مع اقتراب الحرب «الروسية - الأوكرانية» من دخولها عامها الرابع هل تتقبل «موسكو» و«كييف» طاولة التفاوض فى 2025؟!

أسابيع قليلة تفصل العالم عن حرب كانت الأكثر وحشية ودموية فى «أوروبا» منذ الحرب العالمية الثانية.. الحرب الروسية - الأوكرانية، التى تدخل فى 24 فبراير 2025 عامها الرابع على التوالى.
ورغم الحرب الصفرية التى تسيطر على الساحة الروسية - الأوكرانية فى الوقت الحالى، وغموض المشهد المستقبلى إلى حد كبير؛ فإنه -لأول مرة- منذ قيام الحرب بين الجانبين وبعد سلسلة متواصلة من الانتقادات اللاذعة، والتهديدات العنيفة، التى وصلت لحد استخدام النووي- بدأ شبح حديث يظهر فى تصريحات البلدين، يشير إلى إمكانية التفاوض، وليس السلام؛ فى الوقت الذى يستعد فيه البلدان لعودة الرئيس الأمريكى المنتخب «دونالد ترامب» إلى البيت الأبيض.
فقال الرئيس الأوكرانى «فولوديمير زيلينسكي» منذ أسبوع، إن «كييف» ترغب فى إنهاء الحرب مع «روسيا» العام المقبل من خلال الوسائل الدبلوماسية.
من جانبه، شدد المتحدث باسم (الكرملين) «ديميترى بيسكوف»، على أن العملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا» ستنتهى عندما يتم تحقيق الأهداف، التى حددها الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين»؛ مضيفًا إنه يمكن تحقيق هذه الأهداف نتيجة للعملية العسكرية، أو نتيجة للمفاوضات ذات الصلة.
أسباب قد تدفع للتفاوض
رغم عدم اليقين بشأن إمكانية دخول الجانب الروسى والأوكرانى فى تفاوض يفضى إلى سلام؛ فإن المحللين السياسيين نوهوا إلى أن الحديث حول التفاوض، يعود لعدة أسباب، أبرزها، الإنهاك من تواصل حرب الاستنزاف، والوضع الاقتصادى لكلا البلدين، وعودة «ترامب» لكرسى البيت الأبيض.
ففى خلال الجزء الأكبر من العام الجارى، وصلت الحرب بين الطرفين إلى مباراة صفرية، مع تقدم روسى طفيف، ولكن بشكل منتظم داخل الأراضى الأوكرانية، بسبب الدعم الغربى غير المسبوق الذى انهال على «كييف» بالسلاح وغيرها.. فمنذ فبراير 2022، تلقت «أوكرانيا» أكثر من 235 مليار دولار من المساعدات من أكثر من 40 دولة ومؤسسة تابعة للاتحاد الأوروبى، بما فى ذلك الدعم العسكرى والمالى والإنسانى.
ومع ذلك، كبدت الحرب المستمرة منذ قرابة 4 أعوام الجانبين الكثير من الخسائر البشرية والمادية؛ إذ انعكست تلك الحرب، التى تحولت لاستنزاف بالسلب على الجانب الاقتصادى للدولتين، اللتين حاولتا التغلب على هذا الأمر، عبر اعتماد «كييف» على المساعدات الغربية لدعم اقتصادها؛ بينما لجأت «موسكو» للدول التى لم تمتثل للعقوبات الغربية لتعويض خسائرها.
ومع ذلك، تضرر اقتصاد «أوكرانيا» بشكل كبير، ولا يزال يعانى من الهجمات الروسية على الطاقة والبنية الأساسية الأخرى، حيث تعاني عجزًا هائلاً فى الميزان التجارى، وفى ميزانية الحكومة مع ارتفاع الإنفاق الدفاعى.
أما «روسيا» التى أذهلت العالم بتحملها أكثر من 12 حزمة عقوبات غربية على مدار الأعوام السابقة، عبر الاعتماد على مواردها الواسعة، إلا أن الاقتصاد الروسى أرهق أيضًا، فى ظل تقارير تقيد بنفاد الاحتياطيات المالية، ما قد يدفع «موسكو» لمواجهة صعوبة فى حساب الميزانية.
وبعيدًا عن دولتى الصراع، فإن عودة «ترامب» كانت سببًا للحديث عن إمكانية عودة طاولة التفاوض. وبالفعل، قال «ترامب» الأربعاء الماضى، إنه أبلغ -خلال اتصال هاتفى، مع نظيريه الأوكرانى «فلوديمير زيلينسكي»، والفرنسى «إيمانويل ماكرون»- أنه يريد وقفًا فوريًا لإطلاق النار فى «أوكرانيا»، وإجراء مفاوضات لإنهاء الأزمة فى أسرع وقت.
وذكرت وكالة «رويترز» للأنباء -حينها- أن الرؤساء الثلاثة الذين تحدثوا لمدة 35 دقيقة لم يناقشوا، تفاصيل محددة لأى رؤية للسلام، مؤكدة أن «ترامب» كرر أنه يريد إجراء مفاوضات لإنهاء الحرب.
ولكن، جاء تصريح «ترامب» فى وقت تشهد فيه العلاقات الغربية مع «روسيا» تدهورًا حادًا غير مسبوق، وتحديدًا بين «واشنطن»، و«موسكو»؛ وهو ما أشارت إليه وزارة الخارجية الروسية -الأربعاء الماضي- إلى أن العلاقات مع «الولايات المتحدة» صدامية لدرجة تحتم على المواطنين الروس عدم السفر إليها، وإلى «كندا»، وبعض دول «الاتحاد الأوروبي»، لأنهم معرضون -من وجهة نظرها- لخطر الملاحقة من السلطات الأمريكية؛ مؤكدة أن العلاقات مع «واشنطن» على وشك الانهيار!!
مسارات الحرب فى العام المقبل
رغم الحديث عن احتمالات وجود سبيل للتفاوض؛ فإن المشهد يظل غامضًا، ويشوبه العديد من التساؤلات التى تحتاج لحلول واضحة من صانعى القرار الروسيين، والأوكرانيين، وحتى الأمريكيين؛ وعلى رأسها: هل من الواقعى أن تطمح «أوكرانيا» إلى استعادة كل الأراضى التى سيطرت عليها «روسيا» منذ عام 2014؟ وإن لم يصل الجانبان لهدنة، هل يواصل (الغرب) فى تقديم تلك المستويات العالمية من المساعدات إلى أجل غير مسمى؟
وهل يتخلى (الغرب) عن فكرته بضم «أوكرانيا» إلى حلف شمال الأطلسى (ناتو)، ويقدم ضمانات على عدم انضمامها إلى «الاتحاد الأوروبي»؟
إن تلك الأسئلة الرئيسية، هى مفتاح طاولة المفاوضات التى ستحتاج إلى تنازلات كبيرة من قبل أطرافها. لذلك، قد لا يكون عام 2025، هو عام السلام للحرب الروسية - الأوكرانية، وإنما هو عام (القول الفصل)؛ أو مثلما قال الباحث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، «إليوت كوهين،» إن: «عام 2025 قد يكون (عام القرار) فيما يتعلق بحرب «أوكرانيا»، لأنه بحلول ذلك الوقت، ربما يكون أى من جانبى الصراع قد استنفد المساعدات التى يمكنه الحصول عليها من حلفائه، أو قد يكون هناك تطور عسكرى جديد، أو ابتكار، يتسبب -فجأة- فى تمكن أحد الجانبين من تحقيق اختراق للآخر».
ولحين وصول الجانبين الروسى والأوكرانى لطاولة المفاوضات المحتملة، فإن توقعات المحللين السياسيين والعسكريين بالنسبة للوضع على ساحة الحرب لعام 2025، تشير إلى أن القوات الأوكرانية من المرجح أن تظل فى موقف دفاعى، مع تقدم «روسيا» ببطء فى الشرق الأوكرانى.
بصورة أوضح، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا على خط المواجهة، يفترض قدوم عام آخر يستمر فيه الجمود، أى دون هجوم مضاد من جانب الجيش الأوكرانى، مع تقدم روسى بطيء.
ولكن، جدير بالذكر، أن هذا السيناريو يتوقف على الخطوات المحسوبة للاعبين الدوليين المؤثرين؛ أى أنه فى أسوأ السيناريوهات، الذى قد يحدث فيه استقطاب جيوستراتيجي للصراع؛ فإن الكتلة الغربية ستواصل دعم المجهود الحربى الأوكراني؛ بينما تقرر «الصين» الوقوف بشكل لا لبس إلى جانب «روسيا»، ما سينعكس على زيادة حدة القتال، الذى لا يزال محصورًا فعليًا داخل «أوكرانيا»؛ إلا أنه لخطأ فى الحسابات قد يمتد على نطاق واسع على الصعيد العالمى، إن لم تتماسك الكتلتان تمامًا بحلول عام 2025.
فى النهاية، يمكن القول إنه رغم المشهد الضبابى الذى يسود مستقبل الحرب الروسية - الأوكرانية؛ فإنه بنسبة كبيرة، تشير التوقعات إلى أن 2025، قد يكون عام القرار.