الأحد 18 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الأكاديمية العسكرية.. كيف تبنى الدولة القوية نخبتها؟

الأكاديمية العسكرية.. كيف تبنى الدولة القوية نخبتها؟

لم تعد الأكاديمية العسكرية مجرد مصنع تقليدى لإعداد ضباط المستقبل، ولا ساحة مغلقة على علوم القتال وفنون القيادة الميدانية فحسب، بل تحولت – بهدوء الواثقين – إلى واحدة من أهم منصات الدولة الحديثة لإعادة هندسة النخبة، وصياغة الإنسان القادر على تحمل المسئولية فى زمن تتكاثر فيه التحديات وتتداخل فيه الجبهات.



فى التجربة المصرية المعاصرة، اتسع دور الأكاديمية العسكرية ليشمل تأهيل وانتقاء طيف واسع من المدنيين المتقدمين لشغل وظائف محورية فى بنية الدولة.أئمة، معلمين، قضاة، دبلوماسيين، وباحثى دراسات عليا، فى انتقال نوعى يعكس وعى الدولة بأن معركة البناء لا تقل تعقيدًا عن معركة الدفاع، وأن الانضباط ليس حكرًا على الميدان العسكرى، بل ضرورة فى كل موقع من مواقع العمل العام.

الرهان هنا لا يقوم على عسكرة المجتمع، كما يروّج البعض بكسل فكرى، وإنما على تعميم القيم الصلبة التى صنعت تماسك الجيوش.الانضباط، الالتزام، وضوح الهدف، والوعى العميق بالأمن القومى باعتباره مفهومًا شاملًا لا يقتصر على السلاح والحدود، بل يمتد إلى التعليم، والخطاب الدينى، والاقتصاد، والوعى العام.

داخل أسوار الأكاديمية العسكرية، لا يُعاد تشكيل السلوك فقط، بل يُعاد بناء العقل. فالمناهج التعليمية والتثقيفية لا تنحصر فى التخصص الدقيق، بل تنفتح على علوم متعددة، تُكسب الدارس قدرة على الفهم الشامل، والتحليل المركب، وربط التفاصيل بالسياق العام. هنا، يتعلم الإمام أن خطبته جزء من معركة وعى، ويدرك المعلم أن الفصل الدراسى خط دفاع أول عن هوية الوطن، ويعى القاضى أن العدالة ركن من أركان الأمن القومى، ويفهم الدبلوماسى أن الكلمة فى المحافل الدولية قد توازى فى أثرها طلقة مدروسة.

البيئة التعليمية فى الأكاديمية العسكرية بيئة حاضنة، لا تُقصى الفكر، ولا تصادر السؤال، لكنها تضعه فى إطار من المسئولية والانضباط. لياقة ذهنية وبدنية حاضرة، وانضباط سلوكى صارم، والتزام أخلاقى لا يقبل المساومة، ووعى سياسى رصين يميز بين الاختلاف المشروع والفوضى المدمرة. هكذا تُصاغ شخصية الموظف العام بوصفه صاحب رسالة، لا مجرد شاغل وظيفة.

وفى قلب هذا المشروع، تحتل العلوم الحديثة موقعًا متقدمًا. فقد أدركت الأكاديمية العسكرية مبكرًا أن حروب المستقبل تُخاض بالمعرفة قبل السلاح، وبالبيانات قبل المدرعات، برامج متقدمة فى الذكاء الاصطناعى، والتحول الرقمى، وإدارة المعلومات، وصناعة القرار، وتأهيل الرواد الرقميين، لم تعد ترفًا معرفيًا، بل أدوات أساسية لإدارة دولة معقدة، ومؤسسات تواجه ضغوطا غير تقليدية، من الأمن السيبرانى إلى حروب الشائعات.

اللافت أن عملية التأهيل داخل الأكاديمية ليست لحظة عابرة، بل دورة متكاملة من الانتقاء، والتوجيه، والتعلم، ثم التفريغ، فالتجديد. إنها عملية دورية لإعادة ضخ دماء جديدة فى شرايين الجهاز الإدارى للدولة، وتنقية النخبة من الترهل، ورفع كفاءة الأداء العام فى مختلف المؤسسات.

ما تقدمه الأكاديمية العسكرية للمجتمع ليس موظفًا نمطيًا، بل نموذجًا مهنيًا قادرًا على اتخاذ القرار، وتحمل المسئولية، والعمل تحت الضغط، والالتزام بقيم الدولة المدنية الحديثة. قادة للمستقبل، لا بمعنى السلطة، بل بمعنى الكفاءة والانضباط والقدرة على الفعل.

فى زمن تتهاوى فيه معايير الاختيار فى كثير من دول الإقليم، تقدم مصر نموذجًا مختلفًا. دولة تستثمر فى الإنسان، وتؤمن بأن بناء الجمهورية الجديدة يبدأ من إعادة تعريف من يستحق أن يكون فى موقع المسئولية، وهنا، تلعب الأكاديمية العسكرية دورها التاريخى، حارسًا للجبهة، ومهندسًا للنخبة، وشريكًا أصيلًا فى معركة بناء الدولة.>