقاءات تليفزيونية، غير أن الأثر الذى حققه صدور الكتاب كان مختلفاً بثرائه وقيمته عن أى إسهام آخر.

ووجه الاختلاف هنا، لمسته عن قرب مع كل حالة تفاعل مع الكتاب ومحتواه، كيف أصبح وثيقة باقية توثق لتجربة شخصية، ويبحث عن مختصين، وكيف أصبح حلقة وصل مع كثير من المختصين والنخب والأكاديميين المعنيين بمحتواه، منهم الكثير الذين لم ألتقيهم مباشرة، ولكنى التقيتهم عبر الكتاب.

لا أبالغ بمثل هذه المعانى، فالواقع أن تجربة الكتاب الأول استغرقت نحو 12 عاماً، حتى انتقل من فكرة تراوح مكانها بالبحث والتدقيق، إلى إصدار منشور، تجربة توثق رحلة مهنية، عاصرت حدثًا فارقًا فى تاريخ الدولة السودانية، وهى انفصال جنوب السودان فى يناير 2011، وقتها عايشتُ عن قرب كل التفاعلات السودانية داخلياً وخارجياً بين الخرطوم فى الشمال، وعاصمة الجنوب جوبا، إلى جانب لقاءات مع مسئولين دوليين التقيتهم فى هذه الفترة، بينهم الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر، ووزير خارجية أمريكا الأسبق جون كيري، والممثل العالمى جورج كلوني، وسكرتير الأمم المتحدة الأسبق، كوفى أنان.

صحيح أن كثيرًا من تفاعلات الانفصال، جرت تغطيتها صحفياً، إلا أن تجربة الكتابة عنها يجب أن تكون مختلفة، بعدّها توثيقًا تاريخيًا، بعين صحفى وباحث من خارج السودان.. وربما هذا ما يفسر تأخر صدور الكتاب عن هذه التجربة قرابة اثنى عشر عاماً، فقد كانت رغبتى أن جزءا من مسئولية التوثيق فى الكتاب، تقديم إضافية بحثياً وتاريخيا وتحليلاً، يمكن أن الاستعانة بها فى أى وقت، خصوصًا للمختصين بهذا الملف.

واقع الأمر، أن جزءا من إحساس المسئولية فى الكتابة، دفعنى لعدم التعجل بتجربة الكتاب الأول، على مدى عقد من الزمان، ولم تكتمل التجربة، إلا بعد رحلة دراسات عليا فى كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، امتدت لأربع سنوات، وهى رحلة ثرية لتعلم أدوات التحليل السياسى والبحث العلمي، لذلك لم أستغرب كثيراً الأثر الذى أحدثه الكتاب، خصوصًا تفاعلات المختصين بملف السودان، فقد فاجأنى كثير من المهتمين باتصالات ولقاءات لمناقشة كثير مما نشر فى صفحاته.

والغاية من تلك المعاني، ليس فقط توثيق تجربة شخصية مع معرض الكتاب، ولكن تشخيص لحالة ربما لا تفارق كل من له مؤلف داخل معرض الكتاب، فهذا الأثر لا يتقيد بحدود التفاعل فقط، وإنما يمتد إلى أبعد من ذلك، فقد كان دافعاً لمزيد من الشغف والمساهمة بإصدار آخر، فبعد عدة أشهر من صدور الكتاب الأول، بدأت رحلة التفكير والعمل والتنفيذ فى ثانى كتاب، قبل نسخة معرض الكتاب الماضية (2025).

المفارقة أن الإصدار الثاني، كان معنيًا أيضًا بقضايا السودان، لتأصيل وقراءة وفهم ما يحدث فى الساحة السودانية خلال السنوات الأخيرة، مع اندلاع الحرب الداخلية خلال عامين ونصف العام، ذلك أن عنوانه الرئيسى جاء فى صيغة تساؤل رئيسى وهو «لماذا السودان؟ التدخلات الدولية ودائرة الصراع»، والواقع أن الدافع لم يكن فقط تقديم إصدار معنى بالسودان لفهم حقيقة ما يحدث هناك، ولكن أيضًا حرصًا لعدم تفويت مناسبة «معرض الكتاب» دون أن أكون جزءاً من صانعيه.

هذا الشغف، كان الدافع أيضًا، لتكرار نفس التجربة، فى نسخة المعرض هذا العام، بإصدار ثالث، بعنوان «أبناء النيل»، والذى يوثق لسنوات إعادة بناء العلاقات المصرية الإفريقية، بعد ثورة 30 يونيو، ورؤية الدولة المصرية الحديثة، للانفتاح على القارة الإفريقية، فهكذا أصبحت أنظر لحدث المعرض، كونه «عيداً للكتاب» لا يمكن تفويت فرصة الحضور فيه.

 

واجهة مصر الثقافية

 

 داخل أروقة معرض القاهرة الكتاب، أحمل كثيرًا من الذكريات، منذ أن كان مقره السابق فى أرض المعارض بمدينة نصر، وبعد انتقاله إلى مقره الحالى، بمركز مصر للمؤتمرات والمعارض الدولية (المنارة)، بإصداراته وندواته وفعالياته وتنوعه الثرى، غير أن انطباعى الأساسى من اليوم الأول، أنه ليس حدثاً للقراءة فقط، بقدر ما يمثله من منتدى سنوى، للفكر والثقافة والتنوير والوعى.

واقع الأمر أننا نتحدث عن واجهة مصر الثقافية، ملتقى لرواد وعشاق الكتاب، يتوافدون من كل البقاع، وفى نفس الوقت نزهة عائلية مليئة بالزخم والثراء، يقبل عليها الصغار والكبار، ورمزية المعرض تتخطى طبيعته البسيطة كسوق للكتاب، أو محفل يتداول فيه أهل الثقافة أفكارهم ومؤلفاتهم، فهو أعمق وأبعد من ذلك بكثير، فهو بكل اقتدار مساحة حرة للنقاش والتداول والتفاعل، والاختلاف فيها حق مكفول للجميع، هو باختصار مساحة لصناعة الوعى والتنوير وبناء الإنسان.

ونقطة التوقف هنا، تتعلق بالأبعاد التى تفرض الحفاظ على هذه الصناعة، والسعى لتطوير وتحديث هذا الملتقى ليؤتى ثماره كإحدى أدوات قوى مصر الناعمة داخلياً وخارجياً، وهذه الأبعاد يمكن تأطيرها فى النقاط التالية:

أولاً، إذا نظرنا لحديث الأرقام، سنجد أننا أمام نسخة مختلفة من هذا الملتقى الثقافي، ذلك أننا نتحدث عن حدث تشارك فيه دور نشر من 83 دولة عربية وإفريقية وأجنبية، بواقع 1457 دار نشر، ومخطط له أن يحتضن أكثر من 600 فعالية ثقافية وفنية على مدار أيامه التى تصل إلى عشرة أيام، إلى جانب مشاركات رموز الفكر والفن والشخصيات البارزة فى مصر والدول العربية والإفريقية.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه عدد الإصدارات التى يحتويها المعرض، والتى تتجاوز 3 ملايين عنوان كتاب من مختلف المجالات وتلبى كل شواغل وأذواق زواره، فى إحصائية تعكس حجم التنوع والثراء الذى يحتويه هذا المعرض، والمعنى هنا فى تطور امتلاك القدرة على صناعة إحدى أهم أدوات القوى الناعمة المصرية، وهى الإنتاج الثقافى والفنى والفكري.

ثانياً، أن كثيرًا من معايير تقييم المعرض، تنطلق بمقارنة نسبة مبيعات الكتب فيه، إلى جانب عدد زواره، والواقع أن نسخة العام الماضي، قد تجاوزت خمسة ملايين زائر، وقد لا تختلف النسبة هذا العام أيضًا عن ذلك أو تزيد عليها، غير أن فى توافد آلاف المذاهب، ما بين من يشترون، أو يقرأون، أو يتناقشون، أو من جاءوا للفرجة والنزهة.

ورغم ذلك، لا يمكن إغفال مثلاً فى إحصاءات صدرت مطلع عام 2022 فجَّرتها شركة «ستاتيستا»، وهى شركة ألمانية متخصصة فى رصد اتجاهات الاستهلاك فى السوق العالمية، وفقاً للبيانات والتصنيفات الثقافية، بالاشتراك مع صحيفة «إندبندنت» البريطانية، حيث ذكرت أن معدلات القراءة فى الدول العربية مثل مصر أو السعودية من أعلى المؤشرات، والمعنى هنا، أن المواطن المصرى وتفاعله مع هذا الحدث الثقافى محطة فارقة، تفرض مسئولية كبيرة على ضرورة تطوير المعرض وفعالياته حتى تكون أكثر جذبا وتفاعلاً لمختلف الشرائح المجتمعية.

ثالثاً، لا يمكن إغفال دور المعرض المستمر فى مواجهة التطرف والتشدد، ومواجهة أفكار الظلام، والشواهد على ذلك عديدة، لعل من أبرزها ندوة المفكر الكبير فرج فودة، ومناظرته الشهيرة فى نسخة المعرض عام 1992، والتى كانت دافعاً لاغتياله فيما بعد من الجماعات التكفيرية، وأيضًا ندوات وإصدارات واجتهادات الدكتور نصر حامد أبو زيد، وهى دائمًا ما كانت تثير قضايا فكرية محل جدل وتفاعل ثقافى واسع.

وإذا كان المعرض يواصل نفس الدور بإصدارات سنوية، تتبناها فى الأساس المؤسسات الدينية الرسمية، مثل الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، إلا أن ساحة المعرض، فى حاجة إلى مزيد من الاجتهادات الفكرية، التى لا تغفل التفنيد المستمر لكل أفكار وحجج التشدد والتطرف، وبمعالجات أكثر ابتكارا وجذباً، خصوصاً للأجيال الشابة.

رابعاً، إذا كنا نتحدث من حيث الكم، عن فعاليات المعرض وأرقامه المتزايدة سنوياً، إلا أننا أصبحنا أكثر احتياجاً، لاستعادة تأثيره من حيث الكيف، بأن يكون قبلة وجذباً للأسماء الكبرى محلياً وعربياً ودولياً، وهذه واحدة من نقاط التميز السابقة، فلا يمكن أن ننسى اللقاءات الفكرية للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل السنوية داخل المعرض، لتقديم تقديرات موقف لواقع الساحة الدولية والإقليمية، وأيضًا الأمسيات الشهيرة لرموز الشعر العربي، مثل نزار قبانى ومحمود درويش وغيرهما، من رموز الفكر المصريين والعرب.

وختاماً، فإن أثر وتأثير معرض القاهرة الدولى للكتاب، يتجاوز بكثير مسألة كونه ملتقى ثقافيًا سنويًا، تُعرض فيه عشرات الآلاف من عناوين الكتب، لتمتد إلى واحدة من أهم منصات صناعة الوعي، وتحصين الإنسان المصري، ما يجعل الاستثمار فيه وتطويره ليس ترفاً، ولكن ضرورة وشرطاً للبقاء، لِمَ لا فإن فى القراءة دوماً حياة.