الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بين وقف إطلاق النار فى لبنان وسقوط نظام «الأسد» سوريا.. لماذا الآن؟

يصعب التعامل مع اشتعال الصراعات المسلحة فى سوريا بعد سنوات من الخمول وصولًا إلى السيطرة على العاصمة السورية دمشق ورحيل نظام الرئيس بشار الأسد، بعيدًا عن توقيت الإعلان عن وقف إطلاق النار فى لبنان والتعامل معه، هذا باعتبار أنه محض صدفة، لأن المؤشرات التى سبقت التطور الأخير تشير إلى أن المنطقة دخلت فى حزام نارى أخذ فى التمدد والتوسع ليطول بقاعا جغرافية عديدة منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر فى قطاع غزة، وفى جميع تلك المناطق كانت المكاسب الإسرائيلية كلمة السر بعد أن عزز الاحتلال تواجده على بقاع جغرافية جديدة داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة وتمددت قواته إلى داخل الحدود اللبنانية فى الجنوب ونهاية بتعزيز قواته العسكرية فى هضبة الجولان السورية.



من أشعل النيران؟

 

بعد أكثر من أربع سنوات من الهدوء فى سوريا عندما تم التوصل لاتفاقية لوقف إطلاق النار فى مارس 2020 برعاية تركية - روسية، والتى كانت إعلانا صريحا عن هزيمة الفصائل المسلحة وتحديد إقامتها فى بعض مناطق محافظة إدلب الحدودية، عادت أجواء الحرب إلى سوريا مجددا، بعد أن باغتت الفصائل المسلحة- بقيادة هيئة تحرير الشام- فى 27 من نوفمبر الماضى قوات النظام السورى لتتمكن من السيطرة على حلب- ثانى أهم مدن سوريا- لأول مرة منذ أن غادرتها فى 2016!

 

وكانت مغادرة الفصائل المسلحة لحلب بعد حرب ناجحة شنتها قوات الأسد بالتعاون مع قوات أخرى أجنبية بقيادة إيران تحت غطاء وضربات جوية روسية. لكن لم تكتف الفصائل بحلب، لتواصل تقدمها عبر الطريق الدولى M5 الذى يربط المدن السورية الرئيسية، ومن ثم كان التحول النوعى الجديد حيث إنه وبحلول يوم الخميس 5 من ديسمبر الجارى تمكنت الفصائل المسلحة من السيطرة على مدينة حماة، وهى المدينة التى لم يسبق أبدا أن خسرها نظام الرئيس بشار الأسد حتى فى أشد لحظات معاناته طوال سنوات الحرب الأهلية، ليكون ذلك بمثابة تطور جديد، خاصة بعد إعلان سقوط نظام الأسد لتشهد سوريا مرحلة جديدة من الغموض خاصة بعد مباركات دولية لـ«تحرير سوريا» والتعامل مع هيئة تحرير الشام كفصيل معارضة وليس جماعة مسلحة.

 

إعداد مسبق

 

يمكن القول بأن تقدم العناصر المعارضة فى سوريا والإطاحة بالنظام جاء نتيجة متغيرات عديدة سمحت باجتياح المدن والمحافظات واحدة تلو الأخرى فى ساعات محدودة، لأن أذرع إيران المسلحة التى حققت فى السابق انتصارات على ما يسمى بالمعارضة السورية ضعفت الآن بعد الضربات الإسرائيلية القوية على حزب الله وكذلك الضربات الأمريكية على الميليشيات العراقية ووصولا لاستهداف قلب طهران، كما أن روسيا تنشغل بحربها القريبة مع أوكرانيا.

 

لكن فى الوقت ذاته فإن ما حدث يعبر عن وجود إعداد مسبق بدقة لتتحرك هذه العناصر فى التوقيت السليم بما يساهم فى خلق بؤرة فوضى جديدة تساعد على تعزيز مكاسب دولة الاحتلال الإسرائيلى من تطورات الأوضاع منذ السابع من أكتوبر فى العام الماضى، لأن سقوط سوريا فى مربع الفوضى سوف يعزز من احتلالها للأراضى السورية.

 

ويوالى قادة الجماعات السورية المسلحة جهات غربية، فى مقدمتها الولايات المتحدة، إذ إن من يتزعم المجموعات المسلحة باسم «جبهة النصرة» والآن بمسمى «جبهة تحرير الشام»، أبومحمد الجولانى الذى تخلى عن اسمه الحركى مؤخراً لتقدمه فضائية «سى إن إن» الأمريكية باسم أحمد الشرع، قضى فى السجون الأمريكية خمس سنوات قبل الإفراج عنه.

 

سرعة السقوط

 

وفق محللين، فإن سوريا أمام سيناريو معقد بعد أن سقط النظام وسيبقى هناك تغيير الخريطة السياسية بالمنطقة وسوف يترتب على ذلك اندلاع حروب الأقليات وقد تدخل سوريا والمناطق المحيطة بها فى موجات عنف يصعب السيطرة عليها قريبا، مما يجعل الاحتمالات مفتوحة على مزيد من التشرذم والانقسام الداخلى للدول العربية التى تشهد صراعات مسلحة منذ سنوات.

 

وترجع سرعة سقوط نظام الأسد لعدة عوامل أبرزها أن المعارضة السورية جرى تسليحها بشكل متقدم والآن تعتمد على الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى والمدرعات إم 113 الأمريكية بعد أن كانت تعتمد فى السابق على السيارات المفخخة فى حين أن الجيش السورى ليس لديه دفاعات تستطيع التعامل مع الطائرات المسيرة.

 

ولا يمكننا أن نتغافل عما يحدث في سوريا وأنه أمر تم التدبير له بشكل دقيق منذ فترة وأن تصدير شخصيات مدعومة على لائحة الإرهاب الدولى فى مقدمة الصراع مع الدولة السورية إلى جانب وجود مجموعات مسلحة شيعية يمكن تحريكها فى العراق، مع تعويل الإخوان على إحداث توترات مماثلة فى الأردن، قد يؤدى إلى صراعات طائفية سنية شيعية ومن الممكن أن يكون لديها ارتدادات على تركيا وأذربيجان التى يتواجد بها حضور قوى للشيعة، ليبقى المستفيد الأول إسرائيل والولايات المتحدة لأن تقسيم الدول يساعد على تمرير المخططات الاستعمارية.

 

أذرع خفية

 

وفق تطور الأحداث في المنطقة، فإن الأمر يؤكد وجود أذرع لإسرائيل والولايات المتحدة فى الصراع المتصاعد حاليا فى سوريا، وذلك بهدف الضغط على روسيا وإيران وحزب الله وهم حلفاء رئيسيون للرئيس «المغادر» بشار الأسد، وأن دولة الاحتلال تعمل على قطع خطوط الإمداد الخلفية لحزب الله فى لبنان، وعلى ناحية أخرى فإن الديمقراطيين ومن خلفهم الحكومة الإسرائيلية المتطرفة تحاول تعقيد الأوضاع على الرئيس الأمريكى الجديد دونالد ترامب قبل توليه منصبه لكى لا يظهر فى صورة الشخص الذى نجح فى القضاء على التوتر فى المنطقة.

 

كما أن أسلوب إدارة الصفقات الذى ينتهجه ترامب ويقود لتحقيق مكاسب اقتصادية للولايات المتحدة وأخرى سياسية لدولة الاحتلال، قد يواجه صعوبات مع تعقيدات الصراع الدائر حاليا فى سوريا ومع تمدده إلى مناطق أخرى، ومع تمكن الفصائل المسلحة من السيطرة على سوريا بشكل شبه كامل فإن ذلك سيمنح مبررات عديدة لرئيس الوزراء الإسرائيلى المتطرف بنيامين نتنياهو لتعزيز قواته فى الجولان المحتل وسيكون لديه مبررات لتأمين عمقها مع التقدم إلى مناطق جديدة على الأراضى السورية، وأن الجميع يترقب الآن ما سوف تسفر عنه السياسة الجديدة للرئيس الأمريكى المقبل بعد 20 يناير المقبل، ووصولا لهذا التاريخ فإن المتغيرات سوف تسير بسرعة فائقة كما يحدث الآن فى سوريا، استباقا لعقد صفقات قد تتنازل بمقتضاها روسيا عن بعض نفوذها فى سوريا وكذلك الوضع بالنسبة لإيران وتركيا خوفا من الصدام مع الرئيس الجديد.

 

«انكماش إيرانى»

 

أما من الجهه الإيرانية، فإن الوضع الخارجى أكثر صعوبة والأوضاع أصبحت تخرج عن السيطرة،  بعد ما يحدث من حلفائها (روسيا وتركيا) قبل أعدائها، وهو استغلال واضح للضعف الإيرانى في المنطقة.

 

وظهر ذلك خلال تصريحات الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الذى لم يبدِ أى اعتراضات على تقدم العناصر المعارضة المسلحة وسعى لأن تتم عملية الإجهاز على نظام الأسد بهدوء، إلى جانب انشغال روسيا بما يدور فى أوكرانيا، إلا أن المشكلة فى الفجوة الزمنية بين ما تحققه المجموعات المسلحة من تطور على الأرض وبين استيعاب إيران لما يحدث ما زال يؤرق طهران بصورة أو بأخرى.

 

الصراع بين إسرائيل وإيران حاضر بالتأكيد في خلفية مشهد الصراع الحالى، وترى طهران أن الخطر يقترب من حدودها بعد إضعاف حماس والدخول على حزب الله والآن سوريا وهناك مقدمات لتكرار الأمر مع ميليشياتها فى العراق. وترى بأن نفوذها الخارجى يضعف وأن التفكير فى الانكماش داخل الحدود يبقى آخر نقطة يمكن أن تفكر بها طهران، وهى غير مستعدة فى الوقت ذاته للدخول فى صراع مباشر مع إسرائيل وتحاول تقديم الإسناد المطلوب لعناصرها فى الخارج للحفاظ على ما تبقى من قوة، لكن على ما يبدو أن عناصر طهران الخارجية أصبحت الآن فى وضع صعب وهو الوقت الذى تحاول إيران فيه الخروج بأى مكاسب حتى لو كانت ضعيفة بعد إضعافها بهذا الشكل.. لكن هذه المكاسب لن تحسب قبل 20 يناير المقبل وقدوم ترامب إلى مكتب البيت الأبيض.