السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
مستقبل جماعة ميتة

مستقبل جماعة ميتة

يواجه  تنظيم «الإخوان» واحدة من أخطر اللحظات فى تاريخه، لا بوصفها أزمة عابرة يمكن تجاوزها، ولا كمحنة سياسية ناتجة عن ضغوط أمنية أو تغيرات ظرفية، بل باعتبارها حالة «موت إكلينيكي» مكتملة الأركان، ناجمة عن فقدان التنظيم لأى قدرة حقيقية على الحياة والاستمرار. فالمشهد القائم داخل الجماعة لا يشير إلى تراجع مؤقت أو انحسار مرحلي، وإنما يكشف عن كيان استُنفدت مقوماته، وتآكلت بنيته، وانفصل عن زمنه، وبات عاجزًا عن إنتاج معنى أو مشروع أو أفق.



 

إن ما يتكشف داخل الصف الإخوانى من صراعات قيادية حادة، وانقسامات فكرية وتنظيمية عميقة، لا يمكن قراءته باعتباره خلافًا داخليًا طبيعيًا، بل بوصفه عرضًا مباشرًا لانهيار «الفكرة الجامعة» التى قامت عليها الجماعة منذ تأسيسها. فقد دخل التنظيم طور «التفكك الصامت»؛ لا ذلك التفكك الصاخب الذى يصاحبه انشقاق علنى أو انقسام درامي، وإنما التفكك الأخطر المتمثل فى التآكل البطيء والمتدرج من الداخل، الذى يُفرغ التنظيم من مضمونه دون أن يترك له فرصة الانفجار أو إعادة التماسك. وهو تآكل قد يبدو أبطأ من السقوط المفاجئ، لكنه أكثر حسمًا؛ لأنه لا يترك خلفه إلا هيكلًا بلا روح، وتنظيمًا بلا وظيفة.

وفى الحالة المصرية، يبدو هذا الموت التنظيمى أكثر وضوحًا وجلاءً. فقد كشفت تجربة ما بعد عام 2011، حين أُتيحت للجماعة فرصة اختبار شعاراتها فى واقع الحكم، عن حقيقة تنظيم مغلق، أسير لذاته، غير قادر على التفكير خارج منطق «الجماعة»، ولا على إدارة دولة حديثة بتعقيداتها وتشابكاتها. فقد انشغلت الجماعة بتمكين كوادرها، وإعادة إنتاج تنظيمها داخل مؤسسات الدولة، أكثر مما انشغلت ببناء توافق وطنى أو تقديم رؤية جامعة، وهو ما أسقط عنها سريعًا ما تبقى من رصيد الثقة الشعبية.

وعندما سقط حكم الإخوان فى عام 2013، لم تكن الصدمة التى تلقتها الجماعة أمنية فحسب، بل كانت فى جوهرها أزمة «شرعية اجتماعية وسياسية». وبدلًا من أن تواجه الجماعة لحظة السقوط بمراجعة عميقة وشجاعة، اختارت الهروب إلى خطاب «المظلومية»، ورفضت الاعتراف بالأخطاء، ثم انزلقت تدريجيًا من المجال السياسى إلى التحريض، وصولًا إلى ممارسات عنيفة وإرهابية لدى بعض أجنحتها؛ الأمر الذى أدى إلى تدمير ما تبقى من جسور بينها وبين المجتمع، وتحولها فى الوعى العام من فاعل سياسى إلى عبء تاريخي.

والأخطر من ذلك، أن الجماعة حتى هذه اللحظة لم تقدم مراجعة فكرية واحدة ذات قيمة، لا فى تصورها للدولة، ولا فى علاقتها بالمجتمع، ولا فى فهمها لمفهوم الوطن، ولا حتى فى قراءتها للدين ذاته، الذى ما زالت تتعامل معه بوصفه أداة تنظيمية لا إطارًا أخلاقيًا جامعًا. هذا الغياب الكامل للنقد الذاتى جعل الجماعة تبدو كتنظيم انتهت صلاحيته التاريخية، غير قابل للتجديد، وغير قادر على إنتاج خطاب يتناسب مع واقع مختلف جذريًا عن ذلك الذى نشأت فيه.

وعلى المستوى الإقليمي، لم تكن الصورة أقل قتامة؛ ففى تونس، انتهت تجربة حركة «النهضة» —التى طالما رُوّج لها باعتبارها النموذج الإخوانى الأكثر اعتدالًا— إلى فقدان السلطة والشعبية معًا، بعد أن انكشف التناقض الصارخ بين خطاب مدنى مصقول وممارسة تنظيمية إخوانية تقليدية. وفى الأردن والمغرب والكويت، تراجعت الأحزاب المحسوبة على الإخوان انتخابيًا وشعبيًا، بالتوازى مع تصاعد صراعات داخلية حادة بين أجيال متناحرة؛ ما بين جيل قديم متشبث بهياكل مهترئة، وجيل شاب يفر من التنظيم أو يطالب بالخلاص منه. أما فى دول الصراع، كليبيا واليمن وسوريا، فقد ارتبط اسم الجماعة بالفوضى والانقسام، لا بوصفها قوة إصلاح، بل كجزء أصيل من معادلة الخراب.

ودوليًا، فقدت جماعة الإخوان الكثير من الغطاء الذى تمتعت به لعقود. وصحيح أنها ما زالت تحتفظ ببعض شبكات الضغط ومنصات الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، إلا أن المزاج الغربى نفسه قد تغيّر؛ فبعد سنوات من التسويق للإخوان باعتبارهم نموذجًا لـ«الإسلام السياسى المعتدل»، بدأت دوائر أمنية وأكاديمية غربية تنظر إلى الجماعة بوصفها تنظيمًا برجماتيًا يوظف الديمقراطية تكتيكيًا ولا يؤمن بها مبدئيًا. ومع انكشاف شبكات التمويل والعلاقات التنظيمية، وتورط كيانات محسوبة على الإخوان فى دعم خطاب الكراهية أو التطرف، فُرض على الجماعة نوع من الحصار القانونى والأخلاقى «الناعم»، الذى قلّص قدرتها على الحركة والمناورة.

أما من الناحية التنظيمية الصرفة، فإن الجماعة فى مصر تسير بثبات نحو مزيد من التفكك والتشظي. فالصراع المحتدم بين «الحرس القديم» والقيادات الوسيطة والشبابية ليس صراعًا على إدارة تنظيم، بل على تعريفه هويته: هل هو كيان دعوي؟ أم حزب سياسي؟ أم تنظيم ثورى صدامي؟ ومع انهيار الهياكل المركزية وسقوط ما كان يُسمى بـ «القيادة الرمزية»، غابت المرجعية، وتعددت الأصوات، وتناقضت المواقف، وامتد الارتباك من القمة إلى القاعدة. وقد تلقت الأجيال الشابة الضربة الأشد، بعد سنوات من التضحيات دون أفق أو أمل، مما أنتج حالة تمرد صامت وانسحاب جماعى هادئ، هو فى حقيقته إعلان غير مكتوب عن موت التنظيم.

ولذلك، فإن ما يجرى اليوم ليس انقسامًا قابلًا للاحتواء، بل هو «تحلل بنيوي» يتمثل فى انسحابات صامتة، وكيانات هامشية بلا تأثير، أو ذوبان كامل خارج المجال العام. ورغم أن احتمالات ولادة تنظيم جديد قوى من رحم الإخوان تظل شبه مستحيلة، فإن الأهم هو أن البيئة التى أنجبت الجماعة أصلًا لم تعد موجودة، وأن المجتمع لم يعد مستعدًا لتكرار التجربة أو دفع كلفتها الباهظة مرة أخرى.

وفى العمق، لا تتعلق الأزمة بجماعة الإخوان وحدها، بل بمشروع «الإسلام السياسي» فى صيغته التقليدية، الذى فشل فشلًا ذريعا فى تقديم إجابات حقيقية لأسئلة الدولة الوطنية، والمواطنة، والتعددية، وحقوق الإنسان، والعلاقة بين الدين والسياسة. لقد بُنى هذا المشروع على شعار «الإسلام هو الحل»، لكنه عجز عن تحويل الشعار إلى سياسات، وعن الانتقال من «الوعظ» إلى «الحكم»، ومن «التنظيم» إلى «الدولة». ومع صعود أجيال جديدة أقل أيديولوجية وأكثر اتصالًا بالعالم، بدا هذا الخطاب غريبًا عن العصر، فاقدًا للغة الإقناع وأدوات الفهم.

ومن ثم، فإن السؤال الحقيقى لم يعد: هل يمكن لجماعة الإخوان أن تعود؟ بل: هل كان يمكن لهذا المشروع أن يستمر أصلًا؟

والإجابة، وفق كل المعطيات، تؤكد أن ما نشهده اليوم ليس أزمة مؤقتة، بل هو الإعلان غير الرسمى عن نهاية جماعة، ونهاية مشروع، ونهاية وهم طال بقاؤه أكثر مما يحتمل التاريخ.