الجمعة 25 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
حديث خاص  مع الرسول وقفات معاصرة مع صاحب المقام المحمود لماذا يخوفوننا من الله يا رسول الله؟  "الحلقة الرابعة"

حديث خاص مع الرسول وقفات معاصرة مع صاحب المقام المحمود لماذا يخوفوننا من الله يا رسول الله؟ "الحلقة الرابعة"

هل يُمكن أن تصف لى ما الذى يعنيه لك الله؟ 



هل يُمكن أن تخبرنى بصورته التى ترسمها له فى قلبك؟ 

هل يُمكن أن تحدثنى عن الحوارات الخاصة التى تدور بينك وبينه ولا تنقطع ليل نهار؟ 

هل يمكن أن تحكى لى عن إحساسك به فى وقت الضيق وأوقات الفرج... عندما تكون سعيدًا وعندما تكون حزينًا... عندما تنجح وعندما تفشل... عندما تكتشف ذاتك وعندما تتوه منك.... عندما تمسك بالحياة فى قبضتك فلا تفلتها وعندما تتفلت منك فلا تدرك منها شيئًا؟ 

هل يمكن أن تلخصه لى فى كلمة... كلمة واحدة تقول من خلالها كل شيء.. لا تحتاج بعدها إلى أن تزيد أو تنقص مما تريده شيئًا؟  مؤكد أنك – كما أنا وكما نحن جميعًا – نحتفظ بصورة خاصة لربنا لا يشاركنا فيها أحد. 

 فهو الطبيب الذى يداوى... وهو الغنى الذى يمنح... وهو الكبير الذى يتسامح... وهو القوى الذى يتجاوز... وهو العطوف الذى يحنو... وهو الرحيم الذى يرحم... وهو العفو الذى يغفر... وهو المتجلى الذى يوحى... وهو العزيز الذى يعز... وهو المنتقم الذى يؤدب... وهو العدل الذى يحكم... وهو الجبار الذى يقوم. 

ضع أسماء الله وصفاته كلها أمامك ستكتشف أن الله اختص نفسه بكل ما يجعله عونًا لعباده وغوثًا لهم، وعندما تطمئن لذلك ستعرف أنه ما خلق الناس ليعذبهم أو يذلهم أو يرهبهم أو يرعبهم أو يقلقهم أو يؤرقهم.

تحذيره لنلتزم... وعقابه لنظل على جادة الطريق لا نفارقها أبدًا. 

خلق الله الخلق ليعيشوا فى سلام. 

المعنى نجده فى البخارى لكن فى سياق مختلف، وها هو الصحابى الجليل عمار بن ياسر ينقل لنا ما قاله الرسول: « ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار». 

لم يتحدث النبى هنا لا عن صلاة ولا عن صيام ولا عن زكاة ولا عن حج؛ فقط دلك على الطريق الذى تجمع به الإيمان... كل الإيمان إلى قلبك، وهو طريق يبدأ وينتهى بتعاملك مع الآخرين. 

تأمل فقط هذه الثلاثية النبوية وحاول أن تعيد النظر وتقيس نفسك عليها. 

أولًا: « الإنصاف من نفسك»... هل يمكن أن تفعل ذلك؟ هل يمكن أن تقترب إلى حدود المعنى الكبير؟ يطلب منك النبى أن تنتصر للآخرين حتى لو لك عندهم حق، وحتى لو كان هذا الانتصار على نفسك أنت.

 أعتقد أنك لو استطعت أن تصل إلى هذا الشاطئ فإنك بذلك تكون قد نجوت. 

ثانيًا: « بذل السلام للعالم»... هكذا يصيب النبى -صلى الله عليه وسلم- الهدف دون أن يخطئه... السهم يخترق كبد الحقيقة... فهو ليس رسولًا لمن اتبعوه فقط؛ ولكنه رسول للعالم كله، لمن اتبعه ولِمنْ لم يتبعه، ولذلك فهو يُفكِّر فى العالم كله، وينصح بالنصيحة الذهبية وهى أن نبذل السلام للجميع، حتى يعيش الجميع فى ظلال هذا السلام. 

بذل السلام للعالم يضع يديك تمامًا على الهدف الحقيقى من الإسلام؛ بل يمكن أن يلخص لك وبإيجاز شديد هدف السماء عندما اختارت أن يكون محمد -صلى الله عليه وسلم- هو آخر قائد لسفينتها إلى الأرض. 

لم يكن عجيبًا أن يلح الرسول على هذا المعنى كثيرًا. 

ها هو عبد الله بن سلام ينقل لنا وصية النبى الموجزة «أيها الناس أطعموا الطعام... وأفشوا السلام». 

وها هو النبى يحسم الأمور المعلقة فى عقل الذين لا يريدون من الدين إلا طريقًا يوصلهم إلى الجنة. 

أراه هناك يجلس بين أصحابه الكرام، يقول لهم: لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا. 

يسأله الصحابة الكرام: وما الذى نفعله يا رسول الله لنكون مؤمنين؟ 

فيرد عليهم: لن تؤمنوا حتى تحابوا. 

ولأنه -صلى الله عليه وسلم- تَعوّد ألا يترك أصحابه فى عرض الطريق، فإنه يقول لهم: ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ 

قرأ الرسول التّطلع فى عيون أصحابه، فلم يتأخر عليهم ولم يثقل كاهلهم، قال لهم: أفشوا السلام بينكم. 

نفشى السلام بيننا يا رسول الله فقط، فيستقر لنا كل شيء؟ 

نعم... فالسلام هو رسالة الإسلام الأولى والأساسية والحقيقية والخالدة. 

ثالثًا: «الإنفاق من الإقتار»... هنا ملمح يؤكد أن أهميتك فى الحياة تقاس عند النبى -صلى الله عليه وسلم- بأهميتك بالنسبة للآخرين، وبوقوفك إلى جانبهم حتى لو كنت محتاجًا ولا تملك إلا ما يسند ظهرك... وبإنفاقك عليهم دون أن تنتظر منهم شيئًا، ولا يقصد النبى الإنفاق المالى فقط، ولكنه يتحدث عن الإنفاق بمعناه الإنسانى. 

لمثل هذه الأشياء جاء النبى -صلى الله عليه وسلم؛ ولأنه يعرف لماذا جاء، فقد سعى إلى بذل السلام فى العالم، والانتصار للإنسان فى كل مكان... فصاحب الرسالة الإنسانية لم يكن يتحدث عن المسلمين فقط، ولكن عن الناس أجمعين. 

ما علاقة صورة الله التى نبحث عنها فى قلوبنا... بالكلام عن بذل السلام للعالم، الذى جعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أفضل الأعمال، وجعله الطريق للحب الذى يقود إلى الإيمان ومنه إلى الجنة التى هى المُبتَغىَ الأعظم للبشرية. 

فى الحقيقة نحن نتحدث عن شيء واحد. 

 فالله هو السلام.

 الله هو المحبة.

 الله هو الأب الذى يحمى... والأم التى ترعى. 

 وأى حديث آخر عن الله لا يمكننا أن نقبله، ليس لأننا لا نريد أن نقبل... ولكن لأن أى صورة له غير ذلك ليست صحيحة. 

حاول أن تسمع لمن يلومون على الإسلام ويعاتبون المسلمين... حاول أن تسير خلف ما يقولونه وما يقدمونه من حجج وبراهين وحيثيات فى عدائهم ضد الإسلام وغضبهم منه وابتعادهم عنه ونفورهم منه. 

ستجد الأزمة فينا، وحتى أكون منصفًا فالأزمة ليست فينا نحن فقط المسلمين؛ ولكنها فى كل سماسرة الأديان الذين قرَّروا أن يتحدثوا هم باسم الله، وبدأوا يرسمون له صورة يُصدِّرونها للناس، فأصبحنا لا نعرف الله الحقيقى بقدر معرفتنا بالله الذى يحدثوننا عنه. 

تصرفات البشر هى التى تعزل الله عنا، تحجزه بعيدًا عن قلوبنا وعقولنا وأرواحنا، يحولون بيننا وبينه بحواجز من صور مرعبة نسجوا منها منظومة العذاب الذى لا ينتهى. 

بعد تفجيرات الحادى عشر من سبتمبر، وبعد أن راح الآلاف من الشهداء ضحية لفهم خاطئ لمراد الله فى الأرض، تعرض معنى الله عند الأمريكان لهزة عنيفة جدًا. 

قالوا إذا كان رب اليهود والمسيحيين حق، فإنه إله لا يستحق أن يعبد... فهو لم يتقدم فى الوقت المناسب لحماية من يؤمنون به، تركهم لتحصدهم المتفجرات والمبانى المنهارة. 

وإذا كان رب المسلمين حق، فهو أيضًا إله لا يستحق أن يعبد... لأنه أمر أتباعه ومن يؤمنون به أن يقتلوا الناس لمجرد أنهم يختلفون معهم. 

الله بريء من كل هذا.

فالله الذى حرك من قتلوا هو إله من صُنْعِهم هم.

 والله الذى لم يحم من ماتوا وتركهم يخوضون فى تجربتهم هو إله من صنع من تخيلوا ذلك وركنوا إليه. 

الله الذى جعل نفسه فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه... هو الذى كان حارسًا للنبى محمد فى دعوته، كان مرشده فى رسم صورته الرحيمة. 

التفاصيل كثيرة والمنمنمات أكثر رحابة. 

لقد بذل النبى كل طاقته فى هداية قومه، كان يعز عليه أنهم لا يستجيبون له رغم أنه لا يدعوهم إلا للخير، وعندما ضاق بهم لم يفعل إلا أن لجأ إلى الله. 

كان خارجًا لتوه من طرقات الطائف التى طارده فيها أهلها، وتعقَّبوه بكلماتهم القاسية التى قدت من قلوب من حجارة. 

قال له أحدهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ 

وقال آخر: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك. 

التمس النبى عندهم الرحمة، طلب منهم ألا يخبروا قومه بما فعلوه معه، لكنهم لم يستجيبوا له، بل أغروا سفاءهم وعبيدهم فسبوه وصاحوا به وقذفوه بالحجارة حتى أدموه. 

لم يجد النبى إلا حائط الله فاستند إليه، رفع وجهه إلى السماء وبدأ يتحدث معه، بيقينه أن الله الذى تعهّد أن يعصمه من الناس لن يكله إلى أحد. 

أزاح النبى الناس جميعًا من طريقه ووقف أمام الله وحده. 

 قال: «اللهم أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس، أنت أرحم الراحمين وأنت ربى، إلى من تكلنى، إلى عدو يتجهمنى أو إلى قريب ملّكته أمرى، إن لم يكن بك علىَّ غضب فلا أبالى، غير أن عافيتك أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بى غضبك، أو تحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». 

يمكننا أن نكتفى من النبى بما قال، لكننا لن نتركه قبل أن نعرف ما جرى. 

اسمعوه وهو يحكى: انطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام. 

قال جبريل للنبى: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا به عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. 

اقترب ملك الجبال من النبى -صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا محمد قد بعثنى الله إليك لتأمرنى ما شئت، وإن شئت أن تطبق عليهم الأخشبين « الجبلين» لفعلت. 

لا أتخيل أن قدوم جبريل ومعه ملك الجبال إلى النبى كان من باب استجابة الدعاء، بقدر ما كان اختبارًا لطاقة النبى محمد وقدرته الإنسانية، وأعتقد أن النبى نجح فى الاختبار بامتياز، فلم يكن فظًا غليظًا فى أشد لحظاته ضيقًا. 

كان يمكنه أن ينتقم ممن أهانوه وظلموه وتعدوا عليه بالقول والفعل، لكن الرسول الذى جاء ليبذل السلام للعالم، رد على ملك الجبال بقوله: أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا. 

يتمثل لى فى هذا الموقف هدى النبى -صلى الله عليه وسلم- فى تعامله مع الناس جميعًا دون أن يفرق بينهم، فكلهم عنده سواء. 

لا يستجيب له قومه، فيدعو الله لهم مخلصًا فى دعائه: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون». 

وحتى يؤكد على المطلوب منه، يضع النقاط على الحروف: «إن الله أرسلنى للناس كافة». 

وقبل أن تسأله عن مراد الله من إرساله للناس كافة تجده يقول لك: «وأرسلنى رحمة للعالمين». 

وحتى يستوعب من يستقبلون دعوته حدود رسالته تجده يصف الناس بأن «الخلق عيال الله»، وحتى يكتمل بناء دعوته يمنحنا الحقيقة الخالدة التى لا تقبل تأويلًا: «أحب الناس إلى الله أنفعهم لعياله». 

لم يطلب منا النبى -صلى الله عليه وسلم- أن نكون رفقاء بعيال الله الفقراء المستضعفين المقهورين المعذبين فى الأرض، أعطانا درسًا عمليًا أعتقد أننا فى حاجة إلى أن نضعه أمامنا طول الوقت. 

ستجده وهو يضع نفسه بين الناس مساويًا لهم: «إنما أنا بشر مثلكم». 

وستجده رفيقًا بمن يتبعونه: «لست سيدًا لأحد إنما أنا عبد الله ورسوله». 

الدرس الأكبر يأتينا من حوار حى جرى بين السماء والأرض. 

لا عليكم إلا أن تتابعوا هذا المشهد الخالد الذى صاغته العناية الإلهية لتضع قواعدها راغبة ألا يفارقها الناس. 

فعندما أذاع النبى -صلى الله عليه وسلم- محمد دعوته وجهر بها، اقترب منه الفقراء والمستضعفون بحثًا عن ملاذ وملجأ ومأوى، أرهقتهم الحياة فقرَّروا أن يبحثوا لهم عن منقذ من أهوالها. 

جلسوا إلى النبى ولم يفارقوه... استمعوا منه ولم يحولوا عيونهم ولا آذانهم عنه، جعلوا منه قِبلتهم التى يعتصمون بها من جهالات من اعتبروا أنفسهم سادة عليهم بلا مبرر. 

رأى سادة قريش ضعفاءهم يلتفون حول محمد، فقرروا أن ينتزعوه منهم، ذهب إليه أحد أشراف مكة بالرسالة التى كانت مزلزلة وقادرة على نقل الدعوة إلى مكان آخر تمامًا. 

قال له: يا محمد إن أشراف قومك يرون أن يستمعوا لك، ولكنهم لن يجلسوا مع صعاليك مكة وفقرائها، فإن شئت أن تجعل لهم يومًا ولأتباعك يومًا. 

العرض واضح وصريح، وكثيرة هى كانت عروض سادة قريش. 

ألم يعرضوا على النبى قبل ذلك وعبر عمه أبى طالب أن يعبد إلههم يومًا ويعبدوا إلهه يومًا، فتنتهى الحرب بينهما، لكنه اختار طريقه وأصر على مشواره، وأعلن أنهم لو وضعوا الشمس فى يمينه والقمر فى يساره على أن يترك دينه ما تركه. 

العرض هذه المرة كان أقل حدة، فهم يعرضون على النبى أن يكون لهم يوم خاص بهم، ويكون للفقراء يوم آخر، فهم يريدون الإسلام لكنهم لا يرغبون فى الاختلاط بمن يعتبرونهم أقل منهم منزلة. 

لم يعط النبى كلمة قاطعة لمن جاءه يسعى وهو يسأل، طلب منه أن يعود إليه فى غد. 

هل كان يفكر النبى؟ 

أم إنه كان ينتظر كلمة فاصلة من السماء يأتى بها الوحى؟ 

أعتقد أن الله هدى النبى إلى الانتظار حتى يحسم الوحى الموقف، ليكون الرد سماويًا وليس اجتهادًا بشريًا. 

وفى الغد كان الشريف القرشى متلهفًا ومتشوقًا للرد الذى يمكن أن يجعل لرفاقه مكانًا على خريطة النبى، لكن القرآن رد عليه ما قاله. 

الموقف واحد، لكن الإجابة عليه سجلت فى موضعين من مواضع القرآن العظيم. 

فى سورة الكهف اسمع ربنا وهو يقول: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا». 

وفى سورة الأنعام اسمعه وهو يقول أيضًا: «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم فتكون من الظالمين». 

لقد أنقذ الوحى النبى -صلى الله عليه وسلم- من حيرته. 

هل لنا أن نتخيل الليلة التى قضاها النبى -صلى الله عليه وسلم- فى انتظار الرد الإلهى على عرض سادة قريش، رحمة النبى بقومه الأغنياء منهم والفقراء الأقوياء والضعفاء قد تجعله فى وضع من يفكر، فالصيغة يمكن أن تكون صالحة ولا ضرر منها أو فيها، وقد يكون الرسول فكر فى أن يقبل، لكن السماء كانت حاسمة، فمن يريد أن يقترب من الله، عليه أن يفعل ذلك دون شروط. 

اختزن النبى -صلى الله عليه وسلم- التجربة فى قلبه وعقله، ولذلك فقد اعتاد من بعدها أن يقابل أصحابه من الفقراء والمستضعفين بحفاوة ووجه باسم باسطًا لهم رداءه ليجلسوا فوقه وهو يقول لهم: « أهلا بمن أوصانى بهم ربى». 

الإنسان هو الغاية الكبرى لرسالة السماء الأخيرة، ولذلك لا يكتفى النبى -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة إلى بذل السلام فى العالم؛ بل يدعو إلى أن تسود المحبة بين الناس. 

اسمعه وهو يقول: «إذا أحب أحدكم أخاه، فليخبره بأنه يحبه». 

واسمعه وهو يقول أيضًا: « إذا آخى الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه ومن هو... فإنه أوصل للمودة». 

واسمعه وهو يقول لأصحابه موجهًا لهم إلى الوجهة التى يريدها: «إن من عباد الله أناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى». 

يسأله أصحابه: من هم يا رسول الله؟ 

قال لهم: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس.

ثم قرأ قوله تعالى: « ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون». 

إنه الحب إذن الذى جاء النبى -صلى الله عليه وسلم- ليبشر به. 

الحب الذى جعله الله عنوانًا لرسالاته السماوية وأفكار المصلحين الأرضية، لكن هناك من خطط لطمس هذا الحب وجعله لعنة تطارد الجميع، والغريب أنهم فعلوا ذلك باسم الله، رغم أن الله بريء منهم ومما يفعلون. 

لقد منح النبى -صلى الله عليه وسلم- الناس براحًا هائلًا فى علاقتهم بالله. 

أعرف أنكم تعرفون هذه المشهد الذى يتعانق فيه ما هو نبوى بما هو إلهى، لكن لا بأس من وقوفنا أمامه مرة أخرى. 

يقول النبى- صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحة بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فآيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع فى ظلها، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فاخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدى وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح. 

لله بعباده رحمة تضيع منها العقول وتتوه، وتخيلوا أننا نكون فى مكان هذا الرجل، لن نفعل إلا ما فعله، تضيق بك الحياة، فتعتقد أن الأبواب كلها أغلقت فى وجهك، وفجأة تنفتح كل الأبواب أمامك مرة واحدة دون سبب وبلا مبرر، فترمى بنفسك فى ساحة الله الواسعة. 

ولأن الأديان كلها تخرج من جذر واحد، فأنبياء الله جميعًا يمنحون عباد الله هذا البراح نفسه. 

فمن بين ما يروى عن نبى الله موسى -عليه السلام- أنه كان هناك رجلا- من قومه يؤذيه، وموسى يحاول أن ينصحه ليكف عنه شره، لكن الرجل كان يزداد فى الأذى. 

شكا موسى عليه السلام لله، قال: يارب إن فلانا فعل كذا وكذا... فيارب خلصنى منه. 

فأوحى الله إلى موسى قال له: يا موسى لقد جعلت عقابه عليك. 

حصل موسى -عليه السلام- على الإذن الإلهى، فرآه فى طريقه يومًا، وما أن أصبح أمامه وجهًا لوجه، وجده يسبه وينتقص منه، فغضب نبى الله، وقال: يا أرض خذيه. 

انشقت الأرض بأمر الله ونزل الرجل فيها حتى ركبتيه، فصرخ: يا موسى تبت، يا موسى أغثنى. 

ولأن الغضب كان عارمًا فى قلب نبى الله، لم يستجب، بل قال: يا أرض خذيه أكثر. 

غاص الرجل فى الأرض حتى رأسه وهو لا يزال يصرخ: يا موسى أغثنى، ونبى الله لا يستجيب، فأوحى الله إلى نبيه: يا موسى... ما أقسى قلبك، وعزتى وجلالى لو استغاث بى لأغثته. 

ستجد من يشكك فى هذه الرواية، سيعتبرونها من الإسرائيليات التى لا يجب أن نركن إليها، لكنها فى النهاية كاشفة ليد الله الرحيمة التى تشمل جميع خلقه. 

هل نصل بكم إلى المسيح عليه السلام؟ 

أعتقد أن الموقف مناسب جدًا، وأعتقد أنكم تذكرون قصة المرأة الخاطئة. 

ما رأيكم أن نفتح إنجيل يوحنا لنقرأ فيه معا. 

«أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون، ثم حضر أيضا إلى الهيكل فى الصبح، وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم، وقدم إليه الكتبة والفريسيون بامرأة أمسكت فى زنى، ولما أقاموها فى الوسط قالوا له: يا معلم هذه المرأة أمسكت وهى تزنى، وموسى فى الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم، فماذا تقول أنت؟ 

قالوا هذا ليجربوه، لكى يكون لهم ما يشتكون به عليه، وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض، ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض، وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين، وبقى يسوع وحده والمرأة واقفة فى الوسط.  فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدا سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك، أما دانك أحد؟

 فقالت: لا أحد يا سيد. 

فقال لها يسوع: ولا أنا أدينك... اذهبى ولا تخطئى أيضا. 

موجة الرحمات النبوية تصل بنا إلى النبى محمد -صلى الله عليه وسلم. 

ها هو هناك يجلس بين أصحابه، وبينما هو يتحدث إليهم يساق إليه رجل من المسلمين كان قد اعتاد شرب الخمر، ولم يكد أصحاب الرسول الجالسون معه يبصرون الرجل قادما، حتى يمسك بعض الصحابة بتلابيبه بعنف، حتى قالوا فى ازدراء وضجر، لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به شاربًا. 

لم يركن النبى -صلى الله عليه وسلم- إلى ما قاله أصحابه، ولم يسترح لما قالوه، قطع عليهم طريق إدانة الرجل، وقال لهم: لا تلعنوه إنه يحب الله ورسوله. 

بعد كل هذه الرحمات التى تظهر لنا على هامش حياة ومواقف الأنبياء جميعا، سنجد من يريدون مصادرتها لصالح الحديث عن منظومة عذاب قاسية وأبدية تنتظر من تزل قدمه فى الحياة الدنيا، ويستندون فى بناء هذه المنظومة على روايات وحكايات تراثية بعيدة عن حقيقة ما جرى. 

لا يمكننا أن نتجاهل أن من يخطئ أو تزل قدمه لا بُد من عقابه، لأن الله العادل لن يترك من أفسدوا فى الدنيا يفلتون بما فعلوه فى الآخرة، ولكن أغلب الظن أن كلام الأديان عن العذاب ليس إلا من أجل الردع، فالله أحن على عباده من هؤلاء الذين يبالغون فى تصدير صور العذاب لنا. 

أعتقد أن النبى -صلى الله عليه وسلم- لا يرضى عن هؤلاء الذين يخوفوننا من الله، لأن الله ليس كذلك، وهو ما يجعلنا نعيد النظر مرة أخرى فى كل ما فى تراثنا من كلام عن منظومة العذاب. 

لنجعل الناس يأتون إلى الله من باب الحب والرحمة... وليس من باب الترهيب والعذاب. 

 فنحن جميعا عياله... وأحب الناس إلى الله أرحمهم بعياله.