الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة.. بليغ حمدى: الإنسان يجب أن يتذوق الصعب!

آمال العمدة.. إحدى نجمات الإذاعة المصرية ومن روادها، قدمت العديد من البرامج الناجحة بـ«البرنامج العام»، حاورت أعلام الأدب والسياسة والفن وتركت كنوزًا من الحوارات التى لم تذع أو تنشر، حيث كانت الإذاعية الكبيرة تقوم بالتسجيل مع الضيوف مرتين؛ الأولى هى الحوار المذاع والثانية حوار خاص لأرشيفها الشخصى، وهو ما ننشره على صفحات مجلة «روزاليوسف» فى حلقات.



 

دانت له السيطرة على النغمات، فصنع منها معجزات صنعت أجيالًا من المطربين.. رسم بنغماته لوحات فنية خاطبت الأذن وتعدتها لتطرب القلوب والأفئدة.. موسيقاه كانت وردة.. صنعت وردة لا تزال تثرى الحياة الفنية بأنغام شعبية تكاد تنطق باسم مبدعها.. وهذا حوارى معه الذى أهديه لمجلة روزاليوسف..

 

 آمال: الحياة ثنائيات، وفى حدثية الدنيا النهار والليل، الأبيض والأسود، الورد والشوك، كيف يرى الموسيقار بليغ حمدى الورد؟

- بليغ حمدى: موسيقى، حب، فرح، حزن، أرى تعبيرات كثيرة فى الورد، فالورد حياة كاملة، ربيع فى ربيع، وموت فى خريف، إنما موت مع بداية ربيع، فكل هذا أساس لأشياء مهمة.. فالورد حكاية وحياة، وأنا أعشق الورد وأعشق شكله فى الزهريات رغم شعورى بأن هذا معناه موت بالنسبة له.

 آمال: والشوك.. كيف تراه فى دنيا الفن والإبداع؟

- بليغ حمدى: الشوك أو التعب أو الإرهاق كما أسميه فى الفن، يعطى نوعًا من المرض والعذاب فى طريق النجاح، فالإنسان يجب أن يتذوق الصعب لكى يصل لهدفه، والجرح يتحمل الشوك فى سبيل الوصول لعطاء يوصله للناس.

آمال: هل يمكن أن يوصلك لحن بديع إلى هدفك عبر طريق الشوك؟

- بليغ حمدى: لحن صادق، والبديع بتعبيرك أسميه أنا صادقًا لأن كلمة بديع تساوى صادقًا فى الموسيقى.

 آمال: هل الصدق شوك؟

- بليغ حمدى: الصدق شوك مؤلم جدًا، وأنا أصبت بشوك الصدق كثيرًا، لأن الصدق سمة أساسية فى أخلاقى، وركن مهم جدًا فى حياتى.

 آمال: هل هناك أشواك ندم مرت فى حياتك؟

- بليغ حمدى: هذا مؤكد، فأنا أعتقد أنه لا يوجد إنسان فى هذه الدنيا لا يجرب الندم، لكن الجميل أن يشعر الواحد منا أنه تعلم من هذا الندم شيئًا ما، وأنا أعتقد أننى مريت بأشياء جعلتنى أدرك أننى استفدت منها جدًا.

 وردة حياتى كانت وردة

 آمال: أكبر وردة مرت فى حياتك؟

- بليغ حمدى: لا شك أنها كانت وردة.. بصوتها وحلاوتها وشوكها ورائحتها الحلوة، ومع وردة عشت أجمل أيام حياتى، ودائمًا أعتبرها زهرة يانعة تزين حياتى مهما مر علىّ الزمن.

 آمال: ألم تتمكن من كسر الشوك وتبقى على وردة فقط فى حياتكما؟

- بليغ حمدى: كان هذا صعبًا للغاية، طبعًا جاهدت وبذلت كل ما أستطيع من جهد، لكن فى كثير من الأحيان تفرض الدنيا علينا تصرفًا أو حدثًا يكون بعيدًا عن حبنا، لكن بالفعل حاولت ولم أتمكن من إزالة الشوك من حياتنا، وما زالت وردة قلبًا ينبض فى حياتى.

 القلق شوكة فى حلقى

 آمال: كل إنسان هناك شوكة فى حلقه.. مستقرة وغائرة فى الأعماق، فما هى الشوكة التى تؤلم حلق بليغ حمدى؟

- بليغ حمدى: القلق الذى يجعلنى دائمًا أشعر بأننى لم أفعل شيئًا, فدائمًا بعد أن أنتهى من عمل ما، أشعر بأننى لا أتمكن من سماعه وأن هناك شيئًا ناقصًا كان لا بد أن يُفعل فيه دون أن أدرى ما هو هذا الشىء.

ودائمًا أشعر بأن هناك شوكة فى حلقى اسمها الخوف والقلق والعصبية، وإحساسى دائم بالتقصير، فأجد نفسى فى حالة صفر دائم يجعلنى أبدأ دائمًا من جديد.

 آمال: كل وردة ينزل عليها الندى.. بشكل يشبه الدمع.. فما هى الدمعة التى لم يفصح بليغ حمدى عنها؟

- بليغ حمدى: فراقى لأمى، فكانت دمعة غالية جدًا لم يرها أحد لأنى لم أبك أى شخص، بل بكيتها وحيدًا.

 آمال: أيهما أكثر حضورًا فى حياتك، الأمل أم الندم؟

- بليغ حمدى: بكرة أحلى من اللى فات، والموسيقى أكبر من الأشياء الصغيرة كلها، وبلا شك فالأمل عندى أكبر من الندم، ولهذا فإننى لا أتوقف فى حياتى كثيرًا عند هذه الأشواك وأحاول أن أبدلها دائمًا وردًا، فهى تمثل الأمل فى المستقبل، لا العقدة من الماضى.

 آمال: ماذا عن الشوك فى عاطفة الحب؟

- بليغ حمدى: الذاتية المتناهية أى الإحساس بالذات، فكثيرًا ما يشعر المحب بالأنا وشوك الأنا رهيب فى الحب وفى الإنسانية كلها، وهى تقترب كثيرًا من الأنانية، فالمحب دائمًا أنانى فى حبه ويريد امتلاك من يحب.

 آمال: وماذا عن أشواك الزواج؟

- بليغ حمدى: نفس الشوكة.. الأنا فهى صعبة جدًا، وأنا أرى أن أى نوع من التزاوج حتى لو كان بين الإنسان والموسيقى يستدعى تقديم تنازلات، وأنا لا أسميها تنازلات فأنا مثلًا أهب نفسى للموسيقى، طبعًا أهب نفسى لها بحب، ولكن إذا لم يكن هذا الحب موجودًا ليجعلنى أمنح الموسيقى كل وقتى، وأتنازل عن الكثير مما يتمتع به غيرى، وهذا الحب يجعلنى أمنح وأمنح، أما إذا دخله الأنا فمن المؤكد أن عواقبه ستكون سلبية جدًا.

 أمى كانت نبات الظل فى حياتى

 آمال: هناك من يعطى بكثرة ويبذل ويتنازل ويصبح كنبات الظل يتوارى فى سبيل شىء أكبر، فمن هو نبات الظل فى حياة بليغ حمدى؟

- بليغ حمدى: أمى كانت هى نبات الظل فى حياتى، فلقد أعطتنى كثيرًا، ورغم ذلك لا يعرف بهذا العطاء إلا أنا، فأنا الوحيد الذى يعرف كم أعطتنى أمى، ومهما فعلت أشعر دائمًا بالحزن لأننى لم أتمكن من إعطائها واحدًا من المليون مما أعدته هى لى.

 آمال: إذن فأنت تشعر بأنك مدان لظل أمك طوال حياتك…

- بليغ حمدى: هذا مؤكد.. وذلك حتى لقاء.. أتمنى أن يكون قريبًا.

 آمال: هل فى المال شوك؟

- بليغ حمدى: أنا أرى فيه شوكًا، فالمال إذا استطاع أن يستعبد نفسًا فهو شوك فظيع، أما إذا استطاعت النفس أن تستعبد هذا المال، فيكون كالشوك الذى يمكن أن نطأه بأقدامنا لكى نعبره.

 آمال: هل فوق الشوك مشَّاك زمانك؟

- بليغ حمدى: مشيت فوق الشوك كثيرًا جدًا، لكنى أعتقد أننى فى النهاية كسبت نفسى وخسرت المال، وهذا يعد فوزًا فى المعركة فالمال لم يستعبدنى، لم ينجح فى ذلك ولم أسمح له بذلك، ولهذا فقد خرجت من المعركة رابحًا.

 آمال: هل وطأت بقدمك على الشوك بحنان لعبوره أم بقوة لتكسره؟

- بليغ حمدى: بالنسبة للمال فقد كسرت الشوك، وتعمدت أن أدوسه بقوة، لكن فى الكثير من الأشياء والأحداث الأخرى دست عليه بحنان لكى أعبره فقط، وهذا لأنى كنت عنيفًا جدًا فى التصدى لاستعباد المال لذاتى.

 النجاح صحبة شوك يتخللها ورد

 آمال: النجاح صحبة ورد، فهل يتخللها شوك؟

- بليغ حمدى: أنا أرى النجاح صحبة شوك يتخللها ورد وليس صحبة ورد يتخللها شوك، لأن النجاح ضريبته فادحة، فالإنسان الناجح أى شىء فى حياته يخرج من الخصوصية ويتحول إلى عام فيسبب له هذا الكثير من المشاكل فى حياته.

 آمال: ألم يصادفك نبات لبلابى متسلق فى شكل إنسان؟

- بليغ حمدى: هذا النموذج قابلته كثيرًا مع الأسف، فالأنبياء أنفسهم لم ينجوا من النباتات المتسلقة.

 آمال: وردة قابلتك تخفى شوكها المقنع…

- بليغ حمدى: أكثر من مرة فى حياتى، لكن دائمًا رؤية جمال الورد تعمى العينين عن ؤرية الشوك.

 آمال: هل حبيبك يبلع لك الزلط؟

- بليغ حمدى: هذا لو أحبنى من الأصل.

 آمال: هل علشان الشوك اللى فى الورد تحب الورد؟

- بليغ حمدى: أيضًا لو أحبنى وأحببته.

هناك أناس يحبون العذاب.

 آمال: هناك الكثير من الناس يعشقون الألعاب العنيفة والمميتة فى بعض الأحيان.. فما وجه الجمال فيها؟

- بليغ حمدى: هناك أناس ساديون يحبون العذاب، ولكنى أرى هذا نوعًا من السادية التى يمارسها الإنسان فى حياته كما كان يفعل الرومان حينما كانوا يجعلون الأسد يصارع الإنسان لكى يروا الإنسان وهو يجرح ويتألم ويموت حتى لو قتل الأسد.

 آمال: هل قابلت أسودًا لها أنياب فى حياتك؟

- بليغ حمدى: قابلتها كثيرًا جدًا، وهذه الأسود لا تظهر إلا فى الظروف الصعبة ويصبح الأمر كما لو أن قوافل من الحيوانات المفترسة تهجم على شخص حينما تشعر بضعف الإنسان الذى تواجهه أو تتصور فيه انعدام المقاومة. وهذه النوعية من الأسود مرت بى، لكنها فوجئت بأن المقاومة بداخلى قوية جدًا.

 آمال: إذن ففى داخلك أشواك تظهر فى وقتها وحينها؟

- بليغ حمدى: تظهر فى حالة دفاعى عن نفسى، وردعى كيد الأعداء لكنها لا تظهر أبدًا لإيذاء أحدٍ أو الاعتداء على أحدٍ.

 آمال: من أشواك الفشل.. هل تخرج بوردة؟

- بليغ حمدى: هذا شىء مؤكد، فالفشل قضية، ولا أتصور أن هناك إنسانًا فى الحياة لم يصادف الفشل لأنه إذا لم يصادف الفشل فمن المؤكد أنه لم يصادف الحياة أيضًا لأن النجاح هو قرين الفشل.

 آمال: هل قابلت فى حياتك إنسانًا غبيًا خرجت منه بوردة؟

- بليغ حمدى: بل خرجت منه بكارثة، فأنا أحب التعامل دائمًا مع الأذكياء حتى لو سرقونى أو خدعونى، لكن الغبى يسبب كوارث لمن يتعامل معهم ويصبح كالدب الذى قتل صاحبه، ولهذا فأنا لا أحب التعامل مع الأغبياء وأبتعد عنهم.

 آمال: فى حياتك بشر فى شكل ورد؟

- بليغ حمدى: سواء كانوا فى شكل ورد أو شوك فالمعنى واحد لأن الذى على شكل الورد هو أصلًا شوك داخلى، ومن المؤكد أنه لن يظهر فى شكل شوك بل يتنكر فى شكل ورد وتكون طبيعته شوكًا.

 آمال: هل ترى عينيك الشوك داخل الورد.. يحدسك.. بفراستك.. بتجاربك؟

- بليغ حمدى: ليس دائمًا، لأنى دائمًا أعتبر الإنسان صالحًا إلى أن يثبت العكس رغم التجارب الكثيرة التى مريت بها، فكل من أقابلهم أناس طيبون حتى تثبت الأيام عكس ذلك.

 آمال: هل قابلت بشرًا لهم طعم الصبار؟

- بليغ حمدى: مرارتهم صعبة جدًا، ودائمًا يفاجأ الإنسان حينما ياقبلهم بمرارة شديدة، فيشعر كأنما يشرب شرابًا مرًا، وطبعًا قابلت هذه النوعية كثيرًا، ولكن مع الأسف حتى الآن قد أضر بالشرب من مرارتهم أيضًا.

 آمال: وردة تفتح عيونك عليها كل صباح لكى تنسى أشواك يوم ماضى بعيد أو قريب؟

- بليغ حمدى: صورة أمى بجوار سريرى، دائمًا أقول لها فى الصباح.. صباح الخير يا أمى.. وحشتينى.. وأقبلها.

 أهدى وردة للبشر الذين فقدوا الإحساس بالجمال

 آمال: وردة تنزع أشواكها.. إلى من تهديها؟

- بليغ حمدى: أهديها للبشر الذين فقدوا الإحساس بالجمال وأقول لهم إن الجمال لا يزال موجودًا.

 آمال: شوكة تغرسها.. رغم وداعتك.. فى عين وقلب مّن؟

- بليغ حمدى: كل شخص لا يحب مصر.

 آمال: صداقة نسيت أن ترويها منذ زمن؟

- بليغ حمدى: لى أكثر من صديق، أفتقدهم جدًا، وأتمنى أن أسقى قريبًا ورد الحب والصداقة الذى يجمعنا.

 

أضحك حين يحاول أحدهم خداعى

 

 آمال: الضحكة الجميلة الصافية من القلب أشبه بوردة.. ما الموقف الذى تضحك حينما تستعيده؟

 

- بليغ حمدى: أضحك حينما أتصور أحد البشر وهو يحاول خداعى أو سرقتى وهو يتخيل أنى لا أراه، وأشاهده من بعيد وهو يتصور أنه يخدعنى وأنتظره لأنه فى النهاية يدرك فشله فى خداعى.

آمال: ماذا عن شجرة الكافور الراسخة التى تضرب جذورها فى عمق حياتك؟

- بليغ حمدى: الموسيقى وأمى وأنا.

 الفنون أصبحت مهنة مَن لا مهنة له

 آمال: من الذى تشهر شوكة فى وجهه؟

- بليغ حمدى: فى وجه كل من يعمل فى مجال لا يفهم فيه شيئًا، والحقيقة أن هذا النوع كثير جدًا خصوصًا فى الفن، وكأن الفنون قد أصبحت مهنة مَن لا مهنة لهم، ولا بد من أن أشهر شوكة فى وجه هؤلاء.

وأشهرها أيضًا فى وجه الدخلاء على الفن الذين احترفوا الأمر على أنه شىء سهل المكسب، وهم يظنون أنهم يمكن أن يؤدوا فيها دورًا يكفى ليكونوا موسيقيين جيدين. والإبداع والغناء فى حد ذاتهما كارثة تحتاج لأناس معيَّنين، وهؤلاء الدخلاء يهبطون بالفن ولا يرتفعون به، مصر بجلالة قدرها تحتاج إلى فنانين بحق لا مدعى فن.