الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

«وحوش البحر».. القوات البحرية المصرية فى حرب أكتوبر استراتيجية البحرية المصرية استطاعت أن تخدع العدو الإسرائيلى.. وعملت على استنزاف قدراته قبل إعلان الحرب

لعبت القوات البحرية المصرية دورًا بارزًا خلال حرب أكتوبر المجيدة، وكان لـ«أسود البحر»،  كما يلقَّبون، نجاحات قوية بمعاونة قوات الجيش الميدانية فى سيناء؛ سواء بمشاركة أعمال الهجوم على الخطوط الدفاعية لقوات العدو، أو من خلال حماية  القوات البرية المتقدمة بمحاذاة الساحل.



 

وبمناسبة احتفالنا بالذكرى الـ48 لحرب أكتوبر المجيدة، لا بُد أن نلقى الضوء على المهام الباسلة  لـ«وحوش البحر» والتى عملت عليها ليس خلال حرب أكتوبر فقط؛ ولكن على مدار أعوام خلال حرب الاستنزاف، التى استطاعت القوات المسلحة المصرية أن تستنزف فيها  قدرات العدو على مدار ثلاث سنوات؛ حيث نستطيع أن نصف استراتيجية حرب أكتوبر أنها تضمنت ثلاث مراحل أساسية، مرحلة الصمود، ثم مرحلة المواجهة والدفاع، وأخيرًا مرحلة الردع والحسم.

وعلى مدار أعوام، لا تزال حرب أكتوبر درسًا قويًا يبقى أثره فى إسرائيل حتى يومنا هذا؛ بل أصبحت الاستراتيجية المصرية فى قوتها ودفاعها عن أراضيها خطة يتم تدريسها لجميع الجيوش العالمية.. فالقوات المسلحة المصرية استطاعت أن تثبت مدى قوتها وبسالة رجالها فى تحطيم أسطورة العدو الذى حاول بكل السُبل تصدير صورة مغايرة لمدى قوته وتملكه لأفضل الأسلحة الحربية.. لكن هذا لم يكن عائقًا أمام القوات المصرية التى هزمت هذه الصورة أمام العالم خلال ساعات واستطاعت أن تسترد أراضيها.. وتحتفل كل عام بقوة وشجاعة قواتها المسلحة.

الاستراتيجية البحرية لنصر أكتوبر

استهدفت الاستراتيجية البحرية المصرية حصار العدو الإسرائيلى عن طريق تهديد خطوط مواصلاته  البحرية  فى البحرين الأحمر والمتوسط، ومعاونة عمليات قواتنا البرية  التى تقاتل على السواحل بالنيران وحماية جانبها المعرض للبحر، مع القيام بعمليات إبرار بحرى خلف خطوط القوات الإسرائيلية   وعلى أجنابها، وتطوير استراتيجية حصار إسرائيل بإضافة أبعاد جديدة إليها يتعذر على الإسرائيليين التعامل معها، ولما كانت الحرب البحرية تهدف فى المقام الأول إلى التأثير على اقتصاد الخصم عن طريق السيطرة على البحر وتهديد خطوط مواصلاته البحرية، من هنا أولت  قيادة القوات البحرية هذه المهمة اهتمامها، فمع تزايد اعتماد إسرائيل اقتصاديًا وعسكريًا - على حركة النقل عبر البحار - ازدادت تبعًا لذلك كثافة شبكة خطوط مواصلاتها البحرية، لا سيما بعد أن سيطرت على مضيق تيران فى خليج العقبة فى أعقاب حرب 1967، وأصبح الطريق مفتوحًا لتجارتها مع الشرق الأوسط وبلدان شرقى إفريقيا عبر البحر الأحمر، وكان أهم وارداتها المنقولة عبر هذا البحر هو البترول الخام، الذى تحمله الناقلات من إيران إلى ميناء إيلات، ثم يتم نقله عبر خط أنابيب - بعد حصول إسرائيل على حصتها منه - إلى عسقلون على البحر المتوسط؛ حيث يعاد شحنه على الناقلات إلى أوروبا مرة أخرى.

ومن ناحية أخرى، تمر خطوط تجارة ومواصلات إسرائيل البحرية -فى البحرين الأحمر والمتوسط- بمناطق حاكمة يمكن استغلالها بنجاح كبير فى عمليات التعرض لخطوط المواصلات الإسرائيلية كجزء من الهدف الاستراتيجى الأكبر وهو: تشديد قبضة الحصار على اقتصاد إسرائيل ومجهودها الحربى ـ إلا أن إسرائيل اعتادت منذ بدء حروبنا معها أن يأخذ حصارنا البحرى لها الشكل المباشر القريب، أى غلق مضيق تيران عند مدخل خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية أو عرقلة حركة السفن التجارية المترددة على موانيها المطلة على البحر المتوسط  بواسطة الوسائل التقليدية المعروفة، والتى يصاحبها عادة إغلاق مناطق عمليات حربية فى مساحات محدودة من مياه البحار التى تحيط بالأراضى الإسرائيلية. إلا أن هذا الأسلوب فى الحصار ثبت أنه فى الظروف التى سبقت حرب أكتوبر 1973 لن يؤتى الثمار المرجوة منه، خاصة فى ظل السيطرة الجوية الإسرائيلية على مسرح العمليات، لذلك تم تطوير حصارنا البحرى لإسرائيل؛ بحيث يحقق أهدافًا استراتيجية مؤثرة بعيدة عن ردود فعل نتائج العمليات الجوية والبرية، وذلك بالسيطرة على المدخل الجنوبى للبحر الأحمر عند باب المندب والمياه المحدودة الاتساع فى غرب البحر المتوسط، فمن هاتين المنطقتين يمكن فعلا تهديد خطوط المواصلات البحرية لإسرائيل بعيدًا عن تأثير قواتها الجوية، بالإضافة للعمل أيضا عند مضيق خليج العقبة، ومداخل الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط ولأن أسلوب الحصار البحرى البعيد مغاير تمامًا لما ألفته إسرائيل، فقد أحطنا إجراءات وتدابير تنفيذه بتكتم شديد ضمانًا لمفاجأة إسرائيل به، لذلك قامت القيادة السياسية المصرية باتصالات مكثفة مع بلاد المنطقة - خاصة دولتى اليمن الشمالى والجنوبى - للحيلولة دون احتلال إسرائيل لبعض جزر البحر الأحمر.

 خطة الخداع

وضعت قواتنا البحرية خطة لإيهام إسرائيل بأن قواتنا لم تفرغ بعد من استكمال استعداداتنا الدفاعية والتى تتطلب فترة زمنية طويلة، وبما يظهر بحريتنا بأنها غير قادرة على الاضطلاع بمهام هجومية، وما يتطلبه ذلك من إبعاد انتباه إسرائيل عن التجميع الرئيسى لقواتنا البحرية واتجاهاته الرئيسية قبل العمليات وأثنائها، وإخفاء الهدف المباشر للعملية الهجومية وحرمانها من استنتاج التوقيت الصحيح لبدء الهجوم، لذلك نشطت الاتصالات مع شركات أجنبية لطلب أسلحة ومعدات، بل وحدات بحرية أيضًا يستغرق توريدها شهورًا عدة، وأيضًا قبول الدعوة التى وجهتها الأدميرالية البريطانية  لرئيس أركان القوات البحرية لزيارة معرض «جرينتش»  بالمملكة المتحدة وبصحبته عدد من الضباط، والاستفادة من الطلب الذى تقدمت به ليبيا باشتراك البحرية المصرية فى الاحتفال العسكرى الذى كان مزمعًا إقامته فى ميناء طبرق لإرسال وحدات بحرية للغرب لأغراض الفتح التعبوى تحت ستار مشاركتها فى الاحتفال. 

وتم استغلال الترتيبات العلنية، المتعلقة بإصلاح الغواصات بباكستان لكى تتخذ الغواصات مواقعها فى مسرح البحر الأحمر فى سرية، والإيحاء بأن شدة حاجتها للإصلاح تجعلها غير صالحة للعمليات، والتى أبرزناها بتكثيف اتصالنا - عن عمد - بالسلطات الباكستانية  لسرعة نقل  التجهيزات الخاصة بأحواض إصلاح الغواصات إلى ميناء كراتشى، كذلك استغلال المناورة السنوية للقوات البحرية فى رفع درجة استعداد القوات وتحميل الألغام واتخاذ الوحدات مواقع عمليات تحت ستار التجهيز التمهيدى للمناورة، ثم تنفيذ الانتشار الفعلى على أنه تحركات داخل إطار المناورة وفى حدودها.

 أرقام النصر

استطاعت أن تثبت القوات البحرية المصرية أنهم بحق «أسود البحر»، فخلال أيام حرب أكتوبر المجيدة، قامت القوات البحرية بخوض 4 معارك رئيسية باستخدام الصواريخ على الموانئ والمراسى والأهداف الساحلية بإسرائيل باستخدام ضربات بالصواريخ والمدفعية ضدها بأسلوب متطور اعتمد على خفة الحركة وسرعة المناورة مع توفير قوة نيران عالية، فيما وفرت تأمين النطاق التعبوى للقواعد البحرية فى البحرين الأحمر والمتوسط وكان له أكبر الأثر الفاعل فى إحباط جميع محاولات العدو للتدخل ضد قواتنا البحرية العاملة على المحاور الساحلية ، وساعد على استمرار خطوط المواصلات البحرية من وإلى الموانئ المصرية دون أى تأثير وطوال فترة العمليات.

كما استطاعت القوات البحرية إغراق 5 سفن حربية إسرائيلية وقصف 12 هدفًا ساحليًا، كما تم تدمير 29 قطعة بحرية وعملت القوات البحرية على ضرب حصار صارم على الموانئ الإسرائيلية فى البحرين الأحمر والأبيض.

ليس هذا فحسب بل نجح وحوش البحر فى إسقاط 12 طائرة هليكوبتر وصد 9 هجمات للعدو الإسرائيلى بصورة ناجحة.

 الاستعداد للنصر 

عملت القوات البحرية لخوض «حرب النصر» على مدار أعوام، ولم يكن يوم السادس من أكتوبر هو يوم الحسم بالنسبة لوحوش البحر، فاعتبارًا من يوم 27 سبتمبر 1973 بدأت خمسون قطعة بحرية مصرية انتشارها فوق مياه البحرين المتوسط والأحمر، كما وصلت مجموعة بحرية مكونة من المدمرات والفرقاطات والغواصات إلى مضيق باب المندب بحجة مساندة اليمن الجنوبية، ومع بدء العمليات فى السادس من أكتوبر تم إعلان البحر الأحمر عند خط 21 شمالًا، منطقة عمليات وتمكنت البحرية المصرية خلال الفترة من 6 أكتوبر حتى 21 أكتوبر 1973 من اعتراض 200 سفينة محايدة ومعادية، إلا أن ناقلة بترول إسرائيلية لم تمتثل لتعليمات البحرية المصرية بالابتعاد عن الخط  الشمالى المار بين مدينة جدة السعودية وبور سودان السودانية لأنها منطقة عمليات، فقامت الغواصات المصرية باعتراضها وإغراقها بالطوربيدات، فتوقت الملاحة نهائياً منذ يوم 7 أكتوبر فى البحر الأحمر.

وقامت وحدات بث الألغام البحرية بإغلاق مدخل خليج السويس، كما هاجمت الضفادع البشرية منطقة بلاعيم ودمرت حفارًا ضخمًا، فيما تم قصف منطقة رأس سدر على خليج السويس بالصواريخ، لتصاب عمليات شحن البترول فى خليج السويس إلى ميناء إيلات بالشلل التام، حيث كان الهدف الاستراتيجى للقوات البحرية هو حرمان إسرائيل وقواتها المسلحة من البترول المسلوب من الآبار المصرية فى خليج السويس والبترول المستورد من إيران والذى يصل إلى 18 مليون برميل سنويًا.

ونجحت القوات البحرية فى السيطرة على مسرح العمليات البحرية بامتداد 1600 كيلومتر على السواحل المصرية و400 كم على سواحل فلسطين المحتلة وسيناء لتؤمن قوات الجيش المصرى الذى يخوض معركة التحرير فى سيناء وتحيط به مساحات مائية هائلة من الشمال والجنوب.