الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

مفاوضات الحسم في أزمة سد النهضة: مجلس الأمن والمجتمع الدولى: مياه النيل «خط أحمر»

طوال السنوات الماضية ومصر تحاول التوصل إلى حل دبلوماسى لأزمة سد النهضة، وهو الأمْرُ الذى أوضحته كل الخطوات التى اتخذتها الإدارة المصرية للحفاظ على حق شعبها وأيضًا حقوق دول الجوار والمنطقة الإفريقية من الدخول فى نفق مظلم من النزاعات قد تعانى منها الدول الإفريقية والعالم ككل.



ومع استمرار تعند الجانب الإثيوبى فى اتخاذ أى خطوات تثبت حُسن النوايا؛ بل وإعلان حكومة «آبى أحمد» عن عدم تراجع بلاده عن الملء الثانى للسد خلال موسم الأمطار المقبل (يوليو وأغسطس)، أعلنت مصر والسودان رفضهما لهذه الخطوات الأحادية، وتم تصعيد الأمر لمجلس الأمن لاتخاذ الخطوات اللازمة باعتباره الجهة المسئولة عن حفظ الأمن والسلم الدوليين، وفق ميثاق الأمم المتحدة.

وربما تكون هذه هى إحدى الخطوات الأخيرة التى ستعمل عليها مصر والسودان لتضع المجتمعَ الدولى أمام مسئولياته، فحقوق أكثر من 100 مليون مصرى و 20 مليون سودانى لن يتم التهاون فيها ولن تقف مصر مكتوفة الأيدى أمام أى خطر يهدد الأمن القومى المصرى، وهذا الوعدُ ما يؤكده دائمًا الرئيس «عبدالفتاح السيسى» فى كل خطاباته المتعلقة بالأزمة، فـ«مياه النيل خط أحمر».

 خطوات تصعيدية

فى خطوة تصعيدية جديدة أعلنت مصر والسودان رفضهما القاطع للموقف الإثيوبى واستمراره فى الإعلان عن الملء الثانى لسد النهضة خلال موسم الفيضان المقبل، ووجَّه «سامح شكرى»، وزير الخارجية، خطابًا إلى رئيس مجلس الأمن لشرح مستجدات ملف سد النهضة الإثيوبى، معربًا عن رفض القاهرة التام للنهج الإثيوبى القائم على السعى لفرض الأمر الواقع على دولتَى المصب من خلال إجراءات وخطوات أحادية تعد بمثابة مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولى واجبة التطبيق.

ونقل بيان الخارجية المصرية لمجلس الأمن، الجمعة الماضية، أن مصر والسودان تعملان على كشف حقيقة المواقف الإثيوبية المتعنتة التى أفشلت المساعى المبذولة على مدار الأشهُر الماضية من أجل التوصل لاتفاق عادل ومتوازن وملزم قانونًا حول سد النهضة فى إطار المفاوضات التى يرعاها الاتحاد الإفريقى.

وأوضح المتحدث باسم الخارجية المصرية السفير «أحمد حافظ»، أن خطاب وزير الخارجية، قد جرى تعميمه كمستند رسمى لمجلس الأمن، كما تم إيداع ملف متكامل لدى المجلس حول قضية سد النهضة ورؤية مصر إزاءها؛ «وذلك ليكون بمثابة مَرجع للمجتمع الدولى حول هذا الموضوع»، ورأى أن هذا الملف يوثق «المواقف البناءة والمسئولة التى اتخذتها مصر على مدار عقد كامل من المفاوضات».

من جانبها، جددت وزيرة الخارجية السودانية «مريم الصادق المهدى» تأكيدَها على أهمية التوصل إلى اتفاق قانونى وملزم بشأن قواعد ملء سد النهضة وتشغيله؛ «لما فى ذلك من ارتباط مباشر بمصالح مهمة وحيوية للسودان»، وفقًا لما جاء فى بيان أصدرته وزارتها عقب لقائها رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقى «موسى فكى» فى الخرطوم، السبت الماضى.

وأفاد البيان بأن «فكى» أكد استعداده لتقديم أى مساعدة ممكنة لتسهيل التوصل إلى اتفاق بين أطراف مفاوضات سد النهضة.

ومن جهة أخرى، ما زالت إثيوبيا على موقفها المتعنت، وفى ظل جمود التفاوض يؤكد رئيس الوزراء الإثيوبى «آبى أحمد» على أن «عدم تنفيذ الملء الثانى فى موعده سيجعل إثيوبيا تتكبد خسائر بقيمة مليار دولار».

 أزمة التفاوض

وعلى مدار العام الماضى فشلت المفاوضات بين أطراف القضية، الأمرُ الذى دعا مصر إلى إعادة القضية مرّة أخرى إلى المنظمة الدولية، بعد عام تقريبًا من جلسة سابقة لمجلس الأمن الدولى بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبى؛ حيث قدّمت مصرُ فى يونيو 2020 طلبًا إلى مجلس الأمن، دعته فيه إلى «التدخل فى أزمة السد»، وعقدت بالفعل جلسة لمناقشة الطلب المصرى، لكن دون أن تفضى إلى نتائج أو قرارات.

ولهذا عملت مصرُ على اطلاع المجلس بصفته المسئول عن الأمن والسلم بين الدول على آخر مستجدات الوضع الراهن بعد تأزم الوضع، ووفق خبراء؛ فإن القاهرة تعمل على تنفيذ التزاماتها تجاه الخرطوم فى إطار التعاون والموقف الواحد، كما أنها تحمِّل المجلس الدولى المسؤلية كاملة حال حدوث تصعيد فى الأزمة، ما قد يؤثر على حالة السلم والأمن فى تلك المنطقة المهمة من العالم.

وعلى مدار الفترة الماضية عملت السودان ومصرُ على تكثيف تحركاتهما لمواجهة أزمة النهضة؛ ففى مطلع الأسبوع الماضى زار وزير الخارجية المصرى «سامح شكرى» برفقة وزير الرى «محمد عبدالعاطى» الخرطوم، وعقدا مباحثات مع نظيريهما السودانيين، والتقيا رئيس مجلس السيادة  الفريق أول «عبدالفتاح البرهان».

وتركزت المشاورات على تطورات ملف سد النهضة، الذى سيصبح عند الانتهاء منه أكبرَ السدود فى إفريقيا؛ ليتفق الطرفان على وجود مَخاطر جدّية وآثار وخيمة ستنجم عن الملء الأحادى للسد، وأكدا أهمية تنسيق جهود البلدَين على الأصعدة الإقليمية والقارية والدولية لدفع إثيوبيا إلى «التفاوض بجدّية وحُسن نية وإرادة سياسية حقيقية، من أجل التوصل لاتفاق شامل وعادل وملزم قانونًا حول ملء وتشغيل سد النهضة».

كما أكد البلدان على توافق رؤيتهما حول ضرورة التنسيق من أجل تدخّل المجتمع الدولى؛ «لدرء المخاطر المتصلة باستمرار إثيوبيا فى انتهاج سياستها، والقائمة على السعى لفرض الأمر الواقع على دولتَى مصب نهر النيل».

 حقوق ومواثيق دولية

تأتى خطوة القاهرة الأخيرة كأمْر تصعيدى ومحاولة لتدخل المجتمع الدولى فى القضية بسبب أهميتها وتأثيرها على دول المصب وعلى القارة الإفريقية ككل، ويمكن للمجلس، المكوّن من 15 عضوًا فى الأمم المتحدة، إصدار قرار للجانب الإثيوبى بوقف الملء الثانى للسد حتى التوصل لاتفاق ملزم من أطراف النزاع، إلا أن هذا القرار لا يرقى إلى مستوى القانون الدولى ويستلزم دعم 9 أعضاء على الأقل، وألا يتم نقضه من قِبَل أحد الأعضاء الخمسة الدائمين فى المجلس أصحاب حق الفيتو (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا).

ومن جهة أخرى؛ فإنه وفق المادة 36 من ميثاق مجلس الأمن الدولى التى تنص على «إمكانية تدخُّل مجلس الأمن فى أى مرحلة من مراحل النزاع بين الدول وإصدار قرارات ملزمة لكل الأطراف»، كما يمكن للمجلس وفق المادة 38 من ميثاقه «فرض وساطة دولية أو إصدار قرار تحكيمى أيضًا لتجنب أى صراع أو حرب قد تندلع بين الدول المتنازعة»، وهو الأمر الذى يعكس أهمية الخطوة المصرية للتوجُّه إلى مجلس الأمن فى هذا التوقيت تحديدًا قبل بدء الملء الثانى للسد.

وبناءً على المواثيق الدولية؛ فإن إمكانية وساطة أممية أو إصدار قرار تحكيمى لتجنب أى صراع أو حرب قد تندلع بين الدول المتنازعة هو أمر يقع تحت عاتق المجلس، ويمكن لمصر والسودان الاستناد لهاتين المادتين للضغط على إثيوبيا وإصدار قرارات ملزمة لإعادة المفاوضات تحت مظلة دولية تمتلك أدوات الضغط على كل الأطراف. 

وهنا يمكن لمجلس الأمن أن يصدر- بعد مراجعة الملف- توصية لإثيوبيا بتأجيل الملء، واستكمال التفاوض على الأسُس المتوافق عليها بين الدول والأطراف الثلاث، كما أن مجلس الأمن يمكنه أن يصدر توصية بإحالة الملف للمحكمة الدولية إذا كان هناك توافق واهتمام دولى.

أمّا فى حالة تعثر مجلس الأمن بالقيام بدوره فيكون اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة هو الخطوة التالية، باعتبارها الجهة المنوطة بإصدار توصية- بتصويت أغلبية الأصوات- عادة ما تكون لها قيمة أدبية، وفى هذه الحالة يمكن استخدام هذه التوصية كدليل لتقوية موقف البلدَين فى أى إجراءات ومسارات أخرى.

وعلى هذه المعطيات؛ فإن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية هو أحد مسارات حل النزاع، فاستنادًا إلى المادة 8 من الاتفاقيات الدولية للأنهار، والتى تنص على التزام التعاون على أساس المساواة السيادية للدول لتحقيق الفوائد المتبادلة، وذلك بقصد بلوغ الاستخدام الأمثل للمجرَى المائى الدولى، بما فى ذلك تبادُل المعطيات والمعلومات حول حالة مجرَى النهر (المادة 9)، والوقاية من الكوارث الطبيعية (المادتان 27 و28) وفى مجال ضبط المياه وتدفقها (المادتان 25 و26)، والتشاور فيما يتعلق بالمشروعات المخطط لها (المادتان 11 - 19).

كما نصت المادة (33) من الاتفاقية الدولية على سلسلة من الإجراءات لتسوية الخلافات سلميا بين الدول، كالمفاوضات المباشرة والمساعى الحميدة والتوسط والتحقيق والتوفيق والتحكيم، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

وإلى جانب الخطوات الدولية والقانونية، فأمام للقاهرة والخرطوم أن تستخدما الورقة الاقتصادية للضغط على أديس أبابا، فوفق القانون الدولى يحظر تمويل السدود التى تؤدى إلى خلافات أو صراعات بين الدول من أى جهة أو مؤسَّسات مالية دولية، وهنا يمكن لمصر والسودان تفعيل هذه الورقة أمام المجتمع الدولى لتطبيق القوانين والمواثيق الدولية.