الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

فى حرب «يوم الغفران» ماذا حدث فى تل أبيب 1973؟

لا تزال حرب أكتوبر 1973 تسيطر أصداؤها فى الداخل الإسرائيلي؛ فهى لم تكن حربًا عادية خاصة لإدارة تل أبيب التى كانت تتباهى بقوتها أمام العالم وشعبها، فما كان من الجيش المصرى أن يقتحم عتاد العدو فى 6 ساعات فقط  ليسطر تاريخًا جديدًا يؤكد فيه بسالة وقوة رجاله لتصبح حرب أكتوبر أو كما يقال عنها فى إسرائيل «حرب يوم الغفران» يومًا لا ينسى فى التاريخ؛ سواء فى وطننا العربى الذى استطاع أن يطرد القوات المحتلة فى مصر وسوريا، أو فى إسرائيل نفسها.. فيوم 6 أكتوبر لا تزال تداعياته وآثاره كابوسًا يطارد الإدارة الإسرائيلية حتى الآن.



واليوم فى ذكرى احتفالنا بعيد النصر.. نلقى الضوء على ماذا حدث فى تل أبيب يوم 6 أكتوبر 1973، خاصة فى حكومتها التى حاولت على مدار سنوات أن تبعث رسائل قوتها وقوة جيشها للعالم كله، لكن كل هذه الخرافات انهارت فى ساعات قليلة أمام قوات الجيش المصرى.

 يوم الحسم

فى السادس من أكتوبر 1973، وافق هذا اليوم «عيد الغفران» فى إسرائيل، أو يوم الكيبور، وهو عيد تتوقف فيه الحياة عند اليهود للصوم والصلاة فقط، ووفق حديث لمراسل قناة BBC  لشئون الشرق الأوسط،  كيفين كونللي، أوضح أن اختيار هذا اليوم تحديدًا من قبل الإدارة المصرية يؤكد مدى قوة الاستراتيجية المصرية فى دراسة عدوها، ويؤكد مراسل القناة البريطانية أن تداعيات وآثار هذا اليوم لا تزال تعيشها إسرائيل حتى يومنا هذا.

فبعد هزيمة 1967؛ حيث احتلت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان السورية، كان من الواضح أن العرب وخاصة الجيش المصرى لن يترك أراضيه للقوات المحتلة؛ لكن إدارة تل أبيب لم تدرك هذا الأمر أو حاولت إقناع العالم أن استرجاع الأراضى المحتلة لن يكون بهذه السهولة.

وهكذا بدأ المصريون والسوريون الحرب بالتزامن على الجبهتين، ففى الوقت الذى بدأ فيه المصريون عبور قناة السويس واجتياح حصون خط بارليف كان السوريون يتقدمون بشكل سريع فى الجولان.

وبدأ الإسرائيليون بتجميع جهدهم الحربى لصد الهجومين؛ حيث عادت الإذاعة الإسرائيلية التى كانت متوقفة بمناسبة يوم كيبور للعمل وبثت نشرات خاصة تحوى رموزًا لاستدعاء جنود الاحتياط وتوجيههم إلى وحدات عسكرية معينة.

«وجوه شاحبة»

ووفق تصريحات مراسل BBC   أن إيهود باراك، الذى تولى منصب رئيس الوزراء الإسرائيلى بعد ذلك، قد روى  فى مذكراته، أن ذلك اليوم لن يُنسى: « فبمجرد سماع أخبار  تحرك القوات المصرية والسورية توجهت مباشرة إلى مركز قيادة القوات الإسرائيلية والمعروف باسم «الحفرة».

وأضاف باراك، الذى كان يقدم خدمته العسكرية فى هذا التوقيت، «لقد كانت الوجوه شاحبة كأنما يعلوها الغبار، فقد كانت هذه اللحظة هى الأشد قسوة خلال الحرب، وبعد ذلك بدأت القوات الإسرائيلية فى دخول المعارك والسيطرة على مساحات من الأراضي، لكن فى ذلك اليوم أضاع أثر نصر 67 النفسى داخل إدارة تل أبيب، وأضاع شعور أن الجيش الإسرائيلى لا يُهزم».

وعلى الرغم من الدعم التى تلقته إسرائيل من الولايات المتحدة؛ فإن الأمر لم يكن فى مخيلة إدارة تل أبيب؛ حيث عملت واشنطن على تزويد إسرائيل خلال السنوات السابقة لـ1973 بأحدث الأسلحة وأقواها فى تلك الفترة.

وبالتزامن مع توقيت حرب أكتوبر، كانت هناك حرب باردة أخرى بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، فالأخيرة تلقى دعمها إلى قوات الاحتلال، وفى المقابل دعم الاتحاد السوفيتى السابق مصر وسوريا وبالتالى أصبحت الحرب تجرى بين الطرفين بالوكالة عن القوتين الأعظم فى العالم.

 الهزيمة.. والكابوس

«لن أكتب عن الحرب- من الناحية العسكرية- فهذا أمر أتركه للآخرين. ولكننى سأكتب عنها ككارثة ساحقة وكابوس عشته بنفسي.. وسيظل معى باقيًا على الدوام».. هكذا قالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل وقت حرب أكتوبر 1973، والتى وجدت صعوبة بالغة  فى كتابة ما حدث خلال الحرب فى اعترافاتها. 

وأضافت جولدا مائير  فى مذكراتها «كتاب حياتي» أن ذكرياتها مليئة بروايات عن حرب أكتوبر:  « فكل سطر كتبته يصف حجم قوة الجنود المصريين والحرب التى أداروها بعناية بفضل الخداع العسكرى والاستراتيجى الذى كان عامل النجاح فى حرب أكتوبر.. فلا يوجد أشق على نفسى من الكتابة عن حرب أكتوبر 1973 (حرب يوم كيبور) » .

أما عن لحظة بدء الحرب والمفاجأة التى لم يتوقعها الجنود الإسرائيليون، فقد وصفتها مائير فى اعترافاتها، قائلة :«كان التفوق علينا ساحقًا من الناحية العددية سواء من الأسلحة أو الدبابات أو الطائرات أو الرجال.. كنا نقاسى من انهيار نفسى عميق.. لم تكن الصدمة فى الطريقة التى بدأت بها الحرب فقط، ولكنها كانت فى حقيقة أن معظم تقديراتنا الأساسية ثبت خطؤها فقد كان الاحتمال فى أكتوبر ضئيلًا».

الاجتماع الأخير

تسرد رئيسة الوزراء خلال حرب أكتوبر فى مذكراتها عن الأيام السابقة للحرب، حيث كانت جولدا مائير خارج إسرائيل قبيل اشتعال الحرب بأيام وعادت من رحلتها يوم الثلاثاء 4 أكتوبر 1973 وفور عودتها، عقدت اجتماعًا مع «المطبخ السياسي»، وسُمى بذلك لأنها كانت تعقد الاجتماعات مع القيادات فى مطبخ منزلها، وكان هذا الاجتماع يضم مجموعة العناصر البارزة فى الوزارة والجيش لبحث الموقف. 

وخلال الاجتماع تم استعراض المعلومات التى كانت وصلتها فى شهر مايو أى قبل الحرب بخمسة أشهر، حول تعزيزات القوات المصرية والسورية على الحدود، كما استعرضت نتائج المعركة الجوية التى جرت بين سوريا وإسرائيل فى سبتمبر الشهر السابق للحرب ثم استعرضت، أخيرًا، تقارير المخابرات الإسرائيلية التى تؤكد عدم قدرة القوات المحتشدة على القيام بأى هجوم.

وقالت جولدا مائير فى اعترافاتها: «كان الرأى الذى التقى حوله الجميع أن الموقف العسكرى يتلخص فى أن إسرائيل لا تواجه خطر هجوم مصري-سورى، أما القوات المصرية المحتشدة فى الجنوب، فلا يتعدى دورها القيام بالمناورات المعتادة!» .

وتمضى مائير فى اعترافاتها: « ولم يجد أحد من المجتمعين ضرورة لاستدعاء احتياطى ولم يفكر أحد فى أن الحرب وشيكة الوقوع».

يوم الحرب

 فى يوم 5 أكتوبر، عقدت مائير اجتماعًا آخر لمطبخها السياسى لإعادة بحث الموقف وخلال الاجتماع، تمت الموافقة على تفويض مائير ووزير الدفاع سلطة استدعاء الاحتياطي، وإعلان التعبئة العامة، إذا تطلب الأمر ذلك.

 وتقول مائير فى اعترافاتها حول هذا الاجتماع: « كان من واجبى أن أستمع إلى «إنذار»  قلبي، وأستدعى الاحتياطي، وآمر بالتعبئة». 

ثم تصف مائير شعورها إزاء الخيبة  بقولها: «لم يكن منطقيًا أن آمر بالتعبئة مع وجود تقارير مخابراتنا العسكرية، وتقارير قادتنا العسكرية، التى لا تبررها لكني- فى نفس الوقت- أعلم تمامًا أنه كان واجبًا علىَّ أن أفعل ذلك وسوف أحيا بهذا الحلم المزعج بقية حياتى ولن أعود مرة أخرى نفس الإنسان الذى كنته قبل حرب يوم كيبور».

وفى الساعة الرابعة من صباح يوم السبت 6 أكتوبر، تلقت مائير-كما تقول فى اعترافاتها- معلومات بأن المصريين والسوريين سوف يشنون هجومًا مشتركًا فى وقت متأخر بعد ظهر نفس اليوم، وعلى الفور عقدت مائير اجتماعًا ثالثًا لمطبخها السياسى والذى جرى من خلاله من جديد استعراض الموقف.

 ولكن كما تقول  رئيسة وزراء إسرائيل «كان هذا اليوم الوحيد الذى خذلتنا فيه قدرتنا الأسطورية على التعبئة بسرعة»،  واجتمعت مائير عقب هذا الاجتماع بزعيم المعارضة «مناحم بيجين» وأعضاء الحكومة الإسرائيلية  للبحث فى تعبئة قوات الاحتياطي.

وفجأة وقبل أن ينتهى الاجتماع، فُتح باب قاعة الاجتماعات واندفع سكرتير مائير العسكرى نحوها ليبلغها بأن الهجوم قد بدأ وتقول مائير: «فى نفس اللحظة سمعنا صوت صفارات الإنذار فى تل أبيب وبدأت الحرب».

 وتقول مائير فى اعترافاتها: « ليت الأمر اقتصر على أننا لم نتلق إنذارات فى الوقت المناسب؛ بل إننا كنا نحارب فى جبهتين فى وقت واحد ونقاتل أعداء كانوا يعدون أنفسهم للهجوم علينا من سنين».