الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
فى الذكرى الـ 28 لرحيل سلطان الألحان بليغ حمدى ياحبيبتى يا مصر اللحن أقلق منام محسن محمد وانبهر به يوسف إدريس ورشحا شادية لغنائه "1"

فى الذكرى الـ 28 لرحيل سلطان الألحان بليغ حمدى ياحبيبتى يا مصر اللحن أقلق منام محسن محمد وانبهر به يوسف إدريس ورشحا شادية لغنائه "1"

أجمل ما فى الموسيقار خالد الذكْر بليغ حمدى- الذى تحل الذكرَى الـ 28 على رحيله- غدًا 12 سبتمبر، أنه بإجماع أئمة الفكر الغنائى وعلماء وحكماء الموسيقى ومؤلف هذا الكتاب الفاخر، أن نغماته غير متوقعة وخارج صندوق التوقعات والحسابات، وأنه المُجدد الثانى للموسيقى الشرقية بعد خالد الذكر الأول سيد درويش.



أمّا المؤلف فهو الكاتب الصحفى «أيمن الحكيم» أو الغوَّاص الماهر لمسافات قصيرة وطويلة وماراثونية فى بحور المبدعين. والكتاب يحمل اسم «بليغ حمدى سلطان الألحان» حياته.. تجلياته.. مأساته. ويرسم فيه بالوثائق الحقائق والمستندات التى حصل عليها من شقيقه د. مرسى سعد الدين وابن شقيقته المهندس أسامة فهمى وابن شقيقه هيثم حمدى، وشهادات من مقربين (كُتّاب مثل كامل الزهيرى، وإعلاميين مثل وجدى الحكيم، وشعراء مثل عبدالرحمن الأبنودى، ومطربين مثل محمد رشدى، وملحنين مثل كمال الطويل) الصورة الحقيقية والمقربة لهذا الموسيقار العبقرى والأسطورى أو سلطان الألحان.. السلطان الأول والأخير.

هذا الكتاب الذى يقع فى 450 صفحة والذى يختتم بنعى فريد من نوعه للموسيقار العملاق محمد الموجى رئيس جمعية المؤلفين والملحنين فى ذلك الوقت، وكتب فيه وأعضاء الجمعية «ننعى الموسيقار الكبير بليغ حمدى اللحن الذى توقف بعد كفاح أثرَى به الحياة الفنية وترك به بصمات على الموسيقى الشرقية بما أدخله عليها من تطوير».

الكتاب فى الحقيقة هو الأول حقًا وصدقًا فى المكتبة الموسيقية عن سلطان الألحان وتجربته المحفورة فى الوجدان العربى بأصوات عمالقة الغناء أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ووردة وشادية وصباح ومحمد رشدى، ومكتشف أصوات عملاقة مثل عفاف راضى وميادة الحناوى وسميرة سعيد، وثمرة جهد استمر نحو 28 عامًا هى العمر الصحفى لمؤلفه.

بليغ حمدى صاحب الـ 746 لحنًا حسب التقدير الدقيق لمؤلف الكتاب أيمن الحكيم.. ومن بين أكثر من 30 أغنية وطنية فى الكتالوج الموسيقى التى قدّمها ابنُ النيل بليغ حمدى فى توقيتات حساسة ودقيقة وتؤرّخ لحظات حاسمة فى عمر الوطن فى الفترة من أواخر عام 67 حتى عام 75 وحققت نجاحًا كبيرًا مثل «إنا فدائيون» لسيدة الغناء العربى أم كلثوم، و«البندقية اتكلمت» و«عدّى النهار» و«عاش اللى قال» لعبدالحليم حافظ، وحتى أغنية تيتر مسلسل (بوابة الحلوانى) بعنوان «يا مصر قومى افتحى بابك لولادك الطيبين» بصوت على الحجار عام 92، التى تحولت إلى أيقونة فى ثورة 30 يونيو فى ميادين مصر وتبشير كل المصريين بالخير القادم بعد القضاء على الإخوان الإرهابيين.

تحتل أغنية «ياحبيبتى يامصر» لشادية مكانة خاصة فى قلوب كل المصريين، واعتبرها المؤرخون أغنية عاطفية وطنية فى حب مصر يرددها الجميع فى كل اللحظات الجميلة فى عمر الوطن؛ سواء كانت انتصارات رياضية أو مناسبات قومية رُغم أن مولد الأغنية كان فى عام 1970 قبل 3 سنوات من نصر أكتوبر المَجيد.

وتقول كلماتها: يا بلادى يا أحلى البلاد يا بلادى.. فداكى أنا والولاد يا بلادى بلادى يا بلادى.. يا حبيبتى يا مصر يا مصر.. ما شافش الأمل فى عيون الولاد وصبايا البلد.. ولا شاف العمل سهران ف البلاد والعزم اتولد.. ولا شاف النيل ف أحضان الشجر.. ولا سمع مواويل ف ليالى القمر.. أصله معداش على مصر.. يا حبيبتى يا مصر يا مصر.. ما شافش الرجال السمر الشداد فوق كل المحن.. ولا شاف العناد ف عيون الولاد وتحدى الزمن.. ولا شاف إصرار ف عيون البشر.. بيقول أحرار ولازم ننتصر.. أصله معداش على مصر.. يا حبيبتى يا مصر يا مصر.

ولأغنية «يا حبيبتى يا مصر» تفاصيل خاصة وجميلة كشفها أيمن الحكيم فى كتاب «بليغ حمدى سلطان الألحان»، وترسم يوم ميلادها وبرواية اقتنصها من مؤلفها الشاعر الغنائى محمد حمزة، وهو أحد أبناء مؤسّسة «روزاليوسف» المبدعين وعمل منذ بدايته صحفيًا بمجلة «صباح الخير»، وكان رفيق مشوار عبد الحليم حافظ وكتب أروع أغنياته العاطفية.

حمزة قال للحكيم: كنا فى شقة بليغ حمدى أكتب الأغنية وبليغ يلحن والصخب عالٍ وشديد، فوجئنا بالكاتب الصحفى محسن محمد رئيس تحرير جريدة الجمهورية وجار بليغ فى حى الزمالك يطرق علينا الباب بعد منتصف الليل، وظننا أنه جاء يشكو الضوضاء وصوت المزيكا العالى التى قطعت نومه فإذا به يطلب من بليغ أن يعيد عليه اللحن الذى كان يعزفه ويغنيه منذ دقائق ووصل صداه سريره، وعزف بليغ وغنّى لحن «يا حبيبتى يا مصر» حتى ظهرت على ملامح الكاتب الكبير علامات الإعجاب، وإذا به بتلقائية ومن دون أن يسأله أحد: شادية أحسن صوت يؤدى هذه الأغنية، وكان بليغ لم يقرّر بَعد لمَن يعطى الأغنية، وبَعد دقائق جاء الكاتب يوسف إدريس وكان من أصدقاء بليغ المقربين فأسمَعه اللحن ثم سأله: تفتكر مين الصوت اللى ينفع للأغنية؟، فأجاب يوسف إدريس بلا تفكير: شادية، ولم يَعد لبليغ خيار آخر، فذهبت «يا حبيبتى يا مصر» لشادية بناءً على طلب المستمعين والتى حققت أكبر تريند لأغنية وطنية؛ بل نافست على حد قول أيمن الحكيم الأغانى العاطفية والشعبية، وعلى حد وصف عندليب الصحافة الكاتب محمود عوض الذى قال برواية «الحكيم» فى الكتاب: وهكذا أصبحت أغنية «يا حبيبتى يا مصر» على لسان الملايين فى لمح البصر، وبلغ من إلحاح الناس على طلب الأغنية من الإذاعة أن الكاتب الكبير والراحل فكرى أباظة قال مداعبًا فى حديث إذاعى وقتها أنه أصبح يسمع تلك الأغنية بالذات ألف مرّة فى اليوم، ليس فقط فى برنامج «ما يطلبه المستمعون»، ولكن فى الشارع والنادى والمقهى والتاكسى فى الصباح والمساء ومنتصف الليل.. وهنا يسأل المؤلف أيمن الحكيم: هل تفعل أغنية واحدة بالناس كل هذا؟! نعم.. من بليغ حمدى كل هذا وإذا تعلق الأمر بمصر.. «أكثر من هذا».

إنها الأغنية التى عبرت كل الأجيال وتجسّد معانى الحب والانتماء لهذا الوطن الغالى فى كل المناسبات السعيدة والقومية، رُغم أنها خرجت فى توقيت اللا سلم واللا حرب لتحميس المصريين وروح الإصرار لاسترداد الأرض من العدو الصهيونى ومضاعفة الوعى فى حب مصر هذا البلد.

المفارقة أن الأغنية الخالدة أبدعها فى شقة «أوضة وصالة» بشارع بهجت على بالزمالك، التى كان يسكن بها ليكون قريبًا من فيللا أم كلثوم وترك منزل الأسرة بشبرا الخيمة كما قال الحكيم فى كتابه، وفيها أطلق روائعه الشهيرة لسيدة الغناء أم كلثوم.. ونفس الشقة التى حوّلها بليغ إلى مكتب وغرفة عمليات ولادة أشهَر الأغنيات فى تاريخ الغناء العربى من أم كلثوم إلى عبدالحليم حافظ وشادية، ومن بينها أشهَر الأغنيات الوطنية التى عَبّر فيها بليغ حمدى عن حُبه وانتمائه للأرض الطيبة ووطن التاريخ والمبدعين.

لبليغ حمدى مواقف وطنية عظيمة تسجل حُبه وعشقه لمصر وإيمانه بالقومية العربية والقضية الفلسطينية وموقف كل المصريين الثابت والراسخ منها يؤكدها أيمن الحكيم فى كتابه برواية الشاعر الكبير شوقى حجاب أطال الله عمره وإبداعه، وقال أيمن:

حكى لى العم شوقى حجاب الشاعر والحَكّاء المبدع أن بليغ طرَق بابه ذات يوم وقد اعتاد أن يزوره بلا مقدمات فى شقته الشهيرة بشارع نجيب الريحانى بوسط البلد، والتى كانت قِبلة لمشاهير الفن والإبداع، وبدا يومها بليغ مشغولاً بالتفكير بأمر جلل ظنه عم شوقى لحنًا جديدًا، لكن بليغ أفصح عن سر خطير: أنا جاى لى فلوس من إسرائيل!

وحكى أن جمعية المؤلفين والملحنين فى باريس أخبرته أن الإذاعة الإسرائيلية أرسلت لها حقوق الأداء العلنى لما أذاعته من ألحانه، وكان الأمر ورطة حقيقية لأن التعامل مع إسرائيل وقتها- بأى شكل- كان بمثابة انتحار علنى، فلم يكن الوسط الثقافى والفنى يومها حتى منتصف السبعينيات يغفر لأى فنان أو مثقف أن يتعامل مع دولة العدو، وبالذات بليغ حمدى صاحب أجمل الألحان عن حرب أكتوبر وأعظم انتصار، كما أنه قبلها لحن لأم كلثوم «إنّا فدائيون» ولعبد الحليم «عَدّى النهار»، وهى من أجمل الألحان التى أعلنت التحدى والصمود بعد نكسة 67 فكيف يمكن أن يضحى بليغ بتاريخه الوطنى من أجل فلوس إسرائيل!!

وفوجئ الحاضرون ومن بينهم الفنان أحمد عبدالوارث ببليغ يعلن أنه سيقبل فلوس إسرائيل، وأثار قراره صدمة ودهشة الجميع، لكن الصدمة سرعان ما تحولت إلى مفاجأة سارة، فما فعله بليغ لم يخطر على بال أحد، فعندما تلقى من الجمعية المبلغ الذى أرسلته الإذاعة الإسرائيلية وكان يوزاى 15 ألف جنيه، وهو مبلغ ضخم بحسابات هذه الأيام، أجرى بليغ اتصالاً بالزعيم الفلسطينى ياسر عرفات وأعلن تبرُّعه بالمبلغ لصالح منظمة التحرير الفلسطينية، ويبدو أن ما فعله بليغ أثار غيظ إسرائيل فلم ترسل بعد ذلك أى حقوق أداء علنى لألحانه؛ لأنها عرفت أن فلوس إسرائيل ستمول منظمة التحرير الفلسطينية!