الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

توازنات سياسية بين مصر والغرب

عقب ثورة 30 يونيو كان المجتمع الغربى فى حالة من الالتباس لما شهدته البلاد من تخبُّط فى سياستها الخارجية منذ عام 2011، وكان من الأزمات التى واجهت الدولة المصرية عقب تولى الرئيس «عبدالفتاح السيسى» هو إظهار ح قيقة ما شهدته مصر خلال فترة حُكم الجماعة الإرهابية لمصر، وما أدى إلى الثورة الشعبية لاسترداد وطنهم من هذه الجماعة.



وعلى مدار سبعة أعوام نجح الرئيس «السيسى» ومؤسَّسة الدبلوماسية المصرية فى استرداد ثقة الدول الغربية وإعادة العلاقات المُتزنة مع المجتمعات الأوروبية والأمريكية وغيرها من الدول، ووضع الرئيس «السيسى» أسُسَ سياسته الخارجية ككتاب مفتوح أمام العالم، وظهَر ذلك بوضوح من خلال أكثر من نافذة، أولاها خلال خطاب التنصيب يوم 8 يونيو 2014، ثم خطابه التاريخى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك فى سبتمبر 2014، وتأكيد الرئيس المصرى فى مختلف المحافل الدولية والمناسبات على أن سياسة مصر الخارجية الجديدة ستقوم على الندّيّة والالتزام والاحترام المتبادل، واستقلالية القرار الوطنى وتتوّج هذه المبادئ تلك العبارة الشهيرة التى ردّدها الرئيسُ فى أكثر من مناسبة، ولا يزال يردّدها، وهى أن مصر «تتعامَل بشرف فى زمن عَزّ فيه الشرَف».

وكان نتاج نجاح سياسة مصر الخارجية بين جميع الدول الغربية، هو حصول مصر على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن، ورئاسة لجنة مكافحة الإرهاب بالمجلس، ورئاسة القمة العربية لمناقشة القضايا المهمة، والحصول على عضوية مجلس سلم الأمن الإفريقى، ورئاسة لجنة رؤساء الدول والحكومات الإفريقية المَعنية بالمناخ، وتم اختيار مصر لرئاسة الاتحاد الإفريقى، وتوثيق علاقات مصر بدول العالم وقواه الكبرَى، وإقدام العديد من الدول على دعم مصر ومساندة مشروعها الوطنى، وتمثيل قوى فى مختلف المَحافل الدولية لطرح رؤية مصر وإفريقيا.

العلاقات الأمريكية

رُغْمَ الموقف السلبى الذى اتخذته إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق «باراك أوباما» تجاه الأوضاع فى مصر بعد ثورة 30 يونيو؛ فإن العلاقات «المصرية- الأمريكية» حققت طفرة هائلة خلال فترة رئاسة «السيسى»، سواء فى أواخر ولاية «أوباما»، التى فرضت فيها إرادة الشعب المصرى كلمتها على «تفاصيل» العلاقات بين البلدين، أو مع تولى الرئيس «دونالد ترامب» وحتى بعد تولى الرئيس «بايدن» رئاسة البيت الأبيض.

وخلال الفترة الماضية شهدت العلاقات «المصرية- الأمريكية» مَرحلة جديدة من التعاون والتفاهُم والتنسيق فى جميع المجالات؛ خصوصًا السياسية والعسكرية؛ حيث نجح الرئيس «السيسى» والدبلوماسية المصرية فى وضع إطار مؤسّسى يتسم بالاستمرارية، وهو ما يُطلق عليه «الحوار الاستراتيچى»، كما تم وضع قاعدة للمَصالح المشتركة تقف عندها الدولتان على قدم المساواة دون أى تمييز لتحقيق مصالحهما دون الإضرار بمصالح طرَف على حساب الآخر.

فضلاً عن استمرار التنسيق والتشاور واللقاءات بين البلدين وضرورة التوصل إلى حلول متفق عليها فى قضايا المنطقة؛ خصوصًا الفلسطينية والسلام فى السودان، والتصدى للإرهاب، والاستقرار الإقليمى وغيرها، بالإضافة إلى تطابُق الرُّؤَى «المصرية- الأمريكية»؛ خصوصًا فى التصدى بحزم وقوة لخطر الإرهاب.

أوروبا وآليات التعاون

كانت العلاقات الأوروبية مع مصر قد اتسمت فى أعقاب ثورة 30 يونيو ببعض التخبط، غير أن ما يميز الموقف الأوروبى عن نظيره الأمريكى هو وجود عدد من الدول الأوروبية الصديقة لمصر، مثل اليونان وقبرص وإيطاليا، التى لعبت دورًا لا يُستهان به فى توصيل وجهة نظر مصر إلى باقى دول الاتحاد الأوروبى بعد ثورة 30 يونيو، إلى أن شهدت العلاقات «المصرية- الأوروبية» بشكل عام دفعة هائلة مع الاتحاد الأوروبى كتكتل سياسى، أو كدول منفصلة؛ وبخاصة مع قوَى أوروبا القديمة: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وظهَر ذلك بوضوح من خلال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين الدول الثلاث: مصر واليونان وقبرص، ومثل صفقات عسكرية بارزة مع كل من فرنسا وألمانيا، بالإضافة إلى تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة مع دول تَجَمُّع «فيشجراد» (هنغاريا وبولندا وسلوفاكيا والتشيك)، من خلال المشاركة الأولى لمصر فى أعمال هذه القمة.

كما أعطى الرئيس «السيسى» أهمية للمنطقة الشرق متوسطية؛ لما تشكله من أهمية اقتصادية وأمنية، وقد اتجهت الدبلوماسية الرئاسية لتعزيز العلاقات مع الشركاء فى هذا النطاق تحقيقًا للمَصالح المشتركة، لهذا تطورت العلاقات «المصرية- اليونانية»، وأيضًا القبرصية بوتيرة متسارعة على جميع الأصعدة، مما مكن الدول الثلاث من الوصول إلى مستوى تعاون غير مسبوق حقق الكثير من المكتسبات لشعوبهم، سواء على صعيد الاستفادة من الثروات الطبيعية أو ترسيم الحدود البحرية، ما دفع دولاً أخرى مثل فرنسا وإيطاليا للانضمام إلى محور السلام والتعاون الذى نتج عنه منتدى الغاز الذى تحوّل إلى منظمة إقليمية تُعَبر عن قدرة الدول على التعاون.

توازُن العلاقات

فرضت السياسة الخارجية المصرية كلمتها على علاقاتها مع مختلف دول العالم، بحيث صار واضحًا أن مصر تستطيع الحفاظ على علاقاتها مع القوَى الكبرى، دون أن يؤثر ذلك على استقلالية قراراتها، أو مواقفها، ودون أن يفهم أى طرف هذه العلاقات على أنها موجّهة إلى أو ضد أى طرف آخر، أيًا كان.

ظهَر هذا بوضوح من خلال التقارُب الذى شهدته رئاسة «السيسى» مع قادة كل من روسيا والصين، فى الوقت نفسه الذى أرست فيه مبادئ علاقات وطيدة مع الجانب الأمريكى.

وشهدت علاقات التعاون «المصرية- الروسية» فى عهد الرئيس «السيسى» طفرة أعادت إلى الأذهان أمجاد علاقات «القاهرة- موسكو» الوطيدة خلال فترة الستينيات من القرن الماضى، وظهَر ذلك بوضوح من خلال مشاركة روسيا فى عدد كبير من المشروعات التنموية بمصر؛ وبخاصة فى منطقة قناة السويس، وفى قطاع الطاقة، فضلاً عن التعاون العسكرى، وكذلك التنسيق فى عدد من القضايا الإقليمية؛ وبخاصة مكافحة الإرهاب.

والأمْرُ نفسُه ينطبق على الصين، التى تزامَن الاهتمام المصرى بالاستفادة من تجربتها الاقتصادية المبهرة مع اهتمام الصين بمصر فى إطار مشروعها التاريخى «طريق الحرير»، وارتفع التبادُل التجارى بين مصر والصين إلى أكثر من 11 مليار دولار.

وبشكل عام، تميزت علاقات مصر مع الدول الثلاث الكبرَى بالتعاون والتفاهم والتناغم، فضلاً عن ملامح ودّيّة لا يمكن إغفالها، وهو ما برَز فى المساعدات «الرمزية» التى قدمتها مصر لكل من الصين والولايات المتحدة فى مواجهة وباء كورونا.