الخميس 29 سبتمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
أسرار 50 سنة صحافة

أسرار 50 سنة صحافة

 أشعر بالسعادة عندما يصدر كتاب يحمل ذكريات لكبار الصحفيين، لأنه يتضمن تجارب وخبرات يجب أن تتناقلها الأجيال ويستفيد منها شباب الصحفيين، ولهذا فإن سعادتى غامرة بكتاب الصديق والكاتب الكبير محسن حسنين رئيس تحرير مجلة أكتوبر الأسبق والذى قدم تجربته الصحفية فى كتاب صدر مؤخرًا بعنوان «أسرار 50 سنة صحافة».



محسن حسنين، مع حفظ الألقاب، أمضى نصف قرن فى عالم صاحب الجلالة، مر خلالها بالعديد من المؤسسات الصحفية داخل وخارج مصر، وكان رائدًا فى تأسيس الصفحات الاقتصادية فى العديد من الإصدارات المصرية والعربية، ما يجعل تجربته مميزة وبها كثير من الوقائع ذات الدلالات المهمة، منذ قرر صاحب الكتاب العمل بالصحافة، وعندما التحق بمعهد الصحافة قبل أن يتحول إلى كلية إعلام محولًا أوراقه إليها من كلية الحقوق، وضع نصب عينيه قاعدتين لم يحِدْ عنهما طوال مسيرته هما التمسك بالمهنية والحفاظ على الكرامة الشخصية والصحفية، وبدونهما تختل الصحافة وتهتز القيم، وظهر ذلك فى العديد من المواقف داخل وخارج مصر، ولأن الوقائع كثيرة والمساحة لا تكفى لنشرها كلها فسأكتفى بوقائع قليلة كاشفة لدهاليز الصحافة وتوضح دور الصحفى الحقيقى. 

يحكى الصحفى البارع عن وزير الإسكان الذى ذهب ليحاوره فاستقبله بتعالٍ فلقنه درسًا فى احترام الصحفى ما اضطر الوزير المغرور إلى الاعتذار له وإجراء الحوار رغم أن الأسئلة تضمنت اتهامات لسياساته الفاشلة على عكس ما كان يرغب ويريد، ويكشف المؤلف فى كتابه عن تواطؤ الحكومة تجاه ظاهرة شركات توظيف الأموال فى مصر والتى انتشرت فى أواخر الثمانينيات من القرن الماضى وأدت إلى ضياع أموال المواطنين، وكان قد هاجم أصحابها فى أكثر من تحقيق مؤكدًا أن الأرباح التى تمنحها تتم بطريقة «تلبيس الطواقى» فلا يوجد مشروع يجنى أرباحًا 34% إلا تجارة المخدرات، وقرر أن يجرى حوارًا مع أحمد الريان صاحب أكبر شركة لتوظيف الأموال آنذاك، وواجهه بكل الأخطاء والجرائم التى ترتكبها شركته، وكان حوارًا عنيفًا لم يستطع فيه الريان الدفاع عن نفسه أو إيجاد مبررات منطقية للطريقة التى يدير بها أموال المودعين والتى بلغت 2.5 مليار جنيه و270مليون دولار.. وكشف الحوار زيف هذه الشركات وبيعها الوهم للناس الذين وصل عددهم فى شركة الريان وحدها إلى ربع مليون مواطن، ونشر الحوار فى مجلة أكتوبر، وبعدها جاءه مندوب الإعلانات فى المجلة يعرض عليه وعلى لسان الريان أن يكتب سلسلة تحقيقات عن مشروعاته مقابل مبلغ مالى كبير، ولكن الصحفى الذى يحافظ على مهنيته وكرامته رفض وهدده بطرده من المكتب، وبعد أيام فوجئ برئيس التحرير وقتها ينشر سلسلة مقالات دعاية للريان ولباقى شركات توظيف الأموال، وعندها قرر الكاتب ترك الجمل بما حمل والهروب من المناخ الذى يزكم الأنوف وسافر للعمل بقطر فى جريدة الشرق ليؤسس بها أول صفحة اقتصادية هناك، ولأن الشىء بالشىء يذكر فقد كانت مجلة روزاليوسف فى ذلك الوقت تشن حملة ضخمة على شركات توظيف الأموال وتكشف ألاعيبها وتلاعبها بأموال المودعين.

أعود لذكريات ومعارك الكاتب الكبير، فى قطر كان يكتب مقالاً بالملحق الاقتصادى بجريدة الشرق وكان ما يكتبه لا يعجب أولى الأمر الجدد فى قطر الذين بدأ نجمهم فى الصعود ومنهم حمد بن جاسم الذى بدأ حياته السياسية وزيرًا للبلدية ثم أصبح وزيرًا للخارجية، وفجأة ظهر بيان نشر فى جريدة الراية القطرية يُهاجم مصر بعنف ويُطالب بإنهاء هيمنة الصحفيين المصريين على الصحافة القطرية ويتهمهم بالعمالة، وحمل البيان تطاولاً كبيرًا على مصر والمصريين وكان مذيلاً بتوقيع جماعة شباب قطر، واتصل محسن ومعه صحفيون مصريون بسعد الرمحى المشرف على جريدة الراية والذى أصبح فيما بعد وزيرًا للإعلام وطلبوا منه الرد على البيان فقال: ممنوع لأنه صادر من ديوان الشيخ حمد بن جاسم، فلم يجد الصحفى الوطنى بدًا من كتابة مقال عنيف فى عموده بالشرق مهاجمًا البيان، بعدها تم استدعاؤه هو والكاتب الكبير حامد عزالدين -وكان وقتها مديرًا لتحرير الجريدة- إلى إدارة الجوازات، حيث تم إبلاغهما بمغادرة البلاد خلال خمسة أيام بناء على القرار الصادر من مكتب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ عبدالله بن خليفة، ولكن فى الوقت نفسه قرر رئيس تحرير جريدة الشرق ناصر العثمان تكريم الصحفيين المصريين المبعدين، وأقام لهما حفلاً كبيرًا وحرص العثمان على أن يصحبه بسيارته إلى المطار، حيث تحولت واقعة الترحيل السياسى إلى مظاهرة حب وتكريم وتقدير.. ومن أبرز مواجهات المؤلف هو موقفه من الإخوان المسلمين عندما كان رئيسًا لتحرير أكتوبر، وكان قد تم تعيينه فى المنصب بعد ثورة يناير، حيث جرت انتخابات فى المجلة اكتسحها حاصلاً على معظم الأصوات، وكانت مقالاته والتحقيقات التى نشرها شاهدة على معارضته للجماعة فى عز سطوتها ومهاجمًا قياداتها ومحذرًا من أفعالهم، وبعد عزلهم له ضمن ما يقرب من خمسين رئيسًا للتحرير ورؤساء مجالس إدارات استمر على نهجه حتى سقوطهم.

المواقف التى مر بها محسن حسنين كثيرة ومعاركه كبيرة وعديدة وكلها تنتصر للمهنية والكرامة، وهو ما يجعلنى أدعو كل صحفى وخاصة الشباب إلى قراءة الكتاب والاستفادة منه.