هاني لبيب
مصر أولا.. هندسة العولمة والانسحاب من 66 منظمة دولية..
قيادة واشنطن للعالم.. وهدم أدوات نفوذها الناعم!
لم يكن قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خلال ولايته الثانية، بالانسحاب من 66 منظمة دولية مجرد إجراء إدارى أو مراجعة سياسية فى إطار كل الالتزامات السابقة، بل يعتبر حدثًا سياسيًا ذا دلالات غير مسبوقة.. تمس جوهر النظام الدولى الذى تشكل عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945.
لذا، فإنه حين تنسحب الدولة التى أسست معظم هذه المنظمات، ومولتها، وحددت مساراتها وتوجهاتها لعقود، فإن الأمر لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا عابرًا، بل باعتباره إعادة تعريف لدور القوة الأمريكية فى إدارة العالم.
تفكيك النظام الدولى من الداخل..
هذا الانسحاب، الذى شمل منظمات وهيئات ومؤسسات أممية (صحية وحقوقية وثقافية وإنسانية) يعكس تحولًا استراتيجيًا فى السياسة الخارجية الأمريكية، من قيادة نظام متعدد الأطراف إلى التعامل معه بوصفه عائقًا.. يقيد السيادة الوطنية.
انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية فى ولاية دونالد ترامب الثانية ليس قرارًا إداريًا محدود الأثر، وليس مجرد تصعيد سياسى، بل يمثل لحظة كاشفة لتحول جوهرى فى تصور واشنطن لدورها القادم فى العالم، القرار صدر عن الدولة التى لم تكن يومًا ما عضوًا عاديًا فى النظام الدولى، بل كانت القوة التى صاغت مبادئه، وحددت قواعده، وضمنت استمراره لعقود عبر التمويل والشرعية والسيطرة السياسية.
ولذا، فإن هذا الانسحاب لا يمكن قراءته سوى بوصفه محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القوة الأمريكية والنظام الذى أنتجته بنفسها. هذا التحول الأمريكى يجاوز المنظمات المنسحب منها، بل يشتبك ويتعارض مع جوهر فكرة التعددية الدولية، ويعيد فتح باب النقاش حول مستقبل العولمة السياسية، ودور المؤسسات الدولية فى عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب وعدم اليقين.
مقاطعة العالم..
شكلت الولايات المتحدة الأمريكية العمود الفقرى للنظام الدولى الحديث منذ سنة 1945، ولم تكتف بالمشاركة فى تأسيس الأمم المتحدة ومؤسساتها فحسب، بل لعبت دورًا مستمرًا كضامن مالى وسياسى لها. هذا الدور هو الذى مكنها من تحويل المؤسسات الدولية إلى أدوات لإدارة النظام العالمى، ووسائل لتثبيت نفوذها وسيطرتها عبر القواعد والمعايير.. كمسار مواز بديل عن اللجوء الدائم إلى القوة العسكرية.
مع المتغيرات المتلاحقة والسريعة، بدا النموذج السابق فى التآكل داخليًا مع صعود تيارات سياسية.. تتخذ موقفًا حاسمًا من تلك المؤسسات، وتراها.. تحولت من أدوات نفوذ إلى قيود على القرارات السيادية الوطنية. وهو ما ظهر فى ولاية ترامب الثانية، والتى لم يعد هذا التيار فيها هامشيًا، بل أصبح هو من يحدد الاتجاه العام للسياسة الخارجية الأمريكية. وهكذا، انتقلت واشنطن من موقع «قائد العالم» إلى موقع «المرجع العام للشرعية الدولية».
أمريكا أولًا..
فى اعتقادى، أن قرار الانسحاب جاء فى إطار رؤية قومية صريحة.. تعتبر أن الالتزامات متعددة الأطراف، أصبحت تكبل السيادة الأمريكية، وتفرض عليها معايير لا تنسجم مع أولوياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ولم يعد الانخراط فى المنظمات الدولية ينظر إليه.. كاستثمار استراتيجى طويل الأمد، بل كتكلفة مالية وعبء سياسى.. لا يحقق عائدًا مباشرًا.
من الواضح،أن إدارة الرئيس دونالد ترامب.. فضلت استدعاء أدوات القوة الأحادية سواء الاتفاقيات الثنائية أو الضغط الاقتصادى أو العقوبات أو الردع العسكرى، على أدوات العمل المؤسسى الجماعى التقليدية. لم يكن الانسحاب تعبيرًا عن عزلة اختيارية، بل عن انتقال من إدارة العالم عبر المؤسسات إلى التعامل معه عبر موازين القوة المباشرة.
استهداف المنظمات الدولية..
قطعًا، لم يكن اختيار المنظمات الأممية المنسحب منها عشوائيًا. الانسحاب شمل هيئات تؤدى دورًا محوريًا فى مجالات الصحة وحقوق الإنسان والثقافة والبيئة والعمل الإنسانى، هذه المجالات.. تمثل جوهر تعددية النظام الدولى، وهى فى الوقت نفسه، المجالات التى تفرض أعلى قدر من الالتزامات على الدول.
ربما ترى إدارة الرئيس ترامب.. أن هذه المنظمات لم تعد محايدة، بل أصبحت، وفق خطابها الرسمى، منصات تستخدم لفرض أجندات سياسية وقيمية على الدول، بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وبناء عليه، فإن تقليص دور هذه المنظمات يعنى تقليص قدرتها على التأثير فى السياسات الوطنية، وإضعاف بنيتها الاخلاقية.
انسحاب الممول الأكبر..
أحد أخطر آثار الانسحاب الأمريكى المتوقعة تمثل فى الصدمة المالية التى ستصيب منظومة العمل الأممى.. بعد أن اعتمدت قطاعات واسعة من المنظمات الدولية سواء الحكومية أو غير الحكومية، على التمويل الأمريكى بوصفه عنصر الاستقرار الذى يسمح بالتخطيط لأمد طويل.
تراجع هذا التمويل، سيدخل هذه المنظمات فى حالة من عدم الاستقرار.. مشاريع ستلغى، وبرامج ستتقلص، ومكاتب ستغلق، والأكثر تضررًا.. ستكون المنظمات الأممية التى تعمل فى بيئات هشة، حيث يشكل التمويل الدولى بالنسبة لها العمود الفقرى للخدمات الأساسية من الإغاثة إلى الصحة والتعليم. هذا التراجع لن يكون ماليًا فقط، بل سيكون له بالغ الأثر فى القدرة على الاستجابة للأزمات، وفى جودة البرامج، وفى عدد المستفيدين. وهو ما كشف هشاشة النموذج المرتكز على تمويل من طرف واحد.
المجتمع المدنى بلا مظلة..
المجتمع المدنى العالمى سيكون هو المتلقى الأول لتداعيات هذا الانسحاب. وهو ما سيعيد النظر فى منظومة، استقرت فيها لسنوات طويلة.. المنظمات غير الحكومية الدولية والمجالس الحقوقية والمبادرات المحلية.. فى الاعتماد على منظومة دولية متماسكة لتوفير التمويل والحماية السياسية والشرعية الدولية.
تراجع الدور الأمريكى، سينتج عنه اختلال فى هذه المنظومة، ولم تعد المنظمات الأممية.. قادرة على توفير الغطاء السياسى نفسه، وسترتفع تكلفة متابعة أحوال العمل الحقوقى، خاصة فى الدول التى تتبنى خطاب السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجى. هذا الواقع سيدفع غالبية تلك المنظمات إلى التحول من منطق «التأثير» بالشجب والإدانة إلى منطق أكثر سطحية وهامشية بالاكتفاء بحالة «البقاء» بالبيانات والتصريحات.
الفراغ الأمريكى..
غياب الولايات المتحدة عن عدد واسع من المنظمات لن يترك فراغًا محايدًا، بل سيفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لإعادة ملء الفراغ داخل هذه المؤسسات، ولن يكون هذا التوسع.. مشروطًا بالمعايير التى حكمت النظام الدولى الليبرالى، بل سيرتبط باعتبارات النفوذ والمصلحة الجيو سياسية.
هذا التحول سيغير موازين النقاش والتفاوض داخل المنظمات الدولية، وسيضعف حضور الخطاب الحقوقى، وسيعزز منطق عدم التدخل. وهو ما سينعكس على صياغة القرارات وعلى طبيعة أولويات العمل الدولى بعد ذلك.
عودة الحرب الباردة..
النتيجة المنطقية، أن الانسحاب الأمريكى سيسهم فى تعميق حالة الاستقطاب الدولى. وبدلًا من أن يقود النظام الدولى.. قوة واحدة من داخل المؤسسات، سيتشكل نظام أكثر سيولة، تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ المؤسسى والأخلاقى.
هذه العودة إلى منطق الصراع لا تشبه الحرب الباردة التقليدية بتاتًا، بل تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا.. تتنافس على القواعد، وعلى تعريف الشرعية الجديدة، وعلى من يمتلك حق تمثيل «المجتمع الدولى المستحدث». وفى هذا السياق، تتحول المنظمات الدولية من أدوات تعاون إلى ساحات صراع سياسى ناعم.
عالم بلا مرجعية..
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل إدارة العالم بعد هذا الانسحاب، الأول يقوم على تفكيك تدريجى للتعددية الدولية فى ظل تراجع قدرة المنظمات الأممية على التنسيق واتخاذ قرارات فعالة، والثانى يتمثل فى صعود التكتلات الإقليمية كبدائل بشكل جزئى، مع غياب إطار عالمى جامع، أما السيناريو المرجح، فيقوم على حالة من المزج بين انسحاب أمريكى رسمى، فى مقابل حضور انتقائى وغير معلن عند الضرورة.. حين تتقاطع الأزمات العالمية مع المصالح الأمريكية المباشرة.
نقطة ومن أول السطر..
انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من 66 منظمة دولية فى ولاية الرئيس ترامب الثانية.. لا يعنى نهاية النظام الدولى، ولكنه يبشر بدخول مرحلة جديدة.. تتسم بالهشاشة وعدم اليقين، القوة التى أسست هذا النظام لم تعد راغبة فى تحمل تكلفته، دون أن يظهر بديل قادر على ملء الفراغ بالكامل.
العالم اليوم لا يواجه فراغًا فى القيادة فحسب، بل أزمة فى تعريف الشرعية الدولية ذاتها. وهنا، يصبح السؤال الأهم ليس فيمن يقود النظام العالمى، بل: هل ما زال هذا النظام قابلًا للإدارة أصلًا فى غياب القوة التى صاغته؟!











