قبل مجىء ترامب المصالح الأمريكية بعد سقوط «الأسد»

مروة الوجيه
«رحل الأسد. فر من بلاده. لم تعد روسيا بقيادة فلاديمير بوتين مهتمة بحمايته بعد الآن.. لقد فقدت روسيا كل اهتمامها بسوريا بسبب أوكرانيا، حيث يوجد حوالى 600 ألف جندى روسى جريحا أو قتيلا، في حرب لم يكن ينبغى لها أن تبدأ أبدا» هذه الكلمات كانت أول تعليق من الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب على خروج الرئيس السورى الراحل بشار الأسد من المشهد، ليؤكد أن وجود الرئيس السورى السابق مدعومًا من حلفاء خارجيين أصبح لا جدوى منه، فالمستقبل القادم له تداعيات وخطط أمريكية جديدة وربما حان الوقت لحصد مكاسب التدخل فى الصراعات الخارجية.
صفقة أمريكية
بعد إعلان الرئيس السورى السابق بشار الأسد وصوله إلى روسيا طالبًا اللجوء الإنسانى من موسكو، بدأت التحليلات تُظهر سبب دعم واشنطن القوى لجماعة «هيئة تحرير الشام» وظهر تحليل لصحيفة «واشنطن بوست» نقلت من خلاله تصريحات للدبلوماسى السورى السابق بسام بربندى، أوضح فيها أن الرئيس السورى السابق بشار الأسد رفض الاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن وقف التعاون مع إيران.
وأضاف بربندى أن الصفقة الأمريكية تضمنت إنهاء دمشق للمساعدات اللوجستية لطهران وتوفير أراضيها لإيصال المساعدات من إيران إلى «حزب الله»، في مقابل رفع العقوبات الأمريكية تدريجيا عن سوريا.
ولفتت «واشنطن بوست» إلى أن الأمر الذي كان أشد فتكا ببشار الأسد هو رفضه لتسوية علاقته بالرئيس التركى رجب طيب أردوغان، الذى عرض تطبيع العلاقات مع دمشق مقابل احتواء المجموعات الكردية وعودة بعض اللاجئين السوريين إلى بلادهم «على الأقل».
وعلى ما يبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول وضع أسس تعامل جديدة مع بعض الجماعات في سوريا، قبل خروج الرئيس بايدن من المشهد، بعد هزيمته القوية فى الانتخابات الرئاسية وهزيمة حزبه فى الكونجرس أيضًا.
فاختلاط الأزمات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة قبل قدوم ترامب إلى المشهد الرئاسي في واشنطن، تدع الرئيس الأمريكي الجديد في بؤرة الاختبار، بين ضمان التحكم في الجماعات المسلحة في سوريا وعلى رأسها داعش، الذى يحافظ على تواجده فى المناطق الشمالية الشرقية وأجزاء من وسط البلاد. ويتواجد قرابة ألف جندى أمريكى فى سوريا من القوات الخاصة، تعمل بشكل وثيق مع القوات الكردية التى تلقت تدريبها في الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى يكسب ود الحليف الإسرائيلى بعد تركه ساحة الجولان ودعمه المستمر فى حربه في غزة ولبنان وتقديم قربان سوريا له.
نظريات «ترامبية»
مع قدوم رئيس أمريكى جديد قبل أقل من 40 يوما على تنصيه، تكون خطوات الولايات المتحدة مبهمة بعض الشىء فى ظل تصاعد الصراعات الدولية.
ولكن ترامب المعروف ببراجماتيته، يؤكد أن الخطوات الخارجية، تحديدًا، تأتى بصورة مدروسة وتضمن فى الأساس مصالح لواشنطن وإسرائيل، وربما بعض الحلفاء الآخرين، ومع وجود ترامب لا يمكن أن نستبعد علاقاته القوية مع الرئيس الروسى بوتين وإن ظهر فى العلن عكس ذلك.
وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» فإنه «ربما يكون سقوط الأسد، الذى يأتى قبل ستة أسابيع فقط من تنصيب الرئيس المنتخب دونالد ترامب لفترته الثانية، التحول الأكثر أهمية حتى الآن خلال الـ14 شهراً التى أعقبت هجوم «حماس» فى السابع من أكتوبر 2023 على إسرائيل، والذى أطلق موجة من الانتقام العنيف وغيّر التوازنات داخل ديناميكيات القوة في المنطقة»، معتبرة أن تساؤلين رئيسيين صعدا على السطح بعد الأسد، وهما: هل سيطرد المتمردون الإيرانيين والروس من الأراضى السورية كما هدد بعض قادتهم؟ أم أنهم بدافع البراجماتية سيبحثون عن نوع من التفاهم مع القوى الجديدة فى المشهد؟ أما السؤال الثانى فهل ستستنتج إيران التى أضعفها فقدان «حماس» و«حزب الله» والآن الأسد، أن أفضل طريق أمامها هو فتح مفاوضات جديدة مع ترامب بعد أشهر فقط من إرسالها قتلة لمحاولة اغتياله؟ أم أنها ستسعى بدلاً من ذلك إلى الحصول على قنبلة نووية، السلاح الذى يعتبره بعض الإيرانيين خط الدفاع الأخير في عصر جديد من الضعف؟
ترامب وسوريا
خلال فترة رئاسته الأولى، 2019، أعلن الرئيس دونالد ترامب اعتراف واشنطن رسميا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة. وهو ما مثل تغييرا كبيرا عن السياسة التي اتبعها قبله خمسة من الرؤساء الأمريكيين، منهم جمهوريون وديمقراطيون، منذ ضم الاحتلال لها بقانون عام 1981.
وفي مؤتمر صحفى منذ أيام، قال رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو: «أحرص على شكر صديقى، الرئيس المنتخب دونالد ترامب، لتلبيته طلبى الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان في 2019». في إشارة إلى طلب تل أبيب استمرار دعم أمريكا- ترامب لخطواتها في الداخل السورى.
ومع صعوبة التنبؤ بما سيقدم عليه ترامب، سيعتمد ذلك بشكل كبير على من سيقترب أكثر من أذن الرئيس ترامب، ولمن سيستمع.
ويقول توماس واريك، نائب مساعد وزير الخارجية السابق لسياسة مكافحة الإرهاب في وزارة الأمن الداخلى الأمريكية، والخبير بالمجلس الأطلسى، في تقرير له نشره المجلس، أن «هناك أصواتا مختلفة ستتنافس على أذن ترامب؛ سيجادل الجناح الانعزالى بأن الحكومات الأخرى يجب أن تأخذ زمام المبادرة فى سوريا ما بعد الحرب».
و«فى حين أن هذه الأصوات ليست خاطئة تماما، إلا أن أصواتا أخرى ستذكّر ترامب بأن إضعاف النفوذ الإيرانى، ودعم أمن إسرائيل، والسلام فى لبنان، هى، بشكل جماعى، أحد أكبر المكاسب التي يمكن أن تأمل إدارة ترامب تحقيقها» على حد قول واريك.
من جانبه، اعتبر السفير ديفيد ماك، نائب وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأوسط، في تصريحات صحفية، أن «التاريخ يعلمنا أن الإسرائيليين بارعون جدا فى الاستفادة من الأخطاء الفادحة التى يرتكبها جيرانهم. بالإضافة إلى ذلك، تسعى استراتيجيتهم العسكرية دائما إلى السيطرة على الأرض المرتفعة».
وأضاف السفير ماك أن «الرئيس المنتخب ترامب سيقبل استيلاءً إسرائيليًا آخر على الأراضى السورية.
ويمكن له أن يبرر ذلك للرأى العام الأمريكى بالقول إن الإسرائيليين يفعلون ذلك لمنع الإرهاب المستقبلى من هذه الأراضى».
وبالنظر إلى السياسة الأمريكية، نرى أن إدارة جو بايدن قد قدمت بالفعل غطاء داعما للتوغل الإسرائيلى في سوريا بتبريرها ذلك بأنه عملية مؤقتة بدون شروط أو حدود وتوقيتات محددة. وقد تستمر إدارة ترامب فى هذه السياسة. ونظرا لاعترافها بالجولان للإسرائيليين؛ فقد تعترف الإدارة الجديدة بمزيد من الأراضى لإسرائيل، وفق ما أعلنه ترامب من قبل وقبل نجاحه فى السباق الرئاسى الأمريكى، أن إسرائيل مجرد نقطة بسيطة فى خريطة كبيرة، وما علينا هو زيادة مساحة هذه النقطة.