الثلاثاء 5 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
حقك.. الفلسفة العقابية الجديدة غيرت حياة المحتجزين مراكز الإصلاح والتأهيل.. الواقع يهزم التشكيك

حقك.. الفلسفة العقابية الجديدة غيرت حياة المحتجزين مراكز الإصلاح والتأهيل.. الواقع يهزم التشكيك

سألوا المناضل الإفريقى العظيم نيلسون مانديلا ذات يوم عن معيار لقياس حضارة الأمم، وكان رد أشهر سجين فى القرن الماضى أن المرء لا يعرف أمة ما من الأمم إلا إذا دخل سجونها. فالحكم على الأمم لا ينبغى أن يرتكز على معاملتها لموطنيها، ولكن على معاملتها لمن فى المستويات الدنيا.



يمكن قراءة تلك العبارة عند زيارتك لمراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة وربطها بإعلان الرئيس عبدالفتاح السيسى عن اتجاه مصر لتأسيس جمهوريتها الجديدة والقائمة على توفير الحياة الكريمة لكل مواطنيها وكفالة حقوق الإنسان وتعزيزها فى المجتمع المصرى عبر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان وما وضعته من محاور لتطوبير الفلسفة العقابية الجديدة والقائمة على الاهتمام بأوضاع المحتجزين وتوفير جودة الحياة التى تؤهلهم للحظة الخروج والعودة للمجتمع أو بمعنى أدق الفرصة الثانية فى الحياة وأن الاحتجاز ليس النهاية بل البداية لحياة أفضل.. ولم لا.

أتيحت لى زيارة لمركز إصلاح وتأهيل وادى النطرون مع وفد من أعضاء المجلس القومى لحقوق الإنسان، وشاهدت بنفسى التقدم الهائل فى مستوى الخدمة الطبية وعلاج الإدمان والتأهيل النفسى الراقى والذى يضمن تغييرًا فى أنماط وسلوك النزلاء، وذلك وفق برنامج مشترك بين مراكز الإصلاح والتأهيل والأمم المتحدة، وهو تطور لافت فى الفلسفة العقابية المصرية التى أصبحت تعتمد على تطبيق المعايير الدولية واستنباط معايير مصرية جديدة تقدم تجربة فى مراعاة حقوق المحتجزين وفق آخر ما توصل له العالم.

فى البداية كان الاطلاع على المبانى وهى عبارة عن مبانٍ تنتمى للجيل الخامس من مؤسسات التأهيل والتى تعطى مساحات واسعة لتنفيذ مشروعات إنتاجية وتأهيل مهنى ومستشفى ومساحات لممارسة الرياضة، بالإضافة إلى معاهد تعليمية وكتبة ودور عبادة، حيث تم تخصيص أماكن للكنائس داخل مراكز الرعاية والتأهيل وهى تطور لافت فى تطبيق معايير المواطنة داخل مراكز الاحتجاز.

وتنص المعايير الدولية لأماكن الاحتجاز على ضرورة أن يكون الموقع قريبًا أو ذا وسيلة وصول سهلة إلى بعض المبانى المتعلقة بالسجن كالمحكمة. وألّا يكون قريبًا من المناطق السكنيّة، فيمكن وضعه فى مناطق حكومية أو فى مناطق صناعية، كما أنّ وضع السجن فى منطقة ذات ضجيجٍ مرتفعٍ تقلّل من السيطرة على وسائل المراقبة السمعيّة فتزيد حالات الهروب.

أما فى التصميم الداخلى فتنص المبادئ والمعايير الدولية على التقيد بتوفير ظروف معيشية للسجناء تحفظ كرامتهم. ولا تؤدى لزيادة معاناتهم وتؤثّر سلبًا على صحتهم. والتى منها المعايير البيئية مثل الحفاظ على التهوية، حيث يجب أن تكون نسبة التهوية %4 من المساحة الكليّة للغرفة. ولا تشمل هذه النسبة مساحة الأبواب والمناطق المحميّة بالقضبان. وتوفّر ما مقداره 0.1-1.4 متر مكعب من الهواء فى الدقيقة للشخص الواحد.

كذلك توفير الإضاءة، حيث ينبغى توفير ضوء طبيعى كافٍ لغرف السجن، حيث تكون مساحة الإضاءة %8 من المساحة الكليّة للغرفة. وأن تصل الإضاءة لعمقٍ يصل إلى ضعفى المسافة من الأرض إلى أعلى النافذة. وأن يكون ارتفاع النافذة يسمح للسجين بأن ينظر عبرها.

والحقيقة أن تلك المعايير مطبقة فى مركز الإصلاح والتأهيل المصرية، بل تخطتها فى كثير من النواحى، حيث توفر التجربة المصرية أجهزة طبية حديثة ومتطورة تقدم الخدمة للنزلاء على مدار الساعة بشكل يدعو إلى الفخر والإعجاب.

تهتم مراكز الإصلاح والتأهيل (السجون سابقا) بتطبيق المعايير الدولية الخاصة بأماكن الاحتجاز والمتعلقة بتوفير مستوى مناسب من الرعاية الصحية والتغذية الكافية وكفالة الحق فى التعليم والثقافة وتخصيص وقت مناسب للتريض للنزلاء والسماح بتلقى الزيارات بشكل مباشر ما بين النزيل وأهله. 

وفى خلال زيارة لمركز الإصلاح والتأهيل فى بدر تابعت تجربة نزيل أتاحت له إدارة المركز طرفًا صناعيًا، وآخر أجريت له جراحة داخل المركز بعدما توافرت أطقم طبية وأجهزة حديثة مكنت المراكز من علاج النزلاء داخل مراكز الاحتجاز دون الحاجة إلى نقلهم إلى الخارج والضغط على المستشفيات العامة.

وتابعت فصول محو الأمية وكذلك المسجد والكنيسة ومطبخ المركز، وشاهدت الوجبات الغذائية للنزلاء وفق المعايير المقررة لهذا الشأن، فضلاً عن تجهيز وجبات على مستوى راقٍ حسب طلب النزيل.

وكانت زيارة المجمع الصناعى الملحق بمركز الإصلاح والتأهيل فى وادى النطرون تجربة مميزة، حيث يوفر المركز إمكانية الاكتفاء الذاتى من المواد الغذائية، فضلاً عن تعليم النزلاء الحرف المختلفة والعمل فى مصانع أساس خشبى ومعدنى وعلف ومواشى وداجنى وصوب زراعية أورجانيك لتأهيل النزلاء على إتقان مختلف الحرف والاستفادة ماديًا من ممارسة العمل لمساعدة ذويهم.

ثم انتقلنا للاطلاع على النزيلات ودور الحضانة ومنتجات النزيلات من المشغولات اليدوية وتحدثنا لعدد من النزلاء وأسرهم خلال أوقات الزيارة والاستماع لمطالبهم.

ومن المهم الإشارة إلى تلقى النزلاء المساعدة القانونية من خلال متطوعى حياة كريمة كدور اجتماعى وشراكة بين مؤسسات الإصلاح والتأهيل والمجتمع المدنى بما يخدم فكرة إرساء ثقافة التطوع فى مصر.

لا أريد رسم صورة وردية، لأن هناك بالتأكيد تحديات عديدة تواجه ذلك القطاع، لكن ما يحدث فيه من تطور هائل يستحق التحية والتقدير لكل أفراد المنظومة العقابية الجديدة.

والحقيقة أن ما يحدث من تطوير داخل أماكن الاحتجاز تقف وراءه إرادة سياسية قررت أن تغير الواقع المعاش داخل مراكز الاحتجاز وتغيير الصور النمطية فى الغرب عن أماكن الاحتجاز المصرية، وبالفعل كان تغيير الواقع إلى الأفضل هو أفضل رد على حملات التشكيك التى لا تتوقف وهدفها الرئيسى ليس حماية حقوق الإنسان، بل تسييس تلك الحقوق وتلوينها لاستخدامها فى الضغط على الدولة المصرية.

وكانت إشارة الرئيس عبدالفتاح السيسى واضحة بأن المحتجز يجب عدم معاقبته مرتين، وأنه يستحق فرصة أخرى للحياة وأن مراكز الإصلاح والتأهيل هى المنوط بها تطبيق تلك الاستراتيجية والتجربة المصرية فى رعاية المحتجزين والتى بالفعل بدأت فى لفت أنظار العالم والسعى إلى استلهام تلك المنظومة المتكاملة وتطبيقها.

وفق المعايير الدولية، فإن العالم ينظر إلى أماكن الاحتجاز باعتبارها مرآة عاكسة للمجتمع وللقيم التى يعززها، وفى الحالة المصرية هى مرأة عاكسة للجمهورية الجديدة القائمة على توفير الحياة الكريمة لكل شعبها وكفالة حقوقهم الإنسانية.

لقد ودعت مصر بتلك الطفرة فى أماكن الاحتجاز والتأهيل صورة السجون النمطية، وما نسجته حولها الدراما والتقارير الحقوقية «المسيسة» من صور قاسية ومخيفة، وتنتقل إلى آفاق أخرى تحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 وتتخطى تلك المعايير، لتصنع نموذجًا مصريًا معبرًا عن فلسفة عقابية جديدة تتبناها الدولة المصرية فى سياق تنفيذها للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتى أطلقها الرئيس السيسى، وعبرت عن انحياز الجمهورية الجديدة لحقوق الإنسان بمفهومها الشامل والمستمد من قيم المجتمع المصرى.

رأيت فى مركز الإصلاح والتأهيل، قرار الدولة المصرية بتحويل فترة العقوبة من نهاية الحياة إلى فرصة ثانية فى الحياة للمحتجزين، وتحويلها إلى فترة للاستثمار فى البشر، وإعادة تأهيل الإنسان إلى الحياة عقب الخروج بتعليمه الحرف اليدوية والفنون ومحو أميته، بل يمكنه الإنفاق على أسرته من خلال عمله بمناطق التأهيل والإنتاج، حيث تمتد داخل المركز مساحات الزراعات المفتوحة والمصانع والورش الإنتاجية، ويتم بيع منتجات المركز فى الأسواق والمعارض، ويتم تخصيص العائد المالى للنزيل وتوجيه هذا العائد حسب رغبته، فإما تحويل العائد أو جزء منه لأسرته أو الاحتفاظ به عقب قضاء العقوبة.

مركز الإصلاح والتأهيل الجديدة لم تتحمل الموازنة العامة للدولة أية أعباء لإنشاء وإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة، لا سيما أن القيمة الاستثمارية لمواقع السجون العمومية المقرر غلقها تفوق تكلفة إنشاء تلك المراكز، وهى نظرة معتبرة من جانب الدولة لإنجاز تلك المراكز بهذه الجودة العالية دون إزهاق الموازنة العامة.

وعلى المستوى التشريعى، قررت الدولة التخلص من عبء مسمى أو مصطلح السجون إلى مركز للإصلاح والتأهيل، بل تعديل مسمى قطاع السجون ليصبح «قطاع الحماية المجتمعية»، وهى إشارة بالغة الدلالة على عزم الدولة المصرية على ترسيخ قيم ومبادئ حقوق الإنسان، بل تقدمت وزارة الداخلية بمشروع قانون لتعديل بعض أحكام قانون السجون والقوانين ذات الصلة لتحويل السجون إلى مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعى.

لتلك التعديلات أهمية كبيرة فى تأسيس السلام الاجتماعى وتقليل المخاطر الأمنية على المدى الطويل، وتتخلص مصر من فكرة أن تتحول فترة السجن الصعبة إلى مفرخة للمجرمين عقب الخروج والعمل، على تمكين النزلاء من الاندماج الإيجابى فى المجتمع عقب قضائهم فترة العقوبة من منطلق أحقية المحكوم عليهم بألا يعاقبوا على جرمهم مرتين حتى لا تتوقف الحياة بهم وبأسرهم عند ذنب اقترفوه.

ما تشهده أوضاع الاحتجاز فى مصر من تطورات إيجابية يجب ألا تكون محلًا للتشكيك أو التندر أو السخرية كما يحلو لبعض الموتورين على وسائل التواصل الاجتماعى، بل هى فعل إيجابى يجب تحية القائمين عليه، بل تعتبر دليلًا على احترام الدولة لكل المصريين وعزمها على توفير الحياة الكريمة للجميع وإنهاء فكرة الوصمة الاجتماعية التى تلتصق بالمحتجز لتصبح فرصة جديدة للحياة.