الأحد 18 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
م­­ـلّاك ­الحقيقة المطلقة

م­­ـلّاك ­الحقيقة المطلقة

مرض خطير يعانى منه المجتمع المصرى، تسبب فى جمود وتحجر الفكر وعدم تقدمنا وتراجعنا إلى الوراء مئات السنين، أعراضه تصلب وجلطات فى شرايين العقل تعوق تدفق التفكير الحر وتقبل الآخر، المصاب به يرى أنه وحده يمتلك الحقيقة وأن من يخالفه على باطل، ويعتقد أن المختلف معه، إما كافر أو عميل أو متخلف أو رجعى أو خائن، وقد يجمع كل هذه الصفات، اللافت للنظر أن هذا المرض استشرى فى المجتمع ولم تفلت منه النخبة بجميع أطيافها وتوجهاتها، اليسار والليبرالية وبالطبع الدينية، هذه النخب كان من المفترض أن تلعب دورًا فى مواجهته ومحاربته وإنقاذ المجتمع منه ولكن للأسف أصبحت جزءًا منه وعلامة عليه، هذا المرض يظهر بوضوح فى كل القضايا الخلافية وآخرها على سبيل المثال المعركة التى أثيرت بعد وفاة الدكتور مراد وهبة بين شامت رافض للدعوة له بالرحمة ومقللاً من دوره الفكرى وهو أمر مرفوض بالقطع، وبين من يرونه أستاذ الفلاسفة الكبار وأن أفكاره كاشفة للتطرف والمتطرفين، ولذلك يكرهونه وهو ما يحتاج إلى حوار علمى لإثباته، من المؤكد أن هناك من استفزهم من كتبوا مطالبين بعدم الترحم على وهبة فانتفضوا ضدهم دفاعًا عن سماحة الدين الحنيف ومن أجل مدنية البلد وإيمانًا بأن هذا الكلام يحمل تطرفًا مقيتًا وهؤلاء لهم كل الحق، ولكن أعنى بالنخبة هنا المتخصصين المشتغلين والمهتمين بالفلسفة، وقد كانت لديهم فرصة لطرح الأمر من زوايا فكرية، كلا الفريقين الكاره والمحب لم يناقشا أفكاره ويقدماها ويشرحاها، فقط معظمهم تحدثوا وكأنهم «مُلّاك الحقيقة المطلقة» وهو عنوان واحد من أهم مؤلفات الدكتور وهبة، وللمفارقة فإن مضمونه كاشف لما حدث، فهو يتحدث عن «أن مأساة العقل العربى، تكمن فى الفرق بين «البحث عن الحقيقة» و«امتلاك الحقيقة»».



فالباحث عن الحقيقة يعرف أن عقله بشرى ومحدود، فيظل فى حالة بحث مستمر.

أما مالك الحقيقة يعتقد أنه امتلك الحقيقة المطلقة وأنه لا حاجة له للبحث والدراسة وأن ما دونه باطل، ولذا يؤله النسبى الذى هو رؤية بشرية محدودة ومتغيرة، ويجعله كالحقيقة المطلقة والثابتة، مثل الذات الإلهية، وعندما يحدث هذا الاعتقاد.

يصبح أى اختلاف مع هذا الشخص كفرًا أو خيانة»، ويرى وهبة فى الكتاب «أن الأصولية تنشأ عندما يتم تطبيق النص حرفيًا مهما تغير الزمان والمكان واختلف الواقع، ما ينتج عنه الجمود ويؤدى إلى الإرهاب»، ويصف الكتاب العقل العربى «بالمستقيل»، لأنه توقف عن عمله الأساسى وهو التفكير والسؤال وسلم نفسه إلى «سلطة النص» دون إعمال الفكر ما تسبب لنا فى هزائم متكررة».

ويقول وهبة «أن العلمانية لا تعادى الدين، وأن التحرر الحقيقى يبدأ عندما يدرك الإنسان أن أحدًا لا يملك الحقيقة المطلقة، وأن الحوار والنقد هما السبيل الوحيد للحضارة».

هذا هو ملخص لأفكار كتاب «ملاك الحقيقة المطلقة»، ولكن المؤلم أن كلا الطرفين، من يحبون مراد وهبة ومن يكرهونه وقفوا على نفس المسافة وادعى كل منهما أنه يملك الحقيقة المطلقة، الكارهون يرونه شيطانًا ومفكرًا سطحيًا، والمحبون يضعونه فى مصاف الملائكة وأنه من أكبر الفلاسفة فى عصرنا، وهناك فريق ثالث وهم قلة حاولوا أن يكون موضوعيين فقالوا إنهم يتفقون معه فى أفكار ويختلفون معه فى بعضها، وفى مواقفه السياسية خاصة فى تطبيعه مع إسرائيل، وعدم إدانته للمجازر التى قامت بها ضد الفلسطينيين بعد 7 أكتوبر 2023، واعتبروا أن أفكاره عن السلام مع إسرائيل تُناقض رؤيته حول الأصولية باعتبارها دولة تقوم على العنصرية الدينية وتتبنى أفكار الأصولية اليهودية، هكذا أثبتت غالبية النخبة أن كل ما جاء فى الكتاب عن أمراض العقل العربى صحيح، وأن اعتقاد امتلاك الحقيقة وصل إلى مرحلة خطيرة فى المجتمع، كنت أتمنى أن يتحول هذا الجدال العقيم إلى نقاش علمى موضوعى حول كل أفكار الدكتور وهبة سواء عن الأصولية والعلمانية أو رؤيته للتطبيع مع إسرائيل خاصة فى هذا التوقيت الحرج لنا وللأمة العربية، وكانت هناك فرصة أن تقوم أقسام الفلسفة فى جامعاتنا بعمل سينيمار يتم دعوة فيه كل المهتمين المختلفين والمؤيدين لأفكار الراحل، ومن خلاله تطرح العديد من القضايا الخلافية فى إطار علمى، بل إن الأمر كان من الممكن أن يُستثمر فى طرح قضية مستقبل الفلسفة فى مصر والعالم العربى، والإجابة عن تساؤلات مثل هل يمكن الفصل بين أفكار الإنسان ومواقفه السياسية؟ وكيف نتعامل مع من تعجبنا ونتفق مع رؤاه الفكرية ونختلف مع مواقفه السياسية؟ كان من الممكن أن يقوم بهذه المهمة المجلس الأعلى للثقافة وكذلك جمعية الفلسفة أو أى جهة ثقافية، ما حدث بعد وفاة الدكتور مراد وهبة الذى وصل فيه التلاسن إلى العنف الفكرى ووصلت الاتهامات إلى التخوين والتكفير والإرهاب، كاشف للنخبة المصرية، وهو نفس ما حدث فى معظم قضايانا الفكرية والسياسية والفنية والأدبية والرياضية والاجتماعية التى ظهرت على الساحة مؤخرًا، فهل توجد فرصة لعمل حوارات جادة، وأن تقوم مؤسساتنا العلمية والثقافية بدورها فى إنقاذ المجتمع من مرض امتلاك الحقيقة المطلقة أم نظل نعانى منه طويلاً؟