
عبدالرحمن رشاد
تجديد الخطاب الدينى إحياء لقيم العقل والحوار والتسامح
جاءت دعوة الرئيس السيسى لتجديد الخطاب الدينى فى وقتها نظرا للتحديات التى كانت ومازالت تواجه الدولة المصرية والشعب المصرى وشعوب المنطقة العربية، ليس فيما يتعلق بالأمن فقط وإنما جاءت لإحياء العديد من قيم التعايش والسلام المجتمعى والسلام الإقليمى الذى افتقدته شعوب هذه المنطقة بفعل الإرهاب بكل أشكاله ومستوياته.
وجاءت لإحياء دعوات وأفكار بدأت منذ بداية القرن التاسع عشر وكانت باكورة هذه الدعوات مع صاحب صيحة الوطن محل سعادتنا المشتركة رفاعة الطهطاوى ودعوته للتعليم الحديث «المرشد الأمين فى تعليم البنات والبنين»، ودعوته لقيم الحوار والشورى والتسامح «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز»، واستمرت هذه الدعوات لتخفت تارة وتشرق ولا تموت. ولقد جاءت هذه الدعوة من الرئيس فى وقت تغول فيه الإرهاب المستتر بالدين ونشر قيم الاستعلاء والمغالبة وسفك الدماء.
نحن فى منطقتنا بحاجة وضرورة لتحديث الخطاب الدينى يسبقه تحديث الفكر - ليس لمقاومة الإرهاب ذلك الكائن الظلامى الذى يقتل ويبدد ويهدد سلام الأفراد ويعرض دعائم الدول للانهيار وإنما للعيش حياة آمنة تؤسس على العلم والحوار والتسامح والحرية.. كل من تصدى وقام بمسئولية التجديد وضع أمام عقله وقلبه وناظريه مسئولية الفرد العضو فى مجتمع يحتاج للسلام والأمن كى ينتج ويلبى احتياجات العقل والروح والجسد وفق شرعية وعقد اجتماعى يبين الحقوق والواجبات دون تمييز أو استعلاء أو إرهاب.
دعونا نتفق ابتداء أن التجديد فى الخطاب الدينى لا يعنى إنكار أو إلغاء الدين، ولا يعنى تغييره ولا تفصيل الدين على الهوى، وإنما يكون التجديد فى فهم ووعى لا يخرج عن الدين، ولكنه يعطى رؤية متجددة حديثة لمفهوم النص دون الخروج عليه وفى أساليبه وكيفية تقديمه وعرضه.
الخطاب لغة وفى الإعمال الواعى لمقاصد الشريعة والتبصر بما يسمى فقه الأولويات دون أن يكون ذلك سبيلا للخروج على الأحكام أو التلاعب فيها، ومن هنا كان لازما وضروريا لكل باحث أن يلم إلماماً صحيحاً بطرق ومناهج ووسائل وأدلة استباط الأحكام عن النصوص.
التجديد إذن هو تجديد الفهم وتجديد فى الخطاب وأسلوب الخطاب ولغة الخطاب ومتابعة واعية للمقاصد والتزام رشيد بفقه الأولويات الذى يعنى بجوهر الدين وقيمه ورشيد شريعته وأحكامه وألا ينصرف إلى القشور أو المهجور البعيد عن التطبيق، إنما يقدم الأهم على المهم، والمهم على ما يليه وصولا إلى غاية من المتفق عليها إنها للتجديد فى الخطاب الدينى وليس تبديلا ولا تغييرا فى الدين ولا لإشاعة مخالفته أو استخدامه والترهيب به ولا تفضيله على الهوى ولا هو لاتخاذه ثكنة للهدم والتشويه والإساءة.
ومن الظواهر المؤسفة أن البعض قد طفق يتحدث فى كل شيء حديث العارف العالم به، والبعض قد جاوز الثقة والاعتداد بما يقول إلى الغرور والضيق بغيره وتسفيه سلوك مجتمعات عديدة أو ازدرائها وربما انجرف إلى السب والتجريح والتكفير، وحين يجتمع الغرور والاستعلاء مع الجهل ويصاحب كل ذلك التطاول تمسى الطامَّة مزدوجة تنحى إلى تشويش قد يفتن بها وتضر فى الوقت نفسه بعقائد البسطاء، وتغرر بالشباب وتعودهم إلى الإرهاب.
وشر مثال على ذلك ما فعلته الجماعة الإرهابية بكتاباتها المتعالية التحريضية لشباب كثير منذ ظهورها عام 1928 وليس بخفى أن التجديد الدينى هو الغاية وأن هذا التجديد والإحياء ينبغى أن يكون واضحا مسايرا للعقل والواقع وأن يكون التجديد معنيا بالفكر الدينى والخطاب الدينى ولا يمتد هذا التجديد إلى النص المقدس القرآنى أو النبوى.
اللغة فى الخطاب الدينى وعلى ألسنة الخطباء وأقلام الكتاب من الضرورى النظر إليها وبحثها وتجديدها وهذا ما تحدث عنه الكاتب الراحل عباس محمود العقاد فى العديد من كتبه وأشار إلى ذلك المفكر والمحامى الكبير الراحل رجائى عطية وهذا حديث قادم.