رياح عاصفة فى 2025 «أشباه الموصلات» سر الحرب التجارية بين الصين وأمريكا

يعيش النظام الدولى اضطرابات واضحة، فى ظل اشتعال مناطق الصراع بمختلف أنحاء العالم، دون وجود حلول واضحة، وهو ما قد يزيد وتيرة التأزم والارتباك خلال الفترة المقبلة.. وفى خضم تصاعد التنافس الشرس بين قطبى الشرق والغرب، أى الصين والولايات المتحدة، لم يسفر انتخاب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب- الذى من المقرر أن يتولى كرسى البيت الأبيض فى يناير المقبل- عن ما يهدئ العالم، بل زادت حدة المخاوف من صدام محتمل بين الطرفين، وهو ما لا يرغب فيه أحد بما فى ذلك واشنطن وبكين.
لأن الصراع بين القوى العظمى نادراً ما يكون قصيرا، وفى أغلب الأحيان تكون صراعات استنزاف طويلة ومرهقة، وتميل إلى التوسع أفقياً، ما يؤدى لوقوع مناطق أخرى فى هذا الفخ اضطرارياً.
رغم رفض الصين والولايات المتحدة الدخول فى حرب مباشرة لعواقبها الوخيمة، إلا أن عددا من القضايا الخلافية بين الطرفين من المحتمل أن تؤدى لتأجيج التنافس بينهما اقتصادياً وسياسياً بصورة أشرس خلال العام المقبل.
حرب تجارية مدمرة
على الصعيد الاقتصادى كان أحدث تطور بين البلدين، هو ما أعلنته الصين فى 3 ديسمبر الجارى، عن فرض قيود صارمة على تصدير التكنولوجيات (ذات الاستخدام المزدوج)، أى ذات الاستخدام المدنى والعسكرى، مستهدفة فى ذلك الولايات المتحدة على وجه التحديد.
وتعزز هذه القيود الضوابط المعلنة –سابقاً- على بعض المعادن، مثل حظر شحنات مواد (الأنتيمون، والجاليوم، والجرمانيوم) إلى الولايات المتحدة، لتصبح القيود الجديدة هى الأولى التى تستهدف فيها بكين التصدير إلى واشنطن، بدلاً من جميع البلدان.
كما تفسر تلك القيود أن أمن المعادن الحيوية، صار مرتبطاً ارتباطاً جوهرياً بحرب التجارة التكنولوجية المتصاعدة بين البلدين.
على كل يأتى إعلان الصين فى أعقاب حملة صارمة، أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكى الحالى جو بايدن قبل أسبوع على صناعة أشباه الموصلات الصينية، وهو أحدث إجراء انتقامى فى حرب تجارية تكنولوجية متبادلة، ما يؤدى إلى الحد من القدرات على تطوير الذكاء الاصطناعى للتطبيقات العسكرية الحديثة.
وتحظر القيود الأمريكية الجديدة تصدير 24 نوعاً من معدات تصنيع أشباه الموصلات، وثلاث أدوات برمجية ذات صلة إلى الصين، كما تحظر تصدير رقائق الذاكرة المتقدمة، وآلات تصنيع الرقائق، وتقنيات أشباه الموصلات الأخرى إلى 140 شركة صينية تصنع الرقائق.
والمثير للريبة أن البلدين بررا أحدث خطوة فى سلسلة ضوابط التصدير العقابية، بأنها (ضرورة للأمن القومي).
تداعيات اقتصادية وعسكرية
على مدى السنوات الخمس الماضية، ركزت الولايات المتحدة على حرمان الصين من رقائق الذكاء الاصطناعى ومعدات التصنيع المتطورة، لمنعها من إنتاج أسلحة وأنظمة ذكاء اصطناعى متقدمة.
وفى المقابل، ردت الصين باستهداف سلاسل توريد المعادن الحيوية الأمريكية الضعيفة، وتقييد تصدير المعادن أشباه الموصلات الحيوية، مثل: (الجاليوم، والجرمانيوم، والجرافيت، والأنتيمون) لتلبية احتياجات الدفاع، وهى معادن لازمة للتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج، خاصة أشباه الموصلات والتطبيقات العسكرية، وهو ما يفسر الحمائية الزائدة فى تنافس البلدين.
ومعادن (الجاليوم، والجرمانيوم، والأنتيمون)، التى تعد من المدخلات الحيوية لتقنيات الدفاع، فإن الصين تستثمرها بشكل كبير فى الذخائر، وتشترى أنظمة ومعدات أسلحة متطورة بمعدل أسرع بخمس إلى ست مرات من الولايات المتحدة.
كما تعد الصين أكبر منتج للأنتيمون فى العالم، حيث تمثل 48 % من الإنتاج العالمى، و63 % من واردات الولايات المتحدة من المعدن.
وفى الوقت ذاته، لا يوجد لدى الولايات المتحدة إنتاج محلى للأنتيمون؛ كما تعد مخزوناتها منه محدودة للغاية.
وفى هذا الصدد، يذكر أنه منذ فرض قيود على تصدير الأنتيمون فى سبتمبر 2024، انخفضت شحنات هذا المعدن من «الصين» بنسبة 97؛%ما أدى لارتفاع الأسعار بنسبة 200 %.
الأمر ذاته، بالنسبة لمعدنى (الجاليوم، والجرمانيوم) اللذين يعدان الأكثر أهمية لتطوير الجيل القادم من الرقائق المتقدمة؛ حيث يتم اختيارهما بشكل متزايد، بدلاً من (السيليكون) التقليدى للرقائق عالية الأداء، المستخدمة فى تطبيقات الدفاع، بسبب خصائصهما التى تعزز أداء الأجهزة، وسرعتها، وكفاءة الطاقة.
كما يعتمد مستقبل أشباه الموصلات لتطبيقات الدفاع على إمدادات موثوقة من (الجاليوم، والجرمانيوم) عالى النقاء.
على كل، قدر تقرير صادر عن هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية الشهر الماضى أن الحظر الكامل لتصدير (الجاليوم، والجرمانيوم)، قد يؤدى إلى خسارة قدرها 3.4 مليار دولار فى الناتج المحلى الإجمالى للاقتصاد الأمريكى.
الأزمة لم تتوقف عند تلك المعادن الاستراتيجية فحسب، بل يدخل (الجرافيت) فى الحرب التجارية –أيضاً، الذى يعد مدخلاً مهمًا لصناعة المركبات الكهربائية، التى تتطلب فى المتوسط 136 رطلاً من (الجرافيت). وتنتج الصين 77 % من (الجرافيت) الطبيعى، وأكثر من 95 % من إنتاج (الجرافيت) الصناعى، ونحو 100 % من تكرير (الجرافيت).
فى الوقت نفسه، تمتلك الولايات المتحدة على أقل من 1% من احتياطيات الجرافيت العالمية، وتعتمد على الواردات بنسبة 100%، خاصة أن صناعة المركبات الكهربائية مهمة للاقتصاد الأمريكى، لأن إحدى مزاياها هى وصول وظائف تصنيع السيارات المحلية فى يونيو 2024 إلى أعلى مستوى لها فى 34 عامًا.
وقبل القيود التجارية الأخيرة، كان من المتوقع أن توفر صناعة السيارات الكهربائية فى الولايات المتحدة 99 ألفا و600 وظيفة. ولكن، بدون (الجرافيت)، لن تكون هناك صناعة مركبات كهربائية فى «الولايات المتحدة».
تزايد التوترات
فى فترة ترامب الأولى، بدأ البلدان حرباً تجارية تتعلق بالمعادن الحيوية والتقنيات الاستراتيجية فى عام 2019، عندما استهدفت الإدارة الأمريكية -حينها- شركة الاتصالات الصينية العملاقة (هواوي) بسلسلة من القيود على التصدير، ومنعت الشركة من الوصول إلى الرقائق الأمريكية، أو دخول السوق الأمريكية.
إلا أن (هواوي) تمكنت من التحايل على بعض القيود من خلال استيراد الرقائق من شركات تصنيع أجنبية أخرى، ما دفع إدارة ترامب لفرض قيود أكثر صرامة تمنع وصول الشركة الصينية إلى الرقائق التى تبيعها أطراف ثالثة، مصنوعة بأدوات تم الحصول عليها من الولايات المتحدة.
ولم تتوقف إدارة ترامب عند هذا الحد، بل قيدت عشرات الشركات التقنية الصينية الأخرى، التى اعتبرتها تهديدات للأمن القومى.
أما خلال الحملة الرئاسية لترامب فى انتخابات 2024، فتعهد بزيادة التعريفات الجمركية على جميع السلع الصينية إلى 60 %؛ مؤكداً أنه سيبدأ فى رفع الرسوم الجمركية على واردات الصين بنسبة 10 % فى يوم تنصيبه.
أدت تلك الأسباب وغيرها، إلى سيطرة مشاعر عدم التفاؤل لدى نسبة كبيرة من المحللين السياسيين من مختلف معاهد الأبحاث الصينية والأمريكية والآسيوية فى توقعاتهم لعام 2024؛ متوقعين أن يكون العام المقبل مضطرباً فى علاقات البلدين.
يقول عميد ومدير معهد الدراسات الدولية بجامعة فودان فى شنجهاى، وو شينبو، إن: عودة ترامب بشعار لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، تحمل معها أجندة حمائية تثير قلق العالم أجمع؛ مرجحاً أن تكون الصين مجدداً من بين أبرز المتضررين من تلك الأجندة.
باختصار، يكمن الخطر فى أن المرحلة التالية من الصراع التجارى، بأنه قد يكون أكثر ضرراً للبلدين والأسواق العالمية مقارنة بالجولة الأولى..
أزمة سياسية عنوانها تايوان
ومن أزمة اقتصادية وحرب تجارية إلى أزمة سياسية من العيار الثقيل تقف عائقاً بين البلدين.. ففى الوقت الذى اتفق المحللون السياسيون على احتمالية تواصل حرب التعريفات الجمركية خلال الفترة المقبلة؛ إلا أنهم أشاروا -فى الوقت ذاته- لمواجهة أخرى تلوح فى الأفق، وهى مواجهة قد تكون لها عواقب كارثية ليس فقط على منطقة المحيطين الهندى والهادئ، بل وعلى العالم أجمع، وهى صراع محتمل حول تايوان.
بموجب مبدأ (الصين الواحدة)، تعتبر بكين أن تايوان جزء منها؛ كما يتلخص هدفها فى (إعادة التوحيد).
وبالفعل، منذ سبعينيات القرن العشرين، تبنت الولايات المتحدة (سياسة الصين الواحدة)، إلا أنها تحتفظ – فى الوقت ذاته- بعلاقات غير رسمية قوية، وتلتزم بمساعدة تايوان فى قدراتها الدفاعية.
كما تحافظ واشنطن –أيضاً- على (الغموض الاستراتيجي) بشأن ما إذا كانت ستتدخل عسكرياً ضد الصين إن قررت ضم تايوان.
إن أهمية تايوان تعود إلى كونها المركز الرئيسى فى العالم لتصنيع أشباه الموصلات، حيث تمثل أكثر من نصف السوق العالمية، وهو أمر بالغ الأهمية للرقائق الدقيقة المستخدمة فى التكنولوجيا، التى تمتد من الأدوات الاستهلاكية إلى الأجهزة العسكرية المتطورة، ما يجعلها ذات فائدة كبيرة للغرب، وجائزة عالية القيمة بالنسبة للصين.
على كل، اتفق المحللون السياسيون على أن الصين قد لا ترغب –خلال العام المقبل- فى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، والعكس صحيح؛ معتبرين أن الحرب التجارية، هى ما ستأخذ النصيب الأكبر من التركيز.
فى النهاية، يبدو أن عام 2025، قد يكون مجرد مقدمة، لما ستشهده الأربع سنوات المقبلة من التنافس الشرس بين الولايات المتحدة، والصين، والتى من الممكن إذا أساء أحد الطرفين تقديره للمواقف قد تتحول لصراع أو مواجهة لن يحمد عقباها؛ وهو ما يفسر الوصف الذى قاله الرئيس الصينى شى جين بينج، إن السنوات المقبلة من العلاقات بين البلدين قد تكون بحاراً عاصفة، تختبر الحكمة السياسية لبكين، وواشنطن فى الحفاظ على علاقة تنافسية ولكن غير مدمرة.