هاني لبيب
مصر أولا.. عن معرض القاهرة الدولى للكتاب
الأكثر مبيعًا أم تأثيرًا.. الثقافة فى مواجهة نفسها!
فى كل دورة جديدة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، يتكرر السؤال الملتبس: هل نجح المعرض أم لا؟ وهو سؤال يبدو بريئًا، لكن فى حقيقته سؤال غير ثقافى لأنه يرهن النجاح بالأرقام.. عدد الزائرين، وعدد دور النشر، وحجم التغطية الإعلامية، ولا يهتم بمدى تأثير المعرض على الوعى العام أو على بنية القراءة نفسها التى هى جوهر الحالة الثقافية.
دورة 2026 تكشف حقيقة لا يمكن تجاوزها.. المعرض لم يعد مجرد حدث، بل أصبح ساحة اختبار حقيقى لعلاقة المجتمع المصرى بالمعرفة والثقافة. وهل ما زال الكتاب ينظر إليه كأداة للفهم والتفكير، أم تحول إلى سلعة موسمية تشترى مرة فى العام ثم تترك على الرفوف.. لزوم الوجاهة الاجتماعية؟
المعرض فى هذا السياق، ليس موضوع المقال بقدر ما هو مرآة تكشف أزمة الثقافة المصرية بكل تناقضاتها وحدودها. ما نناقشه هو حال الثقافة كما تنعكس فى هذا الحدث، وليس مجرد الاحتفال السنوى.
فكرة الجماهير الغفيرة
أحد أكبر الاشتباكات فى التعامل مع معرض الكتاب هو الحديث عن الجماهير الغفيرة.. ككتلة واحدة متجانسة. والحقيقة أنهم عبارة عن فسيفساء. هناك من يأتى بدافع الفضول، وآخر بدافع السعر، وثالث يتابع اسمًا محددًا، ورابع يعتبر المعرض طقسًا اجتماعيًا أكثر من كونه تجربة معرفية. وهى تصنيفات لا تتضمن المثقفين والكتاب والمفكرين الذين يمثلوا الطاقة السحرية للمعرض.
الثقافة الجادة تتعامل مع القارئ ليس باعتباره مجرد مستهلك، بل شريك فى إنتاج المحتوى. ومعرض لا يضع القارئ فى قلب تصميم ما يستهدفه.. يظل حدثًا جللًا بلا عمق أو تأثير.
منطق السوق
لم تختلف دورة 2026 عما حدث فى السنوات السابقة، تتكدس عناوين الكتب.. بلا تصنيف معرفى فعلى. كتب البحث العلمى المتخصصة تتجاور جنبًا إلى جنب مع كتب استهلاكية سريعة البيع.. دون أى تمييز بصرى أو فكرى، وكأن المعرض يعلن حياده تجاه قيمة المحتوى تمامًا.
هذا الحياد لن يصنف فى كل الأحوال.. على أنه ديمقراطية ثقافية، بل السوق تفرض منطق البيع.. ما يباع أكثر.. يعرض أكثر، وما يطلب أكثر.. يتصدر واجهات دور النشر. وعلى الرغم من أنه لا يجوز للمعرض، بوصفه مؤسسة ثقافية عامة، أن يخضع بالكامل لمنطق متطلبات السوق. فإن دوره الطبيعى هو زيادة الاستفادة الفكرية، وتحدى الطلب، وتقديم بدائل معرفية متعددة.. لأنه حين يغيب هذا الدور، يتحول المعرض تدريجيًا إلى مجرد وسيط تجارى ضخم مهما كانت نواياه الثقافية الطيبة.
مثقف على الهامش
أعتقد أن المعرض.. لا يزال يعانى من غياب المثقف بوصفه فاعلًا نقديًا رغم كثافة الفعاليات. هناك حضور للأسماء الكبيرة.. كحضور محدود للمشاركة فى ندوات أو مناقشات أو مجاملات، والنتيجة أنه نادرًا ما يخرج الزائر الحاضر لهذه الفعاليات.. بسؤال حقيقى أو اختلاف فكرى مرغوب ومطلوب.
جزء من هذه المشكلة أن الثقافة تقدم بصيغة عقيمة.. نقاشات فى المطلق، وأسئلة هامشية، وحدود غير مرئية. وهنا، يتحول المثقف إلى ضيف شرف، وليس إلى طرف فى معركة فكرية حسب المعتاد. الثقافة التى تخشى الصدام تفقد قدرتها على التأثير مهما زاد عدد فعالياتها وتعظم حضورها.
رعاية أم إدارة
لا يمكن فصل المعرض عن حضوره الرسمى كأحد الأنشطة الكبرى لوزارة الثقافة. وهى موجودة سواء فى التنظيم أو التمويل أو الإدارة. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: متى تكون الدولة راعية للثقافة؟ ومتى تتحول إلى منظم للإيقاع الثقافى فقط؟ الرعاية المقصودة هنا.. تعنى توفير الموارد والمساحة وحماية الحالة الثقافية. أما الإدارة المفرطة.. فتعنى تحديد السقف، وضبط الخطاب، وتحويل الثقافة إلى نشاط محسوب العواقب.
فى دورة 2026، يبدو المعرض منضبطًا للغاية، ولكن هذه الغاية تطرح تساؤلات حول مساحة الخطاب المختلف، والأسئلة التى لا تملك إجابات سابقة التجهيز. المعرض الثقافى الحقيقى.. يمثل عند المثقفين والمفكرين مساحة من التقاطعات والاشتباكات التى تحفز على التفكير.
من الفعالية إلى الأثر
البرنامج الثقافى فى المعرض غنى وثرى من حيث العدد والتنوع، ولكنه ضعيف الأثر. السبب ليس فى الموضوعات أو الضيوف، بل فى غياب فكرة التراكم. كل الندوات تعقد كجزر منعزلة.. دون متابعة، أو توثيق حى، والأهم عدم القدرة على تحويل نتائج وخلاصات المناقشات باعتبارها مبادرات ومقترحات إلى مادة عامة.. يمكن تنفيذها عمليًا.
الثقافة لا تنتج بالأحداث، بل بالسياق. ولذا يحتاج المعرض إلى وضوح سياقه المعرفى.. حتى لا يظل أسير تحديات اللحظة والترند.. مهما بدا مزدحمًا شكليًا.
الرهان المؤجل
الاهتمام بالطفل فى دورة 2026 واضح، ولكنه لا يزال ضمن الأنشطة العرضية. أنشطة جذابة بصريًا، ولكنها غير مرتبطة بمشروع قراءة طويل المدى أو برامج متابعة تربط المدرسة بالمنزل والمكتبات العامة. الطفل يحتاج إلى مسار قراءة متدرج ومستمر، ومحتوى يربطه بالقراءة خارج أيام المعرض. ومن دون ذلك، يتحول الاهتمام بالطفل إلى صورة دعائية، وليس استثمار معرفى مستقبلى حقيقى.
الثقافة الرقمية
رغم الحديث عن التحول الرقمى، فإنه لا يزال المعرض يتعامل مع التكنولوجيا كوسيلة تنظيمية مثل حجز تذاكر الدخول، وليس كجزء من الثقافة نفسها. ولا يوجد أى نقاش جاد حول:
- القراءة الرقمية فى عصر الأجهزة الذكية.
- الذكاء الاصطناعى وإعادة تعريف المعرفة.
- مستقبل الكتاب فى زمن الخوارزميات.
وستظل القاعدة، أن الثقافة التى لا تناقش زمانها، تخرج منه قبل أن يلاحظ أحد.
تحد لم يتحقق
العديد من عناوين الكتب فى المعرض.. تتناول تاريخ مصر والفكر العربى، ولكن بصورة سطحية. وما زالت القراءة الوطنية والهوية الثقافية.. تقاس بالأرقام والأعداد وليس بالتحليل والتأثير. المعرض لا يوفر مساحات كافية لمواجهة التحديات المعاصرة للهوية، مثل: العولمة الثقافية، أو الانفتاح على التيارات الفكرية الجديدة، أو مراجعة السرديات التاريخية التقليدية فى عصر يعاد فيه تشكيل جغرافية العالم وتاريخه.
هذا الغياب يخلق فجوة بين القارئ الزائر والقيمة المعرفية الحقيقية للمعرض. المعرفة التى تؤسس للفكر النقدى، ليست مجرد حالة من الحنين إلى الماضى.
تصور مختلف
أعتقد أنه لكى يستعيد المعرض مكانته وقيمته، يحتاج إلى إعادة تعريف نفسه:
- من سوق سنوى إلى منصة معرفية رقمية مستمرة طوال العام.
- من عرض محايد إلى اختيار ثقافى واع وواضح.
- من حدث جماهيرى إلى مشروع إنتاج معرفة.
- من نشاط تقليدى إلى ساحة أسئلة وتحديات فكرية.
هذا التحول يتطلب شجاعة ثقافية حقيقية، ومواجهة نقدية للعادات القديمة، وتحرير الزائر من دوره كمستهلك سلبى.
نقطة ومن أول السطر
معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026 لا يعانى من نقص الإمكانيات، بل من تردد الرؤية وضبابيتها. هو قادر على أن يكون مساحة تأسيس جديدة للثقافة المصرية، أو أن يظل حدثًا ضخمًا بلا أثر حقيقى.
الفارق بين الاحتمالين ليس فى عدد الزوار أو حجم الأجنحة والمبيعات، بل فى الجرأة على طرح السؤال المرجعى.. أى ثقافة نريد؟ وأى دور للكتاب فى الحياة العامة؟!
الثقافة، فى النهاية، لا تطلب الإذن كى تكون فاعلة، ولكنها تحتاج إلى من يفتح لها الطريق ويحتمل نتائجها.











