الجمعة 25 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

التدخل العسكرى ليس الخيار الأخير سيناريوهات حسم ملف «النهضة»

بين مطالبة مصر والسودان بأحقيتهما المشروعة والتى يكفلها لهما القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة فى كمية المياه المتدفقة من دول المنبع، ومع استمرار حكومة أديس أبابا فى رفض الاعتراف بهذه الحقوق؛ يبقى التساؤل الأهم: ما هى الخيارات المفتوحة أمام مصر والسودان لحل أزمة «النهضة»؟ وهل بات الحل الدبلوماسى أمرًا يصعب تحقيقه فى الوقت الراهن، على الرغم من جميع الجهود المبذولة من القاهرة والخرطوم لسلك كل الطرق السلمية لتجنب المنطقة توترات أكثر خطورة؟ وما هى أسباب تعنت رئيس الحكومة الإثيوبى آبى أحمد علي على موقفه غير المبرر أمام الرأى العام العالمى؟



 

مسارات «السلم»

رغم فشل المفاوضات على مدار الأعوام الماضية للتوصل إلى حل يرضى أطراف الأزمة، إلا أن الحل الدبلوماسى والقانونى مازال قائمًا، ومازالت مصر والسودان يمتلكان عدة خيارات، أهمها مطالبة البلدين بتدخل مجلس الأمن لحل الأزمة، فوفق المادة 36 من ميثاق مجلس الأمن الدولى «يخول للمجلس التدخل فى أى مرحلة من مراحل النزاع بين الدول، وإصدار قرارات ملزمة لكل الأطراف»، كما يمكن للمجلس وفق المادة 38 من ميثاقه «فرض وساطة دولية أو إصدار قرار تحكيمى أيضًا لتجنب أى صراع أو حرب قد تندلع بين الدول المتنازعة»، ويمكن لمصر والسودان الاستناد لهاتين المادتين للضغط على إثيوبيا وإصدار قرارات ملزمة لإعادة المفاوضات تحت مظلة دولية تمتلك أدوات الضغط على كل الأطراف. ووفق خبراء قانونيين، فإن القاهرة والخرطوم يمكنهما إخطار مجلس الأمن بنتائج مسار التفاوض السابقة والموقف الإثيوبى بعدما أحال المجلس النزاع إلى الاتحاد الإفريقى فى وقت سابق، ولم ينجح الاتحاد (فى فترة رئاسة جنوب إفريقيا، وفى الفترة الحالية) فى التوصل لاتفاق.

وهنا يمكن لمجلس الأمن أن يصدر -بعد مراجعة الملف- توصية لإثيوبيا بتأجيل الملء، واستكمال التفاوض على الأسس المتوافق عليها بين الدول والأطراف الثلاث، كما أن مجلس الأمن يمكنه أن يصدر توصية بإحالة الملف للمحكمة الدولية إذا كان هناك توافق واهتمام دولي.

من جهة أخرى، ووفق الفصل السابع من القانون الدولى، فإن مجلس الأمن يمكنه إصدار دعوة لعقد جلسة عاجلة للنظر فى النزاع، على اعتبار أنه أصبح من النزاعات التى تتوافر فيها المحددات المهددة للسلم والأمن الدوليين، ومن شأنه أن يدخل إفريقيا فى حالة من التصارع والتنازع المؤثر على الاستقرار داخل الإقليم بشكل عام.

كما أن مجلس الأمن يمتلك فى هذه المرحلة -إذا اتفق مع تهديد النزاع للسلم والأمن- إصدار قرار مباشر إلى إثيوبيا بوقف الملء الثانى فى يوليو المقبل، نظرًا لما ارتآه المجلس من أن الأمر مهدد للسلم فى القرن الإفريقى، وبالتالى لابد من تأجيل الملء والعودة إلى التفاوض المباشر على أسس متوافق عليها بين الأطراف للتوصل إلى اتفاق قانونى شامل يضمن قواعد الملء والتشغيل وإدارة السد وفقًا للوائح والقوانين الدولية والحالات الدولية المماثلة فيما يتعلق بإنشاء السدود.

ويطلب البلدان، مصر والسودان، من المجلس النهوض بالدور المسند إليه قانونيًا وسياسيًا بموجب ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره ذراع منظمة الأمم المتحدة لحفظ الأمن والسلم الدوليين، ومنحه الميثاق إجراءات دبلوماسية وأخرى قمعية من أجل فرض الأمن والسلم.

أما الخيار القانونى الأخير فيكون بالذهاب بالملف للجمعية العامة للأمم المتحدة للنظر فيها، باعتبارها الجهة المنوطة بإصدار توصية -بتصويت أغلبية الأصوات- عادة ما تكون لها قيمة أدبية، فى حال فشل مجلس الأمن فى النهوض بدوره، وفى هذه الحالة يمكن استخدام تلك التوصية كدليل لتقوية موقف البلدين فى أية إجراءات ومسارات أخرى.

وإلى جانب الورقة الدولية والقانونية، فيمكن للقاهرة والخرطوم أن تستخدما الورقة الاقتصادية للضغط على أديس أبابا، فوفق القانون الدولى يحظر تمويل السدود التى تؤدى إلى خلافات أو صراعات بين الدول من أى جهة أو مؤسسات مالية دولية، وهنا يمكن لمصر والسودان تفعيل هذه الورقة أمام المجتمع الدولى لتطبيق القوانين والمواثيق الدولية.

الورقة الأخيرة

على الرغم من تأكيد مبادئ السياسة المصرية وأيضًا السودانية على اتباع جميع الطرق السلمية والدبلوماسية فى حل الأزمات، وخاصة أن مصر دائمًا ما تتبع نهج الحفاظ على حقوقها التى ضمنها القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وهو الأمر الذى يجعل الخيار العسكرى ربما آخر الخيارات المتاحة لما يجلبه هذا الأمر من عواقب وخيمة تؤثر على استقرار القارة السمراء.

وفى حال فرض هذا الأمر على الجانبين المصرى والسودانى، خاصة بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشتركة بين الدولتين، فإن الأمر محسوم أمام تعداد الجيشين فى مقابل الجيش الإثيوبى، فوفق آخر تصنيفات للجيوش العالمية فإن الجيش المصرى يحتل المركز الأول إفريقيًا والـ13 عالميًا، كذلك تصل ميزانية الدفاع فى الجيش المصرى إلى نحو 10 مليارات دولار، والجيش السودانى إلى نحو 4 مليارات دولار، فى مقابل 350 مليون دولار للجيش الإثيوبى وهو يحتل المركز الـ60 عالميًا.

«بنى شنقول» ومأزق إثيوبيا

على مدار الأيام الماضية حاولت حكومة أديس أبابا افتعال أزمات أخرى مع جيرانها خاصة السودان، وكان آخرها ادعاءات الحكومة الإثيوبية بعدم اعترافها باتفاقية تقسيم الأراضى والمياه لعام 1902، والتى تم التوقيع عليها من قبل المستعمر البريطانى (لمصر والسودان) والجانب الإثيوبى، وقد نصت هذه الاتفاقية على عدم بناء سدود على النيل، وهو الأمر الذى تراه إثيوبيا «إرث استعمارى» لا يعتد به، إلا أن هذا الأمر ربما يضع حكومة أديس أبابا فى موقف صعب، فوفق بنود الاتفاقية الدولية فإن إقليم بنى شنقول (المتواجد عليه سد النهضة) يتم انتقال سلطاته من السودان إلى إثيوبيا، ووفق رد الخارجية السودانية على الموقف الإثيوبى فإن الخرطوم قد يعيد النظر فى سيادة إثيوبيا على إقليم «بنى شنقول قمر»، إذا ما استمر التعنت الإثيوبى والتنصل من الاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية 1902، التى منحت إثيوبيا إقليم بنى شنقول وألزمتها بعدم إقامة أى منشآت على النيل الأزرق.

«النهضة» والأمل فى السلطة

على الرغم من افتعال الجانب الإثيوبى للعديد من الأزمات خارجيًا إلا أن الوضع الداخلى لا يقل توترًا خاصة بعد اشتعال أزمة إقليم تيجراى والتى بدأت منذ نوفمبر 2020 وحتى الآن، وبعد فرض عقوبات أمريكية على أديس أبابا على خلفية جرائم الحرب التى ارتكبها النظام فى إقليم تيجراى، الأمر الذى يضع حكومة آبى أحمد على أمام العديد من الأزمات الداخلية التى تعتبر بمثابة قنبلة موقوتة أمام النظام الذى يحاول بشتى الطرق البقاء فى السلطة، خاصة بعد تأجيل الانتخابات البرلمانية فى 31 مارس الماضى إلى أجل غير مسمى.

ووفق محللين فإن «سد النهضة» يعتبر الورقة الوحيدة التى يراهن عليها رئيس الوزراء الإثيوبى لاستعادة شعبيته التى فقدها عقب العديد من الاحتجاجات التى طالته، والمعارضة الأممية على قراراته بفرض قيود على حرية التعبير والمعارضة الإثيوبية التى وقفت أمام قراره الأخير المدعوم من البرلمان بتأجيل الانتخابات مرة أخرى، كذلك قيامه بالزج بمعارضيه فى المعتقلات؛ ليقف طموح آبى أحمد الاستمرار فى سدة الحكم على حساب كل الشعارات التى كان يرفعها عند بداية توليه منصبه.