الأحد 11 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ماذا بعد احتجاز مادورو

فنزويلا على حافة الانتقال السياسى أم فوضى بلا أفق

فى لحظة خاطفة، بدا وكأن النظام الدولى الذى استقر -ولو هشًا- تلقى ضربة فى صميمه.. فخبر واحد كان كافيًا ليربك عواصم العالم، ويُدهش غرف الأخبار لثوان قبل أن تنفجر بأسئلة لا تنتهى.. «الولايات المتحدة» تُعلن تنفيذ ضربة واسعة النطاق داخل «فنزويلا»، وتؤكد اعتقال رئيسها المنتخب «نيكولاس مادورو»، فى حدث غير مسبوق بتاريخ العلاقات الدولية المعاصرة. 



 

لم تكن الصدمة نابعة فقط من طبيعة العملية، أو من هوية الطرف المنفذ، بل من كون المستهدف رئيس دولة ذات سيادة، لم تكن -بحسب المعايير المتداولة- فى حالة حرب أو نزاع، ولا تشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا يبرر هذا النوع من التدخل الصارخ. 

زلزال سياسى

وفجأة، عاد منطق القوة ليتصدر المشهد، حيث تُعلّق مبادئ السيادة، ويُهمش القانون الدولى، وتُختزل الشرعية فى ميزان التفوق العسكرى. 

وبين ردود فعل دولية متباينة، يقف العالم أمام مفترق طرق حاسم، مدركًا أن ما جرى ليس خبرًا عابرًا، بل زلزال سياسى قد تعيد ارتداداته تشكيل النظام الدولى لسنوات مقبلة.

الفكر الغربى

ورغم الزخم الإعلامى الذى صاحب اعتقال «مادورو»، فإن القراءة الأعمق للمشهد ظهرت داخل غرف مراكز الأبحاث، حيث لم يُنظر للعملية باعتبارها نهاية القضية، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة. 

فعلى سبيل المثال، رأت «شانون كيه. أونيل» نائبة الرئيس الأولى ومديرة الدراسات فى مجلس العلاقات الخارجية أن عزل «مادورو» لا يعنى بالضرورة انتقالًا ديمقراطيًا فى «فنزويلا»؛ متوقعة أن المرحلة المقبلة مرشحة لعدم الاستقرار وربما الفوضى، خاصة فى ظل غياب استعداد أمريكى لاحتلال طويل الأمد.

ومن جانبها، انتقدت «روكسانا فيجيل» الباحثة فى الشئون الدولية والأمن القومى فى مجلس العلاقات الخارجية -ما وصفته- بالانحراف الأمريكى عن دعم الديمقراطية، نحو إعطاء الأولوية لمصالح النفط؛ قائلة: إن تصريحات «ترامب» حول إدارة «فنزويلا»، وإعادة تأهيل قطاعها النفطى، دون الحديث عن انتخابات، أو مسار ديمقراطى واضح، تعكس استعدادًا لاحتلال مفتوح غير محدد المدة.

بدوره، رجح «أليكس بليتساس» كبير الباحثين فى المجلس الأطلسى، ورئيس سابق لعمليات خاصة بوزارة الدفاع الأمريكية 3 سيناريوهات محتملة؛ الأول: يتمثل فى انشقاق نخب النظام الفنزويلى، والتفاوض على انتقال منظم للسلطة، مقابل ضمانات قانونية أو سياسية؛ والثانى: يفترض تعاونًا غير معلن بين «واشنطن» وعناصر من النظام لإدارة المرحلة الانتقالية؛ والثالث: يتمثل فى تفكك الدولة، وانزلاقها إلى صراع مسلح طويل الأمد، تقوده جماعات إجرامية وميليشيات، ما يحول «فنزويلا» إلى ساحة نزاع مستدامة، ويضاعف معاناة المدنيين.

ضربة تكتيكية

إن توقعات مراكز الفكر الغربية المقتضبة كانت تحتاج لتسليط الضوء على تفاصيلها أكثر من وجهات نظر مختلفة، لتكتمل الصورة.

وفى هذا الصدد، وصف دكتور إسماعيل تركى أستاذ العلوم السياسية -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- اعتقال «مادورو» بأنه عملية جراحية دقيقة تمت بمشرط جراح، لإزالة رأس النظام، والحفاظ على هيكل الحكم والدولة، خشية تحمل التكاليف الباهظة، مثلما حدث فى «أفغانستان» 2001، و«العراق» 2003، و«ليبيا» 2011.

وأوضح أن العملية الأمريكية تُعد ضربة تكتيكية، تهدف لفرض مصالحها بشكل مباشر، المتمثلة فى: الحد من النفوذ الروسى والصينى فى جوار «الولايات المتحدة»، بما يتماشى مع استراتيجية الأمن القومى الأمريكية الجديدة؛ وتأمين احتياطيات النفط الفنزويلية على المدى الطويل لصالح الشركات الأمريكية؛ إلى جانب إحياء «واشنطن» لمفهوم فرض الأهداف بالقوة العسكرية عند الضرورة، كإجراء تحذيرى للدول الأخرى فى المنطقة وخارجها، وخاصة «كوبا، وكولومبيا، وإيران، والدنمارك (جرينلاند)»، وأيضًا «الصين، وروسيا» نفسهما؛ فضلاً عن الأهداف الداخلية، وإظهار «ترامب» بمظهر القائد القوى الذى يدافع عن المصالح الأمريكية.

وقال «تركى»: إن  فقدان «فنزويلا» للاستقلالية الاقتصادية -عبر إعادة تأهيل قطاع الطاقة من خلال عقود امتياز طويلة الأمد لشركات أمريكية كشرط لرفع العقوبات- سيكون استعمارًا اقتصاديًا فى نظر الشارع الفنزويلى، والقوى الإقليمية الأخرى؛ مؤكدًا -فى الوقت ذاته- أن الفراغ السياسى فى «كاراكاس» بمثابة (قنبلة موقوتة) تتجاوز حدود «فنزويلا».

كما أكد أن «فنزويلا» تمر بمنعطف تاريخى حرج للغاية، فى ظل وجود سيناريوهات قابلة للتحقق، منها: 

السيناريو الأول: الانتقال التفاوضى (المسار المنظم)، الذى يسعى إليه المجتمع الدولى وقطاعات من المعارضة لتجنب حرب أهلية.. ويتم ذلك عبر حكومة «تسيير أعمال» مشتركة، تولى شخصية مثل: «ديلسى رودريجيز» -التى أدت اليمين كرئيسة مؤقتة مؤخراً- أو «خورخى رودريجيز» زمام الأمور بالتنسيق مع المعارضة، والاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية جديدة فى غضون أشهر، مقابل منح حصانات للنخبة الحاكمة السابقة، لضمان عدم تأجيج الأوضاع؛ مؤكدًا أن نجاح هذا السيناريو يعتمد بشكل أساسى على موقف القوات المسلحة.

أما السيناريو الثانى: (الفوضى الناتجة عن التفكك)، الذى اعتبره الخطر الأكبر، حيث ينهار المركز دون وجود بديل جاهز، وتعدد مراكز القوى؛ موضحًا أن غياب «مادورو» قد يؤدى لصراع أجنحة داخل النظام، وانتشار مجموعات مسلحة غير نظامية قد تبدأ حربًا، مما يعطل إنتاج النفط، ويخلق حالة من انعدام الأمن الشامل.

أما السيناريو الثالث: (الاستمرارية المقنعة)، أو إدارة الأزمة بدل من حلها بشكل جذرى؛ وذلك أن يتمكن النظام من إعادة تنظيم صفوفه، تحت قيادة جديدة، مع تقديم تنازلات شكلية للولايات المتحدة، بخصوص ملفات النفط والهجرة، دون تغيير هيكلى فى طبيعة السلطة، وهو ما قد يؤجل الفوضى، لكنه لا ينهى الأزمة السياسية.

غضب بكاراكاس

من داخل «كاراكاس»، تبدو الصورة مختلفة تمامًا؛ حيث يُنظر إلى التدخل الأمريكى كتهديد وجودى للدولة، والهوية الوطنية، إذ قال «خالد الهندى» عضو الحزب الاشتراكى الفنزويلى -فى تصريحات لمجلة

«روزاليوسف»- إن فكرة إدارة «الولايات المتحدة» المؤقتة للثروات الطبيعية فى «فنزويلا» مرفوضة أساسًا؛ معتبرًا أن «واشنطن» تستخدم قواتها لإخماد صوت العدالة فى العالم.

وفى هذا الصدد، أوضح «الهندى» أن «مادورو» كان يضغط لاستقلال الطاقة فى البلاد، وهو ما أثار حفيظة «واشنطن» التى تسعى - حسب تصريحات «ترامب»- للسيطرة على تلك الحقول، ما يُعد تجاوزًا للسيادة الفنزويلية.

كما أضاف: إن تفكك النظام الفنزويلى ليس فى مصلحة أحد سواء المعارضة أو الموالين، ولا حتى فى مصلحة «الولايات المتحدة» أو أى دولة من دول المنطقة، لما سيسفر عن ثورة عارمة، وانتفاض الشارع، وازدياد معدلات السلب والنهب؛ معبرًا أن هذا أمر متوقع حال إصدار «واشنطن» قرارًا بقصف واستهداف البنى التحتية، ومحاولة احتلال «فنزويلا». 

ثم شدد على رفض الشعب الفنزويلى -بمن فيهم المعارضة- المساس بالسيادة والأمن القومى؛ مؤكدًا أن الشارع الفنزويلى لن يهدأ حال سيناريو احتلال البلاد؛ متوقعًا أن تثور قوات الجيش، وقوات (Colectivos) أو (الكوليكتيفوس) فى «فنزويلا»، التى وصفها بأنها من أرسى الأمن والأمان فى «فنزويلا»، لأنها تقوم بتطبيق القانون الفنزويلى على الجميع.

يذكر أن (الكوليكتيفوس)، هم مجموعات شعبية مسلحة، نشأت فى الأصل كتنظيمات مجتمعية ذات طابع سياسى/اجتماعى، ويُطلق عليها تنظيمات شعبية للدفاع الذاتى وامتداد للإرادة الشعبية الفنزويلية.

وبالعودة لكلام «الهندى»، فرأى أن السيناريو المرجح، هو بدء محادثات مع القوى المعارضة الإيجابية التى لا تسعى للعنف، ليكون هناك انتقال سلس بانتخابات شفافة، عبر هيئة الانتخابات العامة فى «فنزويلا»، وهى دائرة مستقلة لا تخضع لأوامر أى جهاز من الدولة.

نتائج باهظة

داخل دوائر التحليل فى «واشنطن»، يُنظر إلى العملية الأمريكية باعتبارها نجاحًا تكتيكيًا قصير المدى، يُقابله قلق متزايد من تداعياته الإقليمية والدولية، إذ أوضح «باسم أبوسمية» الباحث السياسى، أن اعتقال «مادورو» خطوة محسوبة على المستوى الاستراتيجى، لأنها تعكس خطة طويلة المدى، لمواجهة -ما تعتبره- «واشنطن» تهديدات أمنية، واستغلالًا لموارد الدولة الفنزويلية؛ مضيفًا -فى الوقت نفسه- أنها ضربة تكتيكية دقيقة، لأن تنفيذها كان لحظيًا ومركزًا لتحقيق هدف محدد، وهو اعتقال «مادورو»، ونقله إلى الأراضى الأمريكية.

كما وصف العملية بأنها ليست مجرد رد فعل عشوائى، بل خطوة استراتيجية كبيرة مع مخاطر كبيرة - أيضًا- (سياسيًا، وقانونيًا) على الساحة الدولية.