سقوط بشار.. المرحلة الأخيرة المشروع الإبراهيمى تكتمل ملامحه.. ولكن!

مروة الوجيه
مخطط إسقاط بشار الأسد وجلب جبهة النصرة للسيطرة على سوريا ربما يعكس أنه مخطط إسرائيلى - أمريكى بالدرجة الأولى تم التهيئة له قبل فترة ليست بقصيرة؛ ليصب فى مصلحة الابن المدلل لواشنطن، تل أبيب، لكن من الطبيعى أن إسرائيل قد نسقت مع أكثر من طرف وكل طرف له أجندته وأهدافه، فتعاملت بطريقة ذكية ومدروسة مع جميع الأطراف، واستطاعت إقناع كل طرف بأن سيطرة القاعدة (جبهة النصرة) على سوريا ستحقق أهداف ومصالح ذلك الطرف ولا تتعارض مع مصالحهم. ومن جهة أخرى يجب على واشنطن أن تنسق هى الأخرى مع أطراف عدة لحصد مزيد من المكاسب فى تنفيذ ذلك السيناريو المتكرر فى أفغانستان والعراق فى السابق.. ولكن هل هذا السيناريو هو بداية الإعلان عن مشروع الشرق الأوسط الجديد؟
الخطوات الحاسمة
فى مقال رأى لصحيفة «نيويورك تايمز» أوضح أن سقوط نظام بشار الأسد لا يعنى فقط إنهاء عقود من حكم حزب البعث فى سوريا، بل إنه سيعيد تشكيل موازين القوى فى الشرق الأوسط.
ويكتنف الوضع الحالى بعض الغموض، وفق المقال، خاصة فيما يتعلق بقدرة المعارضة على ترسيخ سيطرتها وكيفية إدارتها للحكم.
وأوضحت نيويورك تايمز، أن إيران التى لم تدخر مالاً ولا عتادًا لدعم الأسد، وأنفقت منذ 2011 حين بدأت الثورة مليارات الدولارات وأرسلت عشرات الآلاف من المقاتلين الموالين لها لدعم الجيش السورى فقدت عنصرًا قويًا من نفوذها فى الشرق الأوسط، وسقوط بشار يعتبر ضربة قاسية لطهران، إذ إنها فقدت حليفًا عربيًا أساسيًا وجسرًا بريًا حيويًا لحزب الله فى لبنان.
واستغلت إسرائيل التحولات فى سوريا لتعزيز تحالفاتها مع بعض الدول التى ترى فى إيران تهديدًا مشتركًا، كما ستراقب عن كثب كيفية تشكيل موازين القوى الجديدة فى سوريا لضمان ألا تحكم البلاد قوة معادية لها.
أما الولايات المتحدة والغرب، فتنصب مصالحهما بتفتيت الوطن العربى إلى دويلات صغيرة يسهل التحكم فيها وجاء سقوط بشار كجزء من المخطط المعروف بـ«خريطة الشرق الأوسط الجديد» أو «مشروع القرن» أو المشروع الإبراهيمى لوضع بلد عربى آخر على طريق التفتيت بعد ليبيا واليمن والسودان.
ثورات التفتت
منذ بداية ما يسمى الربيع العربى، بل قبل ذلك عند سقوط نظام صدام حسين، أصبح الأمر معروفا، والتوجهات نحو الثورات الشعبية فى الوطن العربى تحت مسمى «الديمقراطية» جزء لا يتجزأ من خطوات الغرب فى تحقيق أهدافها فى التقسيم، بهدف التحكم بثروات وخيرات وتقرير المصير بصورة غير مباشرة من خلال مجموعات تقدم فروض الولاء والطاعة لواشنطن لصالح صناعة شرق أوسط جديد قائم على القوميات والطوائف والمذاهب المتصارعة، الأمر الذى يعطى لإسرائيل ميزة التفوق وللغرب، خصوصًا واشنطن، فرصة العمل المريح لاستغلال خيرات المنطقة وبيع الأسلحة وتعزيز نفوذها فى سياق صراعها الاستراتيجى مع روسيا والصين.
ومن غير المنطقى أن جميع الدول التى طالت موجات الربيع العربى تسقط حكوماتها وتتجه لجماعات التشدد الإسلامى، ولكن هل هذه الجماعات التى اشتهرت بالتسليح القوى والتى ركبت موجة الثورة كانت تؤمن بالديمقراطية وتسعى لها؟ وهل الغرب الذى دعم ومد بالمال والسلاح جماعات المعارضة المسلحة يسعى لفرض الديمقراطية فى هذه الدول وكان حريصا على الدفاع عن حقوق الإنسان فى هذه البلدان؟ وهل أصبحت الأوضاع فى الدول التى شهدت ما يُسمى الربيع العربى أفضل حالاً الآن مما كانت قبله؟ بالطبع الإجابة لا.
ومنذ بداية التحدث والكشف عن حقيقة مشروع الشرق الأوسط الجديد منذ 2004 بدأت ملامح المشروع تتحقق، إلا فى مصر والأردن اللتين لايزال الغرب يعانى لتنفيذ مخطط الشرق الجديد فى هذه الدول دون جدوى.
الخطوات التنفيذية
مع سقوط نظام الأسد فإن مشروع الشرق الأوسط الجديد، أصبح فى مرحلته الرابعة من التنفيذ، هذا بعد إضعاف القوى الكبرى فى الشرق منها العراق وليبيا ثم اليمن والآن السودان، ومنذ بداية الاشتغال عليه عام 2004 حقق تقدمًا ملموسًا اعتمادًا على المؤشرات التالية:
انفراد واشنطن فى منطقة الشرق الأوسط وتراجع النفوذ الروسى والصينى، حتى إن روسيا لم تحاول حماية نظام الأسد فى الهجوم الأخير وتركته لمصيره المحتوم.
كذلك نجاح المشاريع المنافسة والمعادية للأمة العربية تاريخيا، المشروع التركى الطورانى والمشروع الصهيونى، حتى المشروع الفارسى الإيرانى استفاد من حالة الانهيار والفوضى فى العالم العربى.
واستفادت إسرائيل من كل ما يجرى، حيث تفردت بالشعب الفلسطينى قتلا واستيطانيا كما جرى فى حرب الإبادة والتطهير العرقى فى غزة، والأمر لم يقف عند هذا الحد فإذا نظرنا إلى المصالح الإسرائيلية فى المنطقة نرى أنها تنصب فى هدفين رئيسيين:
الأول: إنهاء الوجود الإيرانى وما يمثله ذلك من إيقاف التمويل وتوفير السلاح لحزب الله، أما بالنسبة لروسيا فإسرائيل لا يهمها بقاء أو إنهاء الوجود الروسى بشكل كبير، إلا أن وجود دعم موسكو لرئاسة بشار الأسد وما يعنيه ذلك من استمرار تزويد حزب الله بالسلاح من إيران، ربما يشكل خطرًا على الأمن الإسرائيلى الداخلى على الأقل.
كما أن تل أبيب تفضل بالأحرى استقطاع أجزاء من سوريا لصالح تركيا أو لصالح الأكراد، وبالمثل هى عملت على السيطرة على الجولان وإنهاء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
أما الهدف الإسرائيلى الثانى فهو تدمير سوريا وتمزيقها وإنشاء دويلات قائمة على أسس عرقية ودينية وطائفية متصارعة وهو ما حدث بالفعل فى بعض الدول عقب موجة الربيع العربى.
الخاتمة.. مشروع «الشرق الأوسط الجديد» ليس مجرد خطة لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية، بل هو مشروع طويل الأمد يهدف إلى تحويل المنطقة وتثبيت إسرائيل كقوة مهيمنة. يعتمد هذا المشروع على تقسيم الدول العربية وإضعافها، والسيطرة على مواردها الطبيعية، وإعادة صياغة التحالفات السياسية بما يخدم أهداف الغرب وإسرائيل، أما تحقيقه فحتى الوقت الراهن ما زالت الدول العربية تتجه نحو السيناريو الأكثر قتامة بعد سقوط بشار والنذور بتفتيت سوريا التى امتلكت أقوى الجيوش العربية، وسيناريو العراق أيضًا هو احتمال مطروح الآن فى حال عدم تقسيم سوريا إلى دويلات صغيرة، والآن مصر هى الهدف بجيشها القوى بعد فشل قوات الاحتلال من تنفيذ باقى مخططها لتهجير أهالى غزة إلى سيناء.
وفق محللين فإن عودة ترامب إلى البيت الأبيض ربما تحمل مفاجأة أخرى، وهى إعلان تحقيق أهداف شكل الشرق الأوسط الجديد الذى يكون قد أتم مرحتله الرابعة بسقوط بشار الأسد.. لكن تبقى العقبة الأخيرة أمام ترامب وحليفه الإسرائيلى، هى مصر التى ما زالت صامدة رغم جميع المحاولات والحروب الاقتصادية عليها.. ويبقى الجيش المصرى هو العمود الرئيسى، بل الوحيد فى المنطقة الذى يستند عليه جميع الأشقاء.