الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

نسرين أسامة أنور عكاشة لـ«روزاليوسف»: والدى أعطى قيمة لـ«الكاتب» ومهنته

استغرق هذا الحوار وقتًا فى تحضيره.. تنفيذه.. كتابته.. لأنه لم يكُن حوارًا عاديًا.. هو حوار مع ابنة أحد أهم شيوخ كُتاب الدراما التليفزيونية المصرية.. أحد أهم «آلهة الكتابة» عند المصريين الجدد.



هو حوار للتاريخ.. لهذا كان يستدعى منا الاهتمام بجميع تفاصيله.. بل وفرد أى مساحة يتطلبها.. سواء الحوار أو المواد الخاصة بيد الأستاذ والتى ننفرد بنشرها لأول مرة.. منها:

 

 

 

- معالجة مسلسل «الحب سؤال إجبارى» بخط يده.. والذى كان من المفترض أن يكون ثانى أعمال «أسامة أنور عكاشة» مع سيدة الشاشة العربية «فاتن حمامة» والمخرجة الكبيرة «إنعام محمد على» بعد مسلسلهم «ضمير أبلة حكمت».. ولكن لم يتم تنفيذه.

- معالجة مسلسل «الطريق 2000» بخط يده، والذى لم يتم تنفيذه.. آخر أعمال «أسامة أنور عكاشة» فى حياته بعد إحباطه ويأسه من عرض مسلسله الأخير «المصراوية» بجزءيه الأول والثانى.

- غلاف سيناريو فيلم «عادل يذهب إلى البحر» - أو «فى عين شمس» - والذى لم يتم تنفيذه.

- غلاف سيناريو فيلم «قلب الفيل»، والذى لم يتم تنفيذه.. وكان من المفترض أن يكون من إخراج ابنه المخرج الراحل «هشام عكاشة» رحمه الله.

 - غلاف فيلم «الاسكندرانى» وأول صفحة من الفيلم.. الفيلم الذى لم يتم تنفيذه، وهو أكثر الأعمال التى سعى «أسامة أنور عكاشة» حتى تتحقق لأن الفيلم كان الأقرب لقلبه، ومن ثم قرر بعدها تحويله لمسلسل، لكن المشروع لم يرَ النور للأسف حتى الآن.

- مقالان عن النص الدرامى التليفزيونى والوسط الثقافى والمسرحى بخط يده.

- معالجة مسلسل «ليالى الحلمية» بشكل آخر بعنوان «ليالى القلق» بخط يده.

- صفحة من سيناريو فيلم «الباب الأخضر»، والذى تم شراء حقوقه مؤخرًا لتصويره حاليًا من خلال المخرج «رؤوف عبدالعزيز».

- معالجة مسلسل «الراية الثانية».. ويُقال أنه كان الجزء الثانى من مسلسل «الراية البيضاء» الشهير، لكن هذا غير صحيح، وكان هنالك بالفعل جزء ثان من مسلسل «الراية البيضاء» – لكن اسمه غير معلوم – لكنه لم يُنفذ كحال مشروع «الراية الثانية» لم يُنفذ أيضًا.. و«الراية الثانية» كان من المفترض أن يكون من إخراج «محمد النجار».

كنا حريصين أن يصل الحوار بـ «مُشتملاته» جميعها إلى القراء دون أن تشوبه شائبة.. بالضبط كما كان يفعل «أسامة أنور عكاشة» – رحمه الله – حين يقدم لنا أعماله على الشاشة الصغيرة.

من خلال الكلمات تُنسج الحكايات.. لهذا تعمدنا ألا تكون هنالك أسئلة مكتوبة.. فقط كانت النقاشات والمُقتطفات وغيرها، قيلت لابنته الإذاعية «نسرين أسامة أنور عكاشة».. وعند تفريغه أحببنا أن نترك الحواديت – الخاصة والعامة – عن كاتبنا الكبير والعظيم تتغلغل فى وجدان وعقول قُرائنا دون حاجز أو حتى أسئلة، تعوق تدفق السرد والحكى عنه من خلال ابنته.

فقط نتوقف أمام محطات شهيرة – وأخرى العكس – لنثبت أن الاحتفاء بـ «الأستاذ أسامة» ليس له وقت – سواء ذكرى ميلاد أو وفاة – بل إن الاحتفاء به وبقيمة الكتابة والكُتاب لا بُد أن تكون دائمًا وأبدًا فى كل وقتٍ وحين.. كما كان يدعو دائمًا.

فى السطور التالية ننصت معكم إلى «الحكاية» التى أخلص لها عكاشة طوال عمره.. حتى أصبح هو نفسه «حكاية» مهمة ومؤثرة فى تاريخ الدراما، هنا تتجاور حكايات الابنة عن والدها لنرى صورة أقرب لـ «صانع وجدان المصريين» خلال النصف قرن الأخير.

 الكتابة

أكثر ما أتذكره - وأثر فى أبى بشدة – حين نتحدث عن كتابة الحكايات، كانت جلساته مع والده التاجر.. كان يجلس مع والده – بعد وفاة والدته – فى عمله وسط باقى التُجار وعائلاتهم.. كان شعور «اليُتم» هو المسيطر عليه فى تلك الفترة.. إلا أنه – مثلما حكى لى – كان لديه الشغف للبحث فى الشخصيات التى أمامه وحكاياتهم وتواريخهم، فكان يريد أن يعرفهم بالتفاصيل المملة، وكأنه كان يريد «الفُرجة» على الناس ودواخلهم، وكان يرى بأن تلك الشخصيات تنطق بما فيها رغم أنها قد لا تحكى له شيئًا على الإطلاق !.

كانت هنالك «حدوتة اتحكت لى» لا أتذكرها.. عن «بابا» وهو صغير.. وكيف أن هذه الحكاية التى عاشها أثرت فيه بشدة، فدفعت ذهنه لأن يحتفظ بالحكايات الواقعية المُحيطة به.. جعلت من والدى وهو صغير فى حالة عُزلة وصمت.. فقط يراقب الأشياء والبشر.. يضع كل ما يراه فى مخزن عقله ليُخرجها فيما بعد فى حكايات على الورق ثم على الشاشة.. كنت حين أسمع إلى ما بين السطور فى كتاباته أتذكر أن لهذا العمل ذكرى أو رواية ما حُكِيت لى فى مرة من المرات.

شخصيات مسلسل «ليالى الحلمية» – وبالتحديد شخصية «سليمان غانم» التى أداها الفنان القدير «صلاح السعدنى» – خرجت من رحم ذلك الوسط وتلك الفترة.. وأتذكر أننى بعدما شاهدت «ليالى الحلمية» أن «بابا» قد حكى لى – وأنا طفلة – عن شخصية تاجر بنفس تلك المواصفات.. كان ذلك التاجر قد أثر فى والدى بشدة، فكان يمتلك ملامح مصرية قحة.. خفة الدم والعفوية.. دائم الصراع والمنافسة.. يريد تحقيق ذاته.. لديه المال دون الجاه.. وله مفرداته المتكررة فى حديثه.. كان لديه ذلك الحنين الدائم للعودة إلى الريف والطبيعة رغم رحلاته للمدينة.. كنت أتذكر كل تلك المواصفات وأنا فى عمر أكبر.. واستوعبت أن ربما هذا التاجر هو «سليمان غانم» بشكلٍ أو بآخر.

 التليفزيون

أتذكر دائمًا والدى وهو يحكى لى عن أنه حين كان يذهب لعالم الأدب والأدباء، ويتحدث مع الأشخاص الذين ساعدوه فى بداية مشواره، فيكتشف – فى كل مرة – أن عدد كُتاب الرواية أكثر من عدد قرائها.. كان هذا تصريحًا عادةً ما كان يقوله أيضًا لوسائل الإعلام.. كان يرى بأن عالم التليفزيون واسع جدًا.. هذا العالم عوضه عن عالم الرواية المقروءة.. كان عالم الأدب لم يكُن له صدى عكس عالم الكتابة للدراما التليفزيونية لأن الأخيرة ببساطة «بتتشاف».

كنت حين أتابع مقالاته الصحفية فى فترةٍ من الفترات كنت أجد أن الجمهور يستقبل رسائله بشكلٍ أكبر من خلال التليفزيون.. هذا ما أغراه ليستمر فيه.. كان والدى يؤمن بالتليفزيون.. يرى بأنه يكاد يكون أحد مُبتكريه.. كانت الدراما التليفزيونية بمثابة الابن له.. وكان يريد دائمًا أن يُكبره ويُنميه.. كنا حين نسأله: «لماذا تهاجم ما يحدث فى التليفزيون؟.. لماذا أنت حاد فى مقالاتك بشأنه؟».. كان يرد: «أتعامل مع التليفزيون وكأنه ابن من أبنائى.. لدى مبادئ وقناعات من خلالها أُريد أن أصل بابنى لبر السلامة والأمان.. ماينفعش أرمى ابنى كده فى البحر.. لا بُد أن أنتبه لما يُدمره داخليًا وخارجيًا والله أعلم ليه؟!.. ماقدرش أسيبه وأسكت لحد آخر لحظة فى عمرى».

 الأدب

كان أبى يتوقف أمام نفسه فى كل مرة «وقفة» جادة.. كانت تلك حالة مُتكررة بالنسبة له بين كتابة كل مسلسل وآخر.. كان دائمًا يقول فى تلك الفترة: «أريد أن أعود للأدب».. كان لا يريد أن ينسى أنه «أديب».. لهذا كان يكتب «خواطره» طوال الوقت.. كان ما يكتبه يُشبه نوعًا ما فكرة الأدب المقروء.. كان فى فترة يُقرر بأنه سيتوقف عن كتابة المسلسلات التليفزيونية.. «يعمل Hold».. ويعود لعالم الرواية.. لكن لشدة ارتباطاته «ماكنش ملاحق».. كان يجلس بالشهور ليكتب مسلسلًا.. وحين ينتابه ذلك الحنين المتكرر للأدب.. كان يقول له وكأنه يحدثه: «لا أستطيع أن أعود إليك وأنا مشغول بالدراما التليفزيونية».

حاول أن يعود للأدب لكن فى وقتٍ متأخر.. أتذكر مقدمة إحدى أقرب رواياته لقلبه «سوناتا تشرين».. كان قد كتب مقدمة قال – فيما معناه – أنه يعتذر لجمهور القُراء، ويقدم لهم الرواية كنوع من التكفير عن ذنب تأخره عنهم عكس جمهور الشاشة الصغيرة.. قال لى كلمات كثيرة تعبر عن كيف أن هذا الهاجس كان مسيطرًا عليه طوال الوقت حتى وفاته. 

 الإسكندرية

لم يستطِع أبى أن يضع وصفًا محددًا لعلاقته بتلك المدينة.. أتذكر أنه قال لى فى مرة: «الإسكندرية زرتها فى مُقتبل العمر لأول مرة، وكان عندى وقتها 20 سنة.. حين نظرت لبحر  الإسكندرية وجدته واسعًا جدًا.. جلست أمامه..

سرحت.. شعرت بأنى سأغرق فيه.. حصل التعلق بالبحر من أول نظرة.. الإسكندرية بالنسبة لى العروس..

ملامحها وبحرها غير موجودين فى أى مكان بالعالم.. تعلقى بها وببحرها لا أعرف له سببًا».   

كان «بابا» فى نفس الوقت لا يحب أن يضع مُسمى لتلك العلاقة.. كان يتشاجر معنا منذ كنا أطفالًا عن السبب الذى يجعلنا لا نذهب معه للعيش فى «الإسكندرية» دائمًا؟!.. تلك المناقشات قد «تقلب» عادةً لـ «خناقات».. وكنا نسأله: «لماذا تُجبرنا على حبها ؟!».. كان يرد: «ازاى تبقوا أولادى وماتبقوش مقدرين الحياة فى الإسكندرية؟!..  الإسكندرية حياة ثانية.. كفاية إنك تصحى تشم رائحة اليود.. هذه الرائحة تفتح نِفسك على الحياة.. عكس القاهرة وزحامها.. القاهرة التى لا تجعلك تعرف كيف تستمتع بحياتك أو حتى تتأملها.. هنالك سر ما يربط بينك وبين  الإسكندرية لا تدركه».

استمرت تلك المجادلات حتى آخر سنوات حياته.. وقبل أن يرحل كان يقول لنا معاتبًا: «بكرة تعرفوا إنه كان عندى حق». 

  النساء فى الدراما

كان والدى يحكى لى كثيرًا عن إدراكه لأهمية «السِت» منذ وقت وفاة والدته.. كانت تلك نقطة تحول فى حياته – كما سبق أن أشرت – وكان من ضمنها زواج والده بامرأة أخرى بعدها منذ كان عمره 6 سنوات.. كنت أشعر بأن «بابا» دائم البحث عن والدته التى ذهبت للسماء منذ كان صغيرًا.. حتى فى تعاملاته معنا، سواء والدتى أو نحن بناته.. كان يبحث طوال الوقت على الحنان، الاحتواء، و«الدلع».. كان ينظر إلينا – نحن الفتيات ووالدتى - بأننا العامل الأساسى الذى يُعطيه الحياة.. كان يبحث فينا عن «الرومانسية الحالمة»، بجانب لحظات الود والصفاء.

وفى الوقت نفسه كان هنالك ذلك الخط الموازى لنموذج المرأة القوية لديه «اللى بتعرف تربى أولاد حتى لو مش أولادها».. وهو ما حدث لديه شخصيًا من خلال «زوجة أبيه».. و«أنيسة» – التى لعبت دورها الفنانة الكبيرة الراحلة «محسنة توفيق» – فى مسلسل «ليالى الحلمية» هى «زوجة الأب» التى ربته.. لم يكُن يشير للشخصيات فى حياته بشكلٍ مباشر.. لم يقُل: «أنيسة هى زوجة أبى».. لكنه عادةً يحب أن يشير إلى النموذج.. إلى الأم التى تبنى وتُقوى وتغير بإيجابية.. حتى لو كانت «زوجة الأب».

 الزوجة

كان مقتنعًا بأن المرأة تعوق المبدع!.. أمى – زوجته – لها الجنة برأيى، فهى لم تشكُ مُطلقًا من طريقة إدارته لشئوننا، فهو عادةً يكون بـ«الإسكندرية» ليكتب، ونحن هنا معها فى القاهرة.. أعتقد بأن هذا كان نابعًا من رأيه أن المرأة هى القوية التى تبنى البيت فى النهاية.. كان يقول لأمى: «حظك وقعك فى راجل صعب زيى».

الغريب أنه كان يرى بأنه تزوج مبكرًا!.. وكان عادةً يمازحنا بقوله: «هو أنا اتجوزت بدرى ليه كده ؟!».. ونظرًا لغيابه الطويل عن المنزل، أتذكر - وأنا صغيرة - كنا نذهب لأمى لنسألها: «هو بابا فين ؟».. لكن وللحق فإن أبى حين يعود للمنزل كان يعوضنا غيابه فى كل مرة.. كان يعود بكل عطاء الأب الغائب.. وفى النهاية كان يترك أمى «تشيل» المسئولية.

كنت أرى أمى هى التى عانت منذ البداية.. كانت «حمالة أسيَّة».. خاصةً مع تنقلات والدى الكثيرة – قبل شهرته – من عملٍ لآخر.. ومن ظروفٍ لأخرى.. خاصةً مع جنون الفنان الذى كان بداخله.. وبعدها جنون الشهرة.. وتحول «بابا» لأن يكون هو نفسه ابن من أبناء أمى.. كانت أمى تراه أبًا وزوجًا «حنينًا».. وكان «حظ بابا» أن القدر أوقعه فى زوجة لديها درجة لا نهائية من القناعة. 

فى آخر سنة من حياته قال لأمى: «سامحينى.. أنا تعبتك معايا كثير وظلمتك».. ثم كان يقول لنا: «أمكم فى الآخر هى اللى شالت». 

 الدراما السورية

ما لا يعرفه الكثيرون بأن «بابا» كان لديه الشغف للاشتراك مع الجانب السورى فى الدراما التليفزيونية الخاصة بهم.. كان يود أن يشترك معهم فى أعمالهم.. كان يرى بأن هذا سيساعد على رفعة الدراما التليفزيونية المصرية بالضرورة.. كنت أنظر لوالدى بأن المسألة بالنسبة له ليس مجرد صنع مسلسل، بل هى فى الحقيقة رسالة.. كان يريد أن «يزق» من يعملون لدينا فى التليفزيون المصرى «عشان يفوقوا ويشوفوا السوريين بيعملوا إيه».. كان هذا من ضمن حربه على ما كان لا يعجبه فى التليفزيون المصرى.. كما أنه كان يرى بأن الدراما التليفزيونية ليس لها وطن.

كنت أتساءل: «لماذا رغم تقدير والدى للمخرجين السوريين لم يرشح أحدًا منهم للعمل فى مصر ؟».. أعتقد من استنتاجاتى بأن والدى كان لا يحب أن يفرض مخرجًا معينًا فى أعماله، بجانب أنه كان مرتبطًا بشكل إنسانى ببعض المخرجين المصريين.

 الكوميديا والدراما الغنائية

لم يكرر «بابا» كثيرًا بالفعل مسألة كتابة المسلسلات الكوميدية كمسلسل «وأدرك شهريار الصباح»، ورغم إعجابه بالدراما الغنائية، فلم يكررها كثيرًا أيضًا سوى فى مسلسلى «وقال البحر» و«أنا وأنت وبابا فى المشمش»، والمسلسلان من إخراج المخرج الكبير «محمد فاضل».

كان ما يشده جدًا فكرة «المغامرة» فى الكتابة.. كان يرى بأن الكاتب لا يجب عليه أن يلتزم بتقديم نوع معين من الدراما.. فلا بُد أن يخرج كل فترة من تلك العباءة لكتابة أعمال جديدة عليه، ويُغامر بها فى السوق.. كان عادةً ما يقول: «مهما خرجت لى ملعبى ورسالتى الأساسية».

كانت فكرة الثبات لديه تتلخص فى الدراما الاجتماعية التقليدية، إلا أنه فى «أنا وأنت وبابا فى المشمش» مثلًا كان يريد عرض رسالة جديدة عن الفساد.. كان جزء من تلك الرسالة قد تم من خلال التلاقى الفكرى بينه وبين «محمد فاضل».. ونشأ بينهما اختراع – وكان يسميه «سخرية» – وهو ذلك المسلسل.. كانا يريدان خلق شكل جديد للدراما.. وكان ما يهم والدى هو: «ماذا أفعل لكى أحرك الدراما إلى الأمام؟».. ولهذا السبب أيضًا كتب مسلسل «لما الثعلب فات».. كان دائمًا يقول: «لازم أقدم جديد كل فترة». 

 الاقتباس

أيضًا والدى لم يكرر كثيرًا مسألة الاقتباس عن أعمال أدبية وتحويلها لشاشة التليفزيون، فتجربة مسلسل «الرجل الذى فقد ذاكرته مرتين» عن قصة للأديب العالمى الراحل «نجيب محفوظ» التى لم تنجح كثيرًا ربما جعلته يتردد فى إعادة مثل تلك التجربة.. وبالمناسبة هذا المسلسل تزوج بسببه بعدها بطلا العمل النجمان الكبيران الراحلان «أحمد زكى» و«هالة فؤاد».

كان لا يتحدث عن مسألة «الاقتباس» وعدم تكرارها بشكلٍ مباشر.. كان مقتنعًا بأن لا بُد أن تكون فى أعماله فلسفة وعمق ما.. كان متأثرًا بالأدب العالمى، إلا أنه حين يفكر فى تقديمه كانت تغلب عليه الطبيعة المصرية الخالصة.. كانت بداياته فى التليفزيون هى الأقرب لقلبه، خاصةً أن أعماله وقتها كانت لديها فلسفة وعمق – كما ذكرت – إلا أنه وجد أن الجمهور لم يكُن متحمسًا لها، فأعاد التفكير، وقرر أن يُقدم أشكالًا أقرب إليهم.

كان يقول لنا: «نفسى أعمل مسلسلات زى (وقال البحر) مع المخرج محمد فاضل، و(المشربية) مع المخرج سامى محمد على، و(عابر سبيل) مع المخرج فخر الدين صلاح، خاصةً أن الأخير هو المخرج الأقرب لقلبى، وللأسف توفى مُبكرًا .. نفسى أعمل مسلسلات زى دى 100 ألف مرة.. لكنى مضطر أعلى فى العقول حتى تصبح ناضجة، وحتى يثبت لى الجمهور فى مرحلة أنهم قادرون على استقبال الرواية الدرامية». 

التعاون مع المخرجين: إسماعيل عبدالحافظ ومحمد فاضل ومحمد النجار

كنت أشعر بأن والدى كان ارتباطه الإنسانى الكبير بهم جعله لا بُد أن يتعامل معهم.. كانوا مرتبطين بشدة ببعضهم البعض، بل ووصل الأمر إلى درجة القرب العائلى أيضًا.. كان من الممكن أن «يزعل حد فيهم من الثانى» لأنه مرتبط بعمل بعيدًا عن الآخر !.

أتذكر أن أبى غضب من المخرج الكبير الراحل «إسماعيل عبدالحافظ» حين ذهب ليصنع مسلسل «الأصدقاء»، فكان رد والدى أن ذهب للمخرج «جمال عبدالحميد» ليصنعا معًا مسلسل «زيزينيا»، وهو ما أغضب «إسماعيل عبدالحافظ» بشدة، فكان يتوقع أن يكون هذا المسلسل من إخراجه.

كان أكثر المخرجين الذين يختلف معهم أبى هو «محمد فاضل»، وكان والدى يتعمد ألا يحكى عن تلك الخلافات، لكنهما فى النهاية يصلان معًا لعمل مُميز. 

بعد أن تعاون أبى مع المخرج الكبير الراحل «محمد النجار» فى فيلم «الهجامة» عام 1992، لم يتضايق من تلك التجربة عكس ما أشيع عنه.. كانت الإشاعة تفيد بأن تجارب أفلامه الأخرى كفيلمى «دماء على الأسفلت» و«كتيبة الإعدام» – والفيلمان للمخرج الكبير الراحل «عاطف الطيب» - كانا فقط الأقرب لقلبه عكس باقى أفلامه.

لم يكُن أبى يرى «محمد النجار» كأفضل مخرج فى مصر، بل كان يرى فقط أنه مخرج لديه أدواته التى تُمكنه من النجاح، كما كان يرغب فى التعاون مع مخرجين وفنانين آخرين بعيدًا عن الأسماء التى تعود الجمهور عليها معه.

لكن تجربته – مع «النجار» – فى مسلسل «لما الثعلب فات» - للنجمين الكبيرين «يحيى الفخرانى» والراحل «محمود مرسى»- عام 1999 قد قتلت تمامًا فكرة تكرار التعاون بينهما بعد ذلك، خاصةً بعدما لم ينجح المسلسل.  كان والدى معترضًا على تفاصيل كثيرة فى العمل، ووقتها كان يمر بـ«تعبٍ شديد»، ولم يكُن قد انتهى من كتابة المسلسل كاملًا كما كان يفعل.. كان لا بُد أن يُجرى عملية «قلب مفتوح» فى أمريكا، فكان السفر والحالة الصحية عاملين مؤثرين عليه بشدة، وكان عادةً ما يكون مع المخرج عند تنفيذ المسلسل، لكن فى مسلسل «لما الثعلب فات» لم يتمكن من ذلك الأمر، وكان يرى أنه لو عاد به الزمن للوراء وتمكن من ذلك، فكان سيُحدث تغييرات جذرية ستؤدى بالعمل لنتيجة عكسية تمامًا.

كان «بابا» كلما ذهب لتصوير «لما الثعلب فات» يعود غاضبًا.. متضايقًا ومكتئبًا بشدة.. وكان كلما يتحدث فى الهاتف «يزعق».. كان يتحدث لأصدقائه عن تصوير المسلسل وهو حزين.. وكان يرى بأن العمل كان من الممكن أن يخرج بصورةٍ أفضل مما كان.

التعاون مع فاتن حمامة وسميرة أحمد.. وتهمة كتابة «مسلسلات تفصيل» 

وصلنى بأن أحد المنتجين الكبار الحاليين قال ذات مرة فى حوار تليفزيونى مؤخرًا مع إعلامية شهيرة بأنه ما العيب فى «مسلسلات التفصيل» لنجم أو نجمة؟!.. وكان يستشهد بكاتب كبير فى حجم «أسامة أنور عكاشة»، والذى كتب «مسلسلات تفصيل» على حد قوله!.. وكان يقصد تعاون أبى مع النجمة الكبيرة «سميرة أحمد» فى ثلاثة مسلسلات: «امرأة من زمن الحب»، «أميرة فى عابدين»، و«أحلام فى البوابة».. وكان والدى قد هاجم ذلك المنتج عدة مرات، وبالتالى لست مندهشة من حديثه بتلك الطريقة عنه رحمه الله. 

ما أعلمه أن «سميرة أحمد» هى من سعت للتعاون مع والدى، بعد نجاح تعاونه مع سيدة الشاشة العربية الراحلة «فاتن حمامة» فى مسلسل «ضمير أبلة حكمت» للمخرجة الكبيرة «إنعام محمد على».. وكان منطقه فى التعاون مع «سميرة أحمد» أنه إذا كان هنالك موضوعات تناسبها فسأكتبها، وإن لم يكُن فلن أفعل.. وفى حقيقة الأمر كان والدى قد قرر الانسحاب من التعاون الثالث مع «سميرة أحمد» – أى فى مسلسل «أحلام فى البوابة» – لكن «سميرة أحمد» ضغطت على والدى بشدة لإتمام ذلك التعاون الثالث، وهو ما تم.. كان السبب فى عدم رغبته فى التعاون معها مجددًا هو تدخلاتها فى ثانى تعاونهما «أميرة فى عابدين»، فكان مقتنعًا بما يكتب، ولا يحب أن يقوم بـ «تفصيل» العمل لأحدٍ أبدًا.. بدليل أنه كان هناك مشروع للتعاون مع الزعيم «عادل إمام» – وقت شهرة مسلسل «أرابيسك» – لكن حين شعر أبى برغبة الزعيم فى التدخل رفض على الفور.

وحيد حامد وآخرون

أتذكر أنه وقت عرض مسلسل «العائلة»، قد قامت الدنيا على «وحيد حامد» ولم تقعد، وقد تعرض المسلسل لوقف عرضه فجأة.. ظل أبى يدافع عن «وحيد حامد» وقتها، فكان من أشرس المدافعين عنه.. وقد كتب مقالًا بذلك المعنى، بل وتحدث تليفونيًا مع «وحيد حامد»، وأكد له أنه «فى ظهره».. كان يرفض تمامًا التعامل بتلك الطريقة مع أى كاتب ومنع أفكاره.. وأعتقد أن والدى كان من المساهمين فى حل أزمته، فقد قام بعمل مكالمات لأعلى المستويات حتى يعود عرض مسلسل «العائلة» وقد كان.

كانت تعاملاته مع باقى الكُتاب «جميلة».. خاصةً مع الكاتبين الكبيرين الراحلين «محسن زايد» و«محفوظ عبدالرحمن».. كما كان صديقًا للكاتب الكبير «محمد جلال عبدالقوى».. كانوا عادةً يتناقشون حول الأعمال.. كانوا يتقابلون بود وحب كبير.. ورغم أن المثل يقول «عدوك ابن كارك»، لكن كانت لديهم رغبة حقيقية فى الدفع بالمهنة إلى الأمام.. كان هنالك تلاقى فكرى بينهم، وكانوا يحبون الخير لبعضهم البعض. 

السياسة والإخوان وعمرو بن العاص!

كنت أرى السياسة محركًا له.. وجزءًا أصيلًا من تكوينه لارتباطه بالبلد وتاريخه.. كان لا يتعمد أن يكون مؤرخًا أو سياسيًا، وكان لا يحب تلك المسميات.

كان يقول إن جيله كان محملًا بأشياءٍ كثيرة وأحلامٍ كبيرة.. كان «جمال عبدالناصر» – فى فترة من الفترات – بمثابة من يحمل أحلام هذا الجيل.. اختزلوا الثورة فى «ناصر» لأنه كان «ثورجيًا حالمًا» على حد قوله.. لكن جيل «بابا» اكتشفوا بعدها أنهم لم يحققوا أى شيء.. وتلاشت أسطورة «ناصر» فى عينيه.

والدى كان يرى أن هنالك نماذج كثيرة أخرى ملهمة ولها امتداد مثل «نهرو» – زعيم الهند ومثال لقدوة حُكام دول العالم الثالث برأيه – ومن هنا كان انحيازه لـ «ناصر» ومبادئه، ثم انقلابه عليها.

كان أبى قارئًا للتاريخ وليس فى التاريخ.. ومن زمان كان يرى «الاخوان» ليسوا فصيلًا متلاحمًا فى نسيج الشعب المصرى.. كان يرى أن سيطرة التفكير الوهابى ستؤدى بنا إلى «الضلال».. كان يقول عنهم: «سيحاولون السيطرة.. بس مش هيقدروا لأنهم مش قد الوطن».

هذا يُرجعنى إلى معركته وهجومه على مسلسل «عمرو بن العاص»، فقد هاجمه السلفيون والإسلاميون وقتها، وهو ما انعكس عليه وعلينا فى المنزل بشكل سيئ جدًا.. كان يرفض أفكارهم.. يُعادى تغلغلهم فى المجتمع المصرى.. تجلى هذا فى تصريحاته ضد المسلسل وقتها، بل وظل مقتنعًا برأيه عنهم حتى آخر لحظة، وأتذكر أنه بسبب تلك التصريحات فُرِضَت علينا حماية أمنية وصلت إلى 24 ساعة !.

الحجاب

كان ضد الحجاب.. كان ضد قناعاته.. كان يراه مُكملًا للفكر الوهابى والذى كان يرفضه.. كان يرفض حجاب الفتيات الصغيرات، فكان يراه - بجانب حجاب الفنانات والفكر الوهابى وغيرها - وكأنها دوائر تُكمل بعضها البعض.

الجيش

كان أبى يرى الجيش المصرى دعامة أساسية لا بُد أن تبقى لحماية الوطن من أفكار الإرهاب الدينى السامة.. وقبلها كان يعارض تدخل الجيش فى السلطة، لكنه عاد وغير رأيه بعدها.. كان يرى بأنه لا بد من أن يكون الجيش فى السلطة لـ «يعدل ميزان القوة»، فإن لم يتدخل الجيش – ونثق فيه - فستذهب مصر إلى هوة من خلال سياسات ليست فى صالح المجتمع المصرى. 

كرة القدم

والدى كان «زملكاوى».. كان مشجعًا «جامد جدًا».. وكان يتأثر بخسارة نادى «الزمالك».. كما كان مؤمنًا بالمنتخب المصرى.. كان تحمسه لنادى «الزمالك» قد فتر بعد خساراته المتكررة.. وقد وصل إلى درجة عدم رغبته فى مشاهدة المباريات حتى لو كان أخى – رحمه الله – «هشام» طلب منه القدوم لمشاهدة المباريات سويًا.. بل أنه لو أتى ضيفًا ليطلب منه مشاركته مشاهدة المباريات، فكان يقول له: «لو هتقعد معايا مفيش ماتشات».

    آخر أعماله

هى حكاية مُمتدة عبر آخر سنوات حياته حيث حرص فى أعماله على أن يتحدث عن هوية الإنسان المصرى بكل الظروف التى كان ينوى ألا تكون الأخيرة.. إلا أن كلماته فى الفترة الأخيرة مزيج من اليأس وإدراك الواقع والبحث عن الطريق الأسلم بالنسبة له.

حين نظرت لوالدى فى آخر ثلاث سنوات من حياته كان قد بدأ «يتعب».. خاصةً بعد آخر أعماله، وهو الجزء الأول من مسلسل «المصراوية».. كان قد بدأ يشعر بالإحباط.. شعر بأن أعماله يتم تهميشها عمدًا، وكانت تلك المقاييس يحاربها فى أعماله فى الأساس.. كان قد بدأ «يحس إنه خلاص» وأنه «ماشى ماشى».

شعرت وقتها بأنه قد رمى أداة المحارب.. كان يرى بأنه «إن مانفعش يكمل ماينفعش يعيش».. كان يحاول إيجاد بدائل، خاصةً وهو يرى بأنه لا يستطيع إكمال الجزء الثالث من مسلسل «المصراوية» كما كان يريد.. كنت أشاهده كثيرًا يبكى وهو يشاهد الجزء الثانى من المسلسل.. وحين وجد نفسه أنه لن يُكمل كتابة الجزء الثالث، فكر بأن الباقى له من عمره لا بُد وأن يُكمله فى شيء آخر.. كان يقول لى: «أنا لو حاربت مش هلاقى صدى، فهكمل فى عالم ثانى.. عالم آخر».

كان البديل هو كتابة عمل درامى آخر.. كان بدأ يكتب فى مسلسل «تنابلة السلطان».. هنالك جهة ما قد اشترته على حد علمى، لكن لم يتم تنفيذه.. وهنالك عمل آخر قد بدأ الكتابة فيه بعنوان «الطريق 2000»، ويعتبر آخر أعمال والدى رحمه الله.. كان أيضًا يفكر فى خيارات أخرى مثل كتابة المسرحيات أو العودة مرة أخرى إلى الأدب المقروء.. لكن وافته المنية قبل أن يحقق كل ما كان بداخله.. رحمه الله.