
عبدالرحمن رشاد
عندما يتحدث الرئيس عن الوعى
منذ عدة سنوات وفى مناسبات عديدة يختتم السيد الرئيس كلماته بكلمة الوعى، ويختص - أحيانا - بهذه الكلمة الإعلاميين سواء كانوا صحفيين أو تليفزيونيين أو إذاعيين.. وتتردد الكلمة والمفهوم بعقول وأحبار أقلامهم وحناجر أصواتهم، ولكن يغيب مفهوم الوعى وصناعة الوعى والعمل بها وفق ما عناه السيد الرئيس.
وكل هذا نتاج أسباب عديدة:
أولها: افتقاد معنى ومفهوم الوعى كما قصده الرئيس، والافتقاد يستلزم البحث وإعمال الفكر، ولكن البحث لا يتم وإعمال الفكر معطّل لدى أهل الفكر.
ثانيا: يخلط الكثير بين الثقافة والوعى والإعلام والتعليم والتنشئة.
المفهوم والمصطلح والقيمة وما يقصده السيد الرئيس أعمق وأشمل من فهمهم للوعى، الوعى معرفة وشمول وعمق ويضم فى ثناياه كل هذه الأشكال من المعارف، فهو يحتوى التنشئة والتربية كما يحتوى التعليم ويحتوى الترديد الشعبى والثقافة ويحتوى القيم الدينية والقيم الأخلاقية والسلوكية، الوعى إحساس وجدانى وإحساس عقلى وخطو سلوكى يبدأ بالقيمة التى تتجسد فى اتجاه وتعيش سلوكا، هو ممارسة وتجارب.
الوعى يكاد يكون مرادفا لروح الحياة والنفس، وإذا انقطع الوعى راح النفس وهذا هو الموت بعينه.
الوعى حاضنة الرواسخ الجغرافية والتاريخية والحضارية والسياسية والأمن القومى، الوعى هو الرافد الرئيسى الأكثر أهمية لمحتوى وسائل الاتصال وللأدوات الثقافية والفنية وهو يتراكم بعد أن يمد هذه الرواسخ بكل القيم الحديثة على المجتمع والآنية فى وقتها. هناك أدوار لمختلف المؤسسات فى مراكمة الوعى، المؤسسات الاقتصادية مثلا بخطابها الاقتصادى لأنه يمس حياة الناس وكذا مؤسسات الثقافة والاتصال، والمؤسسة الدينية وقبل كل ذلك المؤسسة التعليمية ومؤسسة الأسرة وتتساءل عن دور المؤسسات فى بناء لبنات الوعى واستمراره والمحافظة على ألا يغيب ونعنى هنا المؤسسات السياسية بخطابها السياسى.
وتحدث السيد الرئيس عن الوعى فى خطابه أمام الندوة التثقيفية الأخيرة للقوات المسلحة فى احتفالات نصر أكتوبر.
وأظن أن حديث السيد الرئيس يأتى دوما عن الوعى الرشيد ويحض السيد الرئيس دائما وسائل الاتصال على رشادة الوعى والاجتهاد فى شرح مفهوم الرشادة وهذا يستلزم:
- العقل النقدى والمعلومة سواء كانت حاضرة أو تاريخية، عقل نقدى واع ورشيد.
- توظيف النص سواء كان تاريخيا أو معاشًا بعقل ناقد وموضوعى، عقل يدرس ويفرز دون اضطراب أو تحير أو خوف، وإنما بالتزام الموضوعية.
العقل الرشيد لدى الإمام أبى حامد الغزالى يعتمد المنقول مثل المعقول ولدى ابن رشد يعتمد المعقول سابقا على المنقول.
وتحدث الفيلسوف الألمانى «إيمانويل كانت» عن الوعى وما بعد الوعى أى الميتافيزيقا بمفهوم المتكلمين عن الغيب كما ذكر ذلك الكاتب الراحل عباس محمود العقاد.
الوعى بداية تبنى وتنمو وتشتد وترشد حتى تقف على قدميها رؤية مبنية على حقائق راسخة فى الواقع ومحدداتها الوطن وأمنه القومى ومصالح البلاد والعباد.
هذا هو الوعى الرشيد الذى سيصل ثققافتنا بتوفيق الحكيم صاحب وعى المراجعة والتذكر والتصويب واستلهام التجارب مع تجنب أخطائها والوعى سيصل الأجيال بمحمد عبده وسلامة موسى وكل هذا عبر وسائل اتصال تقليدية أو حديثة، يحتاج الوعى منا إلى استجابة سريعة مقرونة بدراسة لما ينادى الرئيس استلهم نصر أكتوبر وأشار إلى ما تم من جهد أبناء مصر لتحقيق النصر، هذه الاستجابة بالرشادة تقصد بناء مصر على أسس واعية ورشيدة من الحداثة والتنظيم والإنجاز.
الوعى بداية، والبداية خطوتها الأولى فى رشادة الوعى.
لتكن بداية الانطلاق القراءة الواعية الرشيدة لما حدث فى أكتوبر ولتكن كلمة الوعى التى قالها الرئيس فى ختام كلماته عن نصر أكتوبر هى المنهج فى القراءة والعمل والإنجاز.