أسامة سلامة
طُعم الغضب الذى يصطاد المصريين
اختارت دار نشر جامعة أكسفورد البريطانية مصطلح «طُعم الغضب» - بضم الطاء - لتكون كلمة عام 2025، وهو يشير حسب بيان جامعة أكسفورد إلى المحتوى الموجود على الإنترنت الذى تم تصميمه لإثارة الغضب أو السخط أو الاستفزاز، بغرض جذب التفاعل مع حساب محدد على وسائل التواصل الاجتماعى، وبهدف زيادة المشاهدات والانتشار مهما كانت النتيجة التى سيؤدى إليها هذا المحتوى والثمن الذى يدفعه المجتمع، أى أنه الفخ والطُعم الذى يصطادوا به الغاضبين ليحصلوا من ورائه على مكاسب طائلة،.وبحسب تحليلات أكسفورد فإن مثل هذه المحتويات يتزايد انتشارها بشدة مقارنة بالمحتوى العادى أو المفيد، وأنه كلما زاد الاستفزاز زادت المشاهدات، ويقاس النجاح لأصحاب هذا المحتوى بكمية الغضب فى التعليقات، باعتبار أن الغضب والاستفزاز يبقى المتلقى وقتًا أطول أمام الشاشة، وترى أكسفورد أنه من أجل هذا الهدف يتم استخدام عدة محتويات مثل، فيديو صادم، منشور مستفز، عنوان مثير، معلومات ناقصة أو مغلوطة، رأى شديد التطرف، صورة غير حقيقية، ما يخلق جدلاً لدى مشاهدى المحتوى، ويجذب «لايكات»، وتعليقات، أو حتى شتائم، وهو ما يؤدى الى التفاعل والمشاركة وزيادة المشاهدات، لهذا رأت الجامعة العريقة أن هذا المحتوى أصبح ظاهرة اجتماعية تتطلب تسمية واضحة، وليس هناك أفضل من تعبير طُعم الغضب، ما دفع أكسفورد لهذا الاختيار والدراسة هو أن هذا النوع من المحتوى يؤثر سلباً على الصحة العقلية والنفسية، ويؤدى إلى القلق والاكتئاب، حيث يسبب مشاهدته أو قراءته إلى إفراز هرمون التوتر (الكورتيزول)، ما يؤثر على المزاج والتركيز والذاكرة، ويجعل الدماغ أكثر حساسية للمحفزات، لذا يُنصح بتجاهله أو التمهل قبل التفاعل معه، وترى أكسفورد أن كثرة التفاعل مع هذه المحتويات زاد من أرباح صناع المحتوى والمنصات وهو ما يغرى كثيرون بتقليدها وصناعة محتويات مماثلة لها، لكن أين نحن من مثل هذه الدراسات؟، أن ما لاحظته أكسفورد واهتمت به موجود لدينا بكثرة، وتتزايد مثل هذه المحتويات يوما بعد يوم، وتستخدم نفس الوسائل سواء الفيديوهات الصادمة أو المنشورات المستفزة التى تحتوى على معلومات خاطئة أو تتعمد خلط الحقائق بالأكاذيب أو تتضمن آراء متطرفة سواء دينية أو سياسية أو اجتماعية أو رياضية أو حكايات فنية مُختلقة، بل ويصل الأمر إلى معلومات علمية وطبية غير دقيقة، بجانب الصور والفيديوهات غير اللائقة، ربما آخر وأبرز مثال على ما سبق هو فيديوهات فرح «كروان مشاكل» والذى حظى بمشاهدات عالية وتعليقات غاضبة كثيرة للغاية بسبب المقاطع المسفة وغير اللائقة، وهو ما حقق أهداف صاحب المحتوى، وإذا كانت أكسفورد اهتمت بتأثير هذه المحتويات على الصحة النفسية فإننا نحتاج دراسات معمقة من مراكز الدراسات والأبحاث حول تأثير هذه المحتويات على المجتمع ليس من الناحية النفسية والعقلية فقط رغم أهميتها، ولا من الناحية القانونية فهذه تتعامل معها الأجهزة الأمنية والهيئات القضائية، لكن من جوانبها المختلفة، السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، مثلا هل أدت بعض المحتويات إلى زيادة الاحتقان السياسى والدينى، وأصبحت وسيلة لشق الصف، خاصة فيما يتعلق ببعض المحتويات الدينية التى تصب الزيت على نار الطائفية، مثل فتاوى سلفية بعدم تهنئة الأقباط بأعيادهم ما يثير غضب المسيحيين والمسلمين معا، وهى تخالف فتاوى الأزهر التى تبيح هذه التهنئة وترى انه من الفضل المطلوب، وهناك فتاوى أخرى مثيرة للجدل مثل نكاح الزوجة المتوفاة وزواج الفتاة الصغيرة طالما تتحمل النكاح وهو ما يخالف الطبيعة البشرية وقواعد الدين الحنيف، وبالطبع يحظى أصحاب هذه الفتاوى بمشاهدات كبيرة وتعليقات غاضبة ردا على عدم منطقية هذا الكلام، كما أن هناك منشورات وتعليقات تهاجم الإسلام وهو أيضًا ما يثير غضب المسلمين، فى الجانب الاجتماعى هناك أسئلة يجب البحث عن إجابات لها.
مثل هل لهذه المحتويات تأثير على زيادة حالات الطلاق فى المجتمع؟ بعد أن شاهدنا دعوات كثيرة تطالب المرأة بذلك وان حريتها اكبر من قيد الزواج، فى المقابل توجد فيديوهات تطالب بتعدد الزوجات وتدعو له، وأخرى تقدم نصائح غريبة للأسر وكلها تؤدى إلى خراب البيوت، أيضا ما تأثير هذه المحتويات على زيادة الانحراف بعد أن أصبحت فيديوهات بعينها وسيلة لجنى أموال طائلة عن طريق التعرى، وحتى فى الرياضة أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى مكانا للتنابذ والتناحر والمكايدة وهو ما قد يؤدى - لا قدر الله - إلى مذبحة مثلما حدث فى بور سعيد خلال مباراة بين الاهلى والمصرى عام 2012 ونتج عنها 74 شهيدًا، المعلومات المغلوطة تمتد إلى التاريخ وتشوه رموزا وطنية ليس بهدف النقاش العلمى ولكن من أجل زيادة المشاهدات، وكذلك فى الفن يتم نشر حكايات خرافية عن الفنانين والفنانات تشوه صورتهم وتسئ إلى سمعتهم، مثل التى تتناول علاقتهم بأجهزة المخابرات وجوازاتهم وعلاقاتهم السرية، أعتقد أن علينا الاهتمام بهذا الأمر وأن نقتدى بأكسفورد ندرس ونعرف الأسباب والنتائج، دون أن نجعل من ذلك سببا لزيادة الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعى أو تكبيلها بقيود تنهى دورها، فهى لا تخلو من فوائد كبيرة للمجتمع، فقط يجب أن نفهم ونعرف ما هو طُعم الغضب الذى يتم به اصطياد المصريين؟











