بعد «إعادة سياسة الضغط القصوى».. كيف سيتعامل اللوبى الإيرانى فى أمريكا مع ترامب؟

الحسين عبدالفتاح
ينشغل اللوبى الإيرانى فى الولايات المتحدة حاليًا بالمذكرة الرئاسية التى وقعها الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، مؤخرًا، والتى تقضى بـ«إعادة سياسة الضغط القصوى على إيران لمنعها من الحصول على سلاح نووى ومواجهة نفوذها المزعزع للاستقرار فى الخارج»، تاركًا الباب مواربًا لخيار التفاوض بعدما قال: «سنرى ما إذا كان بإمكاننا ترتيب صفقة مع إيران، حتى يعيش الجميع بسلام». ومنذ إعادة تنصيب ترامب، فى العشرين من يناير الماضى، شرعت الجماعات والكيانات المحسوبة على إيران والمتقاطعة معها فى الولايات المتحدة (اللوبى الإيرانى) فى إعادة حساباتها بدقة، كون المرونة التى كانت تتحرك بها خلال الإدارة الأمريكية السابقة، برئاسة جو بايدن، لن تكون متاحة خلال الفترة الرئاسية الجديدة لترامب.
ومنذ الثورة الإيرانية عام 1979، كانت الفترة الرئاسية الأولى لترامب (2016-2020) الأكثر تصعيدًا، وهو ما تخشاه طهران خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكى، وسط محاولات لتجنب الهجوم العسكرى على منشآتها النووية أو إعادة ملفها إلى مجلس الأمن الدولى، والحد من زيادة العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها.
ويضع ترامب إيران أمام خيارين: التفاوض بشروط الولايات المتحدة أو مواجهة السقوط، فقد اعترفت طهران بأنها لا ترغب فى التصعيد، لكنها تدرك جيدًا مخاطر التهديدات، لذا، تسعى، الآن، إلى التعامل مع الحكومة الأمريكية الجديدة عبر قنوات غير رسمية، سيلعب خلالها اللوبى الإيرانى فى الولايات المتحدة دورًا مهمًا.
تشير مصادر متطابقة إلى أن معظم أنشطة الكيانات المحسوبة على اللوبى الإيرانى فى الولايات المتحدة ستكون أقل كثافة فى الأنشطة، وأقل حدة فى الخطاب السياسى والإعلامى، وأنها ستتبنى لهجة دبلوماسية هادئة، بدليل أنه بعد ساعات من إعلان فوز، ترامب، أعاد أكبر هذه الكيانات، «المجلس الوطنى الأمريكى- الإيرانى»، تذكير الرئيس الأمريكى بتعهدات حملته الانتخابية.
كان «المجلس» يشير إلى إعلان ترامب تفضيله الدبلوماسية ومناهضته للحرب، ما يعكس توجهات جماعات الضغط الإيرانية خلال الفترة المقبلة، وكيف ستحاول عبر «الدبلوماسية الناعمة» أن توجّه السياسة الخارجية الأمريكية لخدمة إيران، وإن كانت هذه الكيانات من أكثر الأطراف المثيرة للجدل، فى ضوء تنوع أطرافها (منظمات وأفراد) وأدوارها فى المشهد العام الأمريكى.
قبل ولاية ترامب، كان اللوبى الإيرانى فى الولايات المتحدة ينشط فى توظيف وسائل متعددة، بما فى ذلك الضغط المباشر على الكونجرس (مجلسى النواب والشيوخ) وتنظيم الفعاليات، وإصدار التقارير، واستخدام وسائل الإعلام لتسويق الرؤى التى تخدم المصالح الإيرانية. لكن المتغير هذه المرة هو أن هذه الكيانات لن تكون «منطلقًا» خلال ولاية ترامب. ليس هذا فقط، لأن اللوبى اليهودى سيكون الأكثر قوة وتأثيرًا على الإدارة الأمريكية الجديدة من اللوبى الإيرانى، وليس لأن جزءًا من الجالية الإيرانية الأمريكية يعارضون النظام الحاكم فى طهران، ولكن لأن ترامب نفسه لديه وجهة نظر متشددة تجاه إيران، وبالتالى فإن هذا التوجه سينعكس على سياساته تجاه النظام الحاكم فى طهران، والأدوات الوظيفية التى تساعده فى الخارج.
تركيبة معقدة
اللوبى الإيرانى فى الولايات المتحدة، مظلة لشبكة معقدة تضم منظمات وكيانات وأفراد يعملون أحيانًا بشكل منسق وأحيانًا أخرى بشكل مستقل، سواء عبر تقديم رؤى إيجابية عن إيران، أو انتقاد السياسات العقابية المفروضة عليها: اقتصاديًا، وسياسيًا، أو حتى أمنيًا، على النحو الذى ظهر فى القرارات الصادرة بتنفيذ عمليات عسكرية محدودة.
نتذكر كيف كانت تحركات الجماعات المؤيدة لإيران فى الولايات المتحدة بعد تصديق الرئيس ترامب، خلال ولايته الأولى، على استهداف ميليشيات تابعة لطهران فى الجوار العربى، أو التخلص من قيادات إيرانية ميدانية بارزة، كسلسلة الجنرالات الذين كانوا يعملون فى سوريا ولبنان، وتصفية قيادات الصف الأول، كقائد فيلق القدس، قاسم سليمانى، فى 3 يناير 2020.
سياسيًا وقانونيًا، يرتكز اللوبى الإيرانى على مجموعة من الهيئات المسجلة فى الولايات المتحدة، وفقًا للتشريعات المنظمة لأنشطة الضغط السياسى، والإفصاح النسبى عن سجلاتها، وإن كان الجزء الأكبر من هذه الأنشطة يندرج تحت مظلة السرية، سواء من خلال حرص هذه الجماعات على تفاصيل تحركاتها، أو برغبة من الأجهزة الأمريكية التى ترغب فى عدم إعلان عمليات التنسيق.
خلال الـ30 عامًا الماضية، ظهرت مؤسسات وجماعات ضغط ينشط أفرادها من الجالية الإيرانية الأمريكية، وفى بعض الأحيان من خارجها، وتعمل هذه الكيانات على الدعوة إلى الحوار الدبلوماسى مع إيران وتخفيف العقوبات المفروضة عليها، وبين محاولات التأثير على سياسات الأمن القومى الأمريكى من خلال شبكة واسعة من العلاقات مع الدوائر الحكومية والبرلمانية.
تنفى العديد من هذه الكيانات أى علاقة رسمية لها مع النظام الإيرانى، رغم تساؤلات حول دورها فى مد الجسور بين طهران ومسئولين فى الكونجرس الأمريكى، ومحاولة التأثير على حملات انتخابية، فيما يعد «المجلس الوطنى الأمريكى - الإيرانى»، الذى يروج أنه يعمل على تعزيز حقوق الإيرانيين فى الولايات المتحدة، وتحسين العلاقات بين البلدين، من أقوى هذه الكيانات.
وسط اتهامات غير رسمية بأن تحركاته منسقة مع الحكومة الإيرانية، وأنه مجرد واجهة لطهران فى أمريكا، فـ«المجلس» ليس وحده الذى يعد «لسانًا» لإيران فى الولايات المتحدة، فهناك جماعات ومنظمات أخرى تتبنى عملية التأثير فى السياسة الخارجية الأمريكية، تتنوع أهدافها وأنشطتها، كـ«الجمعية الإسلامية الأمريكية»، التى تنشط منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضى.
تمارس الجمعية أنشطتها عبر توظيف ملفات وقضايا إسلامية، وفى المقابل، هناك مؤسسة «الثقافة والفنون الإيرانية» التى تمارس جهودها منذ التسعينيات، مستهدفة القطاع الفنى الأمريكى (المعارض، الحفلات، الثقافة) لتقديم صورة إيجابية عن إيران، فضلًا عن: مركز الدراسات الإيرانية، منظمة قادة من أجل السلام، وغيرها.
إلى جانب الكيانات الكبيرة، يأتى دور الشخصيات البارزة، ومن أشهرها: تريتا بارسى (مؤسس مجلس العلاقات الأمريكية الإيرانية) والدبلوماسى سيد موسويان (المستشار لعدة منظمات إيرانية) والأكاديمى هوشنغ أحمدى، والأهم، منظمات القوة الناعمة (مراكز الدراسات والأبحاث ووسائل الإعلام، والأوساط الأكاديمية والحقوقية الأمريكية) فى الداخل الأمريكى.
فيما يتعلق بالمراكز البحثية والأكاديمية، فهى تعمل تحت مظلة برامج الدراسات الشرق أوسطية، ويتم من خلالها تنظيم أنشطة تستهدف تسليط الضوء على واقع السياسة الإيرانية، مع استخدام الفعاليات كمنصات لنشر الرؤى الإيرانية المتعلقة بالإصلاح الداخلى، والبرنامج النووى، وغيرها، مستفيدة من الحرية الأكاديمية فى الولايات المتحدة.
السياسة والاقتصاد
يلعب اللوبى الإيرانى فى الولايات المتحدة دورًا كبيرًا فى خدمة مصالح بلاده، حتى أنه نجح عام 2015، فى دفع إدارة الرئيس الأمريكى السابق، باراك أوباما، للتوقيع على الاتفاق النووى (المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة) الذى استفاد منه النظام الحاكم فى طهران لعدة سنوات، ماليًا، اقتصاديًا، تقنيًا، وعسكريًا، قبل أن تبادر إدارة ترامب لاحقًا بالتخارج من الاتفاق.
قبل التوقيع على الاتفاق النووى الإيرانى، عام 2015، ظهر الدور الكبير لجماعات الضغط الإيرانية لتمرير الاتفاق، الذى كان ينص على الحد من الأنشطة النووية، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، ولعب «المجلس الوطنى الأمريكى- الإيرانى» دورًا كبيرًا فى تقديم تقارير وبيانات للكونجرس تؤيد الاتفاق النووى.
الخطاب الذى يتبناه اللوبى الإيرانى، حتى الآن، يروج أن التقارب الأمريكى- الإيرانى سيخدم مصالح واشنطن، وأمن منطقة الشرق الأوسط، وسيمنع إيران من تطوير أسلحة نووية، وسيحد من اللجوء إلى خيارات عسكرية، لكن الهدف الأكبر كان محاولة تخفيف الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية التى تتعرض لها إيران.
إلى جانب الأنشطة السياسية والدبلوماسية التى تمارسها جماعات الضغط الإيرانية، فإنها تنخرط فى أنشطة اقتصادية لتعزيز مصالح بلادها، عبر تنشيط شبكات تسعى إلى بناء جسور تجارية بين مستثمرين أمريكيين وشركات ذات صلة بقطاعات الطاقة والموارد الطبيعية، وذلك من خلال اتصالات مباشرة بين ممثلين عن هذه الجهات ورجال أعمال نافذين فى الدوائر المالية الأمريكية.
معضلة «التمويل»
ولأن التمويل هو العصب الرئيسى الذى يُحرك أى منظمة أو جماعة أو حتى أفراد لتحقيق الأهداف، لا سيما إذا كانت تتعلق بهندسة العلاقات الدولية أو الدفاع عن مصالح مجتمعات، فالتمويل فى حالة جماعات الضغط الإيرانية يعد قضية بالغة التعقيد، سواء كانت مصادره داخلية أو خارجية، أو بشكل مباشر أو غير مباشر.
تعتمد جماعات الضغط الإيرانية فى جانب من أنشطتها على التمويل الذاتى (الداخلى) كالتبرعات التى تأتى من العناصر التابعة ومتبرعين محليين. ويقول «المجلس الوطنى الأمريكي- الإيرانى» عن نفسه إنه «منظمة غير ربحية، تعمل على تعزيز المصالح الإيرانية- الأمريكية، وأن التمويل يعتمد بشكل أساسى على التبرعات الصغيرة والكبيرة التى تأتى من أفراد المجتمع الأمريكى الإيرانى»!
التمويل الداخلى يكون أقل انتقادًا، على عكس التمويل الخارجى، فهو محل جدل واتهامات سياسية، لخطورته، خاصة أن هناك اتهامات غير رسمية لكيانات (منها الجمعية الأمريكية الإيرانية) بتلقى تمويلات من جهات إيرانية، ما يثير تساؤلات حول مدى استقلاليتها، وما إذا كانت تعمل لغير مصالح المجتمع الذى تدعى تمثيله.
أساليب جديدة
يسعى اللوبى الإيرانى مؤخرًا لاستخدام أساليب جديدة فى التواصل مع الجهات الحكومية والإعلامية داخل الولايات المتحدة، حيث يعتمد على تحليل البيانات الضخمة لفهم توجهات الرأى العام واستهداف الفئات الأكثر تقبلًا لخطابه برسائل إعلامية مصممة بعناية، ولم يعد نشاطه يقتصر على الاجتماعات المباشرة أو المؤتمرات، بل توسع ليشمل أدوات تحليل متطورة.
ومن خلالها تُوجّه الرسائل السياسية بما يخدم أهدافه الاستراتيجية، وقد أثارت هذه الأساليب الحديثة قلق الجهات الرقابية والمحللين السياسيين، إذ يرون فيها تجاوزًا محتملًا للضوابط القانونية التقليدية، وقد دفعت هذه المخاوف بعض الجهات التشريعية للمطالبة بمراجعة قوانين جماعات الضغط، مع تعزيز آليات الرقابة لكشف أى محاولات غير شفافة للتأثير على السياسات الداخلية الأمريكية.