استراتيچيات إسرائيل وإيران لحسم الصراع السرى حرب الظـل هل تقود المنطقة لمواجهة نووية؟

الحسينى عبدالفتاح
الصراع السرى بين إسرائيل وإيران، يُعتبر أحد أكبر حروب الظل غير المعلنة، ويندرج ضمن سياق «جيوسياسي» معقد ومتعدد الأبعاد، يتراوح بين عمليات الاستخبارات المكثفة، والاغتيالات المستهدفة، والهجمات الإلكترونية الدقيقة، إلا أن التفوق الإسرائيلى يظهر بوضوح فى العديد من المجالات.
ورغم تفوق «تل أبيب»؛ فإن «طهران» تسعى، بتقنياتها الخاصة واستراتيجياتها المتنوعة، جاهدة للرد على الهجمات الإسرائيلية ضدها أو ضد أذرعها العسكرية بالمنطقة والتصدى لها بأساليبها الخاصة، لذا فهذه الحرب، التى تُدار فى الظلام بعيدًا عن أعين العامة، أصبحت إحدى سمات الصراع الإقليمى بين الدولتين، وتستمر فى التأثير على مجريات الأحداث فى الشرق الأوسط.
ومن الصعب تحديد لحظة بداية هذا الصراع، حيث كان قائمًا بشكل غير مباشر منذ عقود، لكنه شهد تصعيدًا ملحوظًا مع تنامى القوى العسكرية والتقنيات التكنولوجية المتطورة لدى البلدين، إذ لا يستهدف الصراع فقط السيطرة على منطقة الشرق الأوسط أو التفوق العسكرى المباشر، بل يتعدى ذلك ليشمل مسعى إسرائيل لحرمان إيران من تحقيق نفوذ طويل الأمد فى المنطقة، وخاصة فى المجالات النووية والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
وسعت طهران لتحقيق نفوذ استراتيجى عبر تحالفاتها مع فصائل مختلفة فى المنطقة، مثل حزب الله فى لبنان، وحركة حماس فى غزة، وقوات الحشد الشعبى فى العراق، إلى جانب دعمها للحوثيين فى اليمن، جميع هذه العناصر تندرج فى إطار استراتيجيتها الإقليمية التى تتصادم مع استراتيجية التوسع الإسرائيلى فى الشرق الأوسط.
ورغم أن إسرائيل واحدة من القوى العسكرية فى المنطقة؛ فإنها تعتمد على تفوقها الاستخباراتى والتكنولوجى، ما يجعلها تشن حربًا سرية غير تقليدية ضد إيران، لشل قدراتها العسكرية والعلمية دون الدخول فى مواجهة عسكرية مباشرة، إذ تظهر عمليات «تل أبيب» المستمرة فى مجال الاغتيالات واستهداف العلماء النوويين الإيرانيين، حجم التقدم الاستخباراتى الإسرائيلى فى اختراق الأنظمة الأمنية الإيرانية، وهذه العمليات أصبحت سمة رئيسية للصراع بين البلدين، حيث تتبنى إسرائيل سياسة استهداف الشخصيات التى تشكل تهديدًا لبرامجها الأمنية أو تلك التى تتعاون مع إيران فى مجال تطوير الأسلحة النووية.
عمليات الاغتيال التى استهدفت شخصيات بارزة مثل محسن فخرى زاده، أحد العلماء الرئيسيين فى البرنامج النووى الإيرانى، تعكس هذا المنهج، حيث لا تهدف هذه الاغتيالات إلى إضعاف قدرات إيران النووية فقط؛ بل تسعى أيضًا إلى إرسال رسالة سياسية قوية لطهران مفادها أنها لن تكون محمية من التهديدات الإسرائيلية.
فى المقابل، تسعى إيران للرد على هذه الهجمات باستخدام أدواتها الخاصة، إذ تعتمد على أحد الأساليب التى طورتها، للرد على الهجمات الإسرائيلية عبر شن هجمات إلكترونية معقدة تستهدف البنى التحتية الإسرائيلية، حيث تحاول من خلال خبراتها المتزايدة فى مجال الحرب الإلكترونية تعويض هذه الخسائر عبر تطوير تقنيات مماثلة.
ويتزامن التصعيد فى الهجمات الإلكترونية مع الحرب السرية التى تخوضها إسرائيل فى قلب إيران نفسها، عبر عمليات تجسس متقدمة، حيث أشارت تقارير استخباراتية إلى اختراقات عميقة داخل البنية العسكرية الإيرانية، بما فى ذلك اختراق جهاز الحرس الثورى الإيرانى وفيلق القدس، وهو ما يزيد من الضغط على إيران ويظهر الفجوة فى قدرتها على تأمين معلوماتها الحساسة.
وفى هذا السياق، تمكنت إسرائيل من سرقة أرشيف نووى إيرانى فى عام 2018، وهى عملية استخباراتية استهدفت جمع بيانات حساسة تتعلق ببرنامج إيران النووى.
وفى المقابل، تستخدم تل أبيب تكتيكات أخرى مثل تنفيذ ضربات عسكرية محدودة ضد المنشآت الإيرانية فى سوريا، حيث يتم تدمير الأسلحة التى قد يتم نقلها إلى حزب الله فى لبنان أو مجموعات أخرى، هذه العمليات العسكرية السرية تندرج فى إطار سياسة إسرائيل الاستباقية لوقف توسع النفوذ الإيرانى فى المنطقة.
ومن أبرز الأحداث التى جرت فى إطار هذه الحرب، عملية اغتيال إسماعيل هنية، التى أثارت الكثير من الجدل حول مدى فعالية الأجهزة الأمنية الإيرانية، حيث استهدفت العملية «هنية» فى قلب طهران، وأظهرت قدرة إسرائيل فى التسلل إلى أحد أرفع المواقع الأمنية الإيرانية، ما يطرح تساؤلات حول مستوى الاختراق الإسرائيلى للأجهزة الأمنية الإيرانية، بما فى ذلك إمكانية وجود تعاون داخلى أو اختراق تكنولوجى متقدم.
هذا النوع من العمليات يشير بوضوح إلى أن إسرائيل لا تقتصر على الحروب التقليدية، بل تمتلك أيضًا القدرة على الوصول إلى أكثر الأماكن أمانًا وتحصينًا فى عقر دار إيران، وهو ما يُظهر الفجوة الواسعة بين قدرات الطرفين فى هذا المجال.
أما فى ما يتعلق بحزب الله، فقد شكل اغتيال حسن نصر الله ضربة موجعة لإيران وحليفها اللبنانى، حيث أُضعفت قدرات الحزب الهجومية بشكل ملحوظ، فاستهداف «نصر الله» يمثل رسالة عميقة لإيران مفادها أن «تل أبيب» لن تتوانى عن استهداف أهم حلفائها فى المنطقة، وهو ما يعكس مدى تعقيد الحرب الاستخباراتية بين البلدين، كما أن الهجوم أدى إلى تراجع حدة التأثير الإيرانى فى المنطقة، خصوصًا فى ظل تكاثر الهجمات التى تستهدف بعض الأذرع العسكرية الإيرانية فى المنطقة.
أما الاختراق الذى طال فيلق القدس الإيرانى فى أكتوبر 2024، فقد أسفر عن إلقاء الضوء على الانقسامات الداخلية فى القيادة الإيرانية، فى وقت كانت فيه إيران بحاجة ماسة إلى تعزيز أمنها الداخلى، وخاصة فى الهيكل العسكرى الهام مثل فيلق القدس.
كما تبين أن التعاون والتجسس بين الأطراف المحلية والأجنبية قد يكون وراء هذا الاختراق، ما يثير العديد من المخاوف بشأن مدى تغلغل إسرائيل داخل البنية الأمنية الإيرانية، فالاختراق جعل القيادة الإيرانية أمام اختبار حقيقى حول قدرتها على مواجهة تهديدات الخارج وتنظيم صفوفها الداخلية بشكل أكثر صلابة.
على الجانب الآخر، تُظهر محاولات إيران اختراق الأراضى الإسرائيلية عبر شبكات تجسس، لردع الهجمات الإسرائيلية من خلال تنفيذ عمليات تجسس واغتيالات تهدف إلى زعزعة الاستقرار الإسرائيلى، لكن على الرغم من المحاولات الإيرانية، تمكن جهاز الشاباك الإسرائيلى من إحباط العديد من محاولات التجسس، وأثبت قدرة فائقة فى الكشف عن الخلايا التجسسية فى الداخل الإسرائيلى.
وتعد الضغوط السياسية والعسكرية جزءًا من استراتيجية أوسع لإسرائيل تهدف إلى عزل إيران فى الساحة الدولية، إذ تتبنى إسرائيل سياسة الضغط على الدول الغربية لتبنى موقف أكثر تشددًا تجاه إيران، وخصوصًا فيما يتعلق ببرنامجها النووى، وهذا الضغط يظهر فى شكل دعم الولايات المتحدة لها، كما يحدث فى إطار العقوبات الاقتصادية الدولية التى تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الإيرانى.
ويمكن القول إن الرد الإيرانى على هذه التهديدات قد تأثر بشدة بالضغوط الاقتصادية والسياسية الناتجة عن العقوبات الغربية والحرب الاقتصادية المستمرة، فإيران التى تسعى لحماية سيادتها وتحقيق نفوذ إقليمى، تجد نفسها فى مواجهة تحديات معقدة تتعلق بتقليص الدعم لحلفائها العسكريين فى سوريا ولبنان والعراق.
واستطاعت إيران أن تعزز قدراتها العسكرية عبر تطوير أسلحة جديدة، فضلًا عن توسيع نطاق تحالفاتها العسكرية فى الجوار، مما يعكس استمرارها فى محاولات الرد على الضغوط العسكرية الإسرائيلية.
ورغم أن الصراع لم يتخذ شكل حرب شاملة بين البلدين، فإن الطبيعة السرية لهذه الحرب تجعلها واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا فى العصر الحديث، فكل عملية عسكرية أو استخباراتية تتم بين البلدين، تمثل خطوة نحو تصعيد أكبر، حيث تتزايد المخاوف من أن يتحول الصراع السرى إلى مواجهة مفتوحة تؤثر على استقرار المنطقة بالكامل.
وهذا الاحتمال يظهر بوضوح فى ظل استمرار الأزمات السياسية فى المنطقة، خصوصًا فى سوريا ولبنان، حيث تشتبك المصالح الإسرائيلية والإيرانية.
ومن خلال هذه التفاعلات المعقدة بين القوى الكبرى فى المنطقة، قد يستمر هذا الصراع السرى لأعوام قادمة، مع تزايد أعداد العمليات الاستخباراتية والهجمات الإلكترونية التى تستهدف البنى التحتية الحساسة فى إيران وإسرائيل، لكن ستبقى معادلة الصراع بين إسرائيل وإيران محكومة بتوازن القوة بين الأنظمة الاستخباراتية والتكنولوجية للطرفين، مع مراعاة أن أى تصعيد كبير قد يؤدى إلى تغيير جذرى فى خريطة القوى الإقليمية والدولية، فإذا كانت إسرائيل تستفيد من تفوقها التكنولوجى والاستخباراتى، فإن إيران تمثل تحديًا استراتيجيًا عبر قدرتها على الاستفادة من تكتيك حروب الظل واستخدام أدواتها العسكرية لتوسيع نفوذها، ويظل السؤال الأساسي: إلى أى مدى يمكن أن تستمر هذه الحرب السريّة دون أن تنزلق إلى حرب علنية تغيّر مجرى التاريخ فى المنطقة؟