الصندوق الأسود لعقود من الفساد ماهر الأسد أين اختفى رجل المهام القذرة؟

داليا طه
فى خضم الأحداث المتسارعة التى شهدتها سوريا بعد سقوط النظام، تبقى أسئلة كثيرة تحوم حول مصير ماهر الأسد، الشقيق الأصغر لبشار الأسد، الذى طالما كان شخصية مثيرة للجدل داخل الدوائر الحاكمة.
ماهر الأسد هو شقيق الرئيس السابق بشار الأسد، من مواليد 8 ديسمبر 1968، بمدينة «دمشق»، وهو الأصغر من بين إخوته الأربعة: «بشرى، باسل، بشار ومجد».
التحق بمدرسة «أكاديمية الحرية» لإكمال تعليمه الثانوى، التى سميت بعد ذلك بمدرسة «باسل الأسد الثانوية»، نشأ فى طفولته بعيدًا عن الأضواء، والتحق بـ«الكلية الحربية»، بعد إتمام دراسته الجامعية، ومن ثم بدأ تدريباته العسكرية على خطى أخيه الأكبر باسل.
شغل ماهر قيادة الحرس الجمهورى والفرقة الرابعة فى الجيش السورى، إلى جانب عضوية اللجنة المركزية للفرع الإقليمى السورى لحزب البعث، وتزوج من منال الجدعان، وأنجب منها ابنتين وولدًا واحدًا.
الأكثر قسوة
يذكر أن ماهر الأسد يوصف بأنه الأكثر قسوة بالعائلة، نظرًا لتاريخه المليء بالعنف والمجازر، حيث كان مسئولًا عن قمع حراك «ربيع دمشق» عام 2000، إلى جانب «الانتفاضة الكردية» عام 2004، كما أسهم فى تنفيذ مجزرة «صيدنايا» عام 2008، وورد اسمه ضمن المتهمين بقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريرى عام 2005.
واتهم ماهر بأنه كثير الجرائم عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011، التى أشرف عليها بحق المتظاهرين السلميين، ما أدى إلى فرض عقوبات أمريكية وأوروبية عليه بتهمة تورطه فى جرائم حرب، وضد الإنسانية، بالإضافة إلى اتهام البعض برعاية شبكة لإنتاج وتهريب مخدرات الكبتاجون.
كما عرف بأنه الرجل القوى الذى يقف خلف الرجل القوى، الشقيق الذى يدير دفة العمليات العسكرية، بينما يتولى شقيقه دفة العمليات السياسية.
ويقول جوشوا لانديس، الباحث فى جامعة أوكلاهوما، إن ماهر هو «أمين سر» أسرة الأسد والرجل المكلف بإبقاء العائلة فى الحكم، وهو دور يبدو أن الشقيق الأصغر للرئيس السورى يستمتع بالقيام به، إذ ينقل أحد الذين قابلوه شخصيًا، أنه ظهر خلال الاجتماع ببذلته السوداء ونظاراته الشمسية وشعره المصفف إلى الخلف، وكأنه أحد أعضاء المافيا.
وأضاف أن ماهر كان دائمًا على رأس العمليات القتالية الأكثر وحشية فى سوريا، خاصة أن فرق «الشبيحة» ليست مسئولة عن دعم النظام فحسب، بل يحملها البعض مسئولية ارتكاب عدد من الجرائم الأكثر دموية فى سوريا.
أما تيد قطوف، السفير الأمريكى السابق فى سوريا، فيقول إن ماهر الأسد «يعتبر نفسه مصدر القوة لآل الأسد».
الرجل الغامض
يحيط ماهر الأسد نفسه بهالة من السرية موازية لهالة الوحشية التى ترافقه، ويقول لانديس إن المعلومات المتوفرة عنه شحيحة للغاية، إذ يندر أن يظهر فى أماكن عامة، ويحرص على مواصلة التنقل وتجنب التحدث عبر الهاتف، ولا تمتلك وسائل الإعلام إلا مجموعة محدودة من الصور له يعود معظمها إلى عام 2000 عند مشاركته فى جنازة والده، الرئيس السابق حافظ الأسد.
ويعتبر لانديس أن السبب الرئيسى لهذا الغموض المحيط بماهر يكمن فى رغبة بشار الأسد بالحفاظ عليه، باعتباره الشقيق الوحيد الذى ما زال على قيد الحياة، بعد وفاة شقيقه مجد عام 2009 وقبل ذلك شقيقه باسل عام 1994.
ومن الغموض المحيط بماهر الأسد تشكلت أسطورة حول تلك الشخصية، إذ يقول البعض إنه كان المعارض الأكبر لزواج شقيقته بشرى من آصف شوكت - الذى تولى لاحقًا منصب نائب وزير الدفاع قبل اغتياله فى تفجير اجتماع القيادات الأمنية - إذ تشير بعض المصادر إلى أن الأمر وصل به (ماهر) إلى حد إطلاق النار على شوكت وإصابته فى بطنه.
ويقول قطوف إن هذه القصة، التى لا يمكن التأكد من صحتها، هى «مؤشر إلى طبيعة شخصية الرجل». أما لانديس فيعتبر أن ماهر «هو الشخص الذى ينظر البعض إليه على أنه الرجل القوى الواقف خلف العرش، والقادر على تنفيذ المهام القذرة».
الأنشطة التجارية
إضافة إلى نشاطاته العسكرية، يعرف ماهر الأسد بنشاطاته التجارية كذلك، إذ يمتلك عدة شركات تشرف على مشاريع ضخمة فى سوريا ولبنان، كما أنه شريك ابن خالته رامى مخلوف فى العديد من المشاريع. وبعد الثورة السورية، أصبح لدى ماهر الأسد مصادر دخل مختلفة، من أبرزها عمليات ضبط المنافذ الحدودية وطرق الشحن، وجمع الإتاوات من المدنيين والتجار على الحواجز العسكرية التى تقيمها الفرقة الرابعة فى مناطق مختلفة.
ووفقًا لمجلة «فورتشن»، فقد استفاد ماهر الأسد من عملية غسيل أموال بقيمة مليار دولار فى بنك المدينة اللبنانى، الذى انهار عام 2003 مع بداية غزو العراق، وكان قد استخدم أيضًا لغسيل أموال عدد من المسئولين العراقيين وشركائهم.
ومن أبرز الموارد التى اعتمدها ماهر الأسد لتعويض الخسائر التى تكبدها نتيجة العقوبات، حسب مؤسسة كارنيجى، تجارة الكبتاجون التى تنامت فى سوريا بغطاء حكومى، وبسبب سرعة تناميها باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا للعديد من دول المنطقة والجوار بما فى ذلك الأردن والعراق والسعودية والكويت وغيرها، كما تم تصنيف بعض رموز الحكومة السورية باعتبارهم الفاعل الرئيسى الذى سهّل تهريب الكبتاغون إلى الموانئ الأوروبية.
أين ماهر؟
حسب مصادر، فإن ماهر الأسد كان قد غادر سوريا برفقة عائلة بشار إلى روسيا قبل أسبوع من انهيار النظام، فى خطوة اعتُبرت بمثابة استشراف لما هو قادم، ومع ذلك، أفادت مصادر أخرى أن ماهر رفض المغادرة فى اللحظات الأخيرة، مفضلًا التمسك بموقعه فى سوريا، ليظل فى مسقط رأسه فى القرداحة، معقله العائلى فى ريف الساحل السورى.
حاول ماهر الأسد بشكل حثيث الحفاظ على السلطة قبل ساعات من سقوط النظام، حيث أشارت تقارير إلى أن قناصة موالين له تمركزوا فى دمشق، لعرقلة تقدم قوات المعارضة التى كانت تسيطر على معظم العاصمة، ورغم محاولات مقاومة السلطة، فقد سيطرت القوات الموالية للمعارضة، وهو ما سهل سقوط دمشق.
أما بالنسبة لبشار الأسد، فقد كان قد استعد لمغادرة البلاد مع بدء انهيار النظام، حيث كانت طائرة جاهزة فى مطار دمشق لنقله إلى خارج البلاد، بينما أصر ماهر على البقاء.
لكن، مع انهيار المنظومة العسكرية للنظام السورى كان من الواضح أن قوات النظام لم تكن مستعدة للمقاومة، ما دفع العديد من عناصر الجيش للانسحاب من مواقع استراتيجية، وبذلك ترك مصير ماهر الأسد غامضًا فى ظل حالة التفكك التى سادت البلاد.