السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
انفراد القضية «١٧٣/٢٠١١ جنايات القاهرة» والتمويل الداخلى والخارجى "2"  حزب «مستقبل أيمن نور» البريطانى

انفراد القضية «١٧٣/٢٠١١ جنايات القاهرة» والتمويل الداخلى والخارجى "2" حزب «مستقبل أيمن نور» البريطانى

لم يكن لدىَّ يقين وأنا ذاهبة إلى مكتب (أيمن نور) بالزمالك والذى يقطن فيه أيضًا من خلال دورين متتاليين أننى أمام عميل عتيد سقط فى بئر الخيانة دون وساطة، كان ذلك فى شهر يوليو 99 من أجل الحصول على معلومات بشأن حزب روج له وقتها وأطلق عليه اسم (المستقبل) وقال إنه لتجهيز (جمال مبارك) لحكم مصر، ولقد وافانى بقائمة أسماء المنضمين لهذا الحزب تحت التأسيس وهم (خالد عبدالناصر، أحمد رسلان، رامى لكح، مخلص الصالحى، حسام بدراوى، نجيب ساويرس، خالد حامد محمود، طلعت القواس) وعدد آخر غير معروفين للمجتمع.



كان (نور) قد ساقه طموحه لنيل المال والشهرة دون أدنى حسابات لأى شيء سوى هو وبعده الطوفان، هذا ما جعلنا ندرك أن (القضية 173 جنايات القاهرة) لم تبدأ من تاريخ 2011، بل سبقت هذا التاريخ بعشر سنوات وإن كنت نوهت الحلقة السابقة كيف أعلنت السفارة الأمريكية بالقاهرة فى 2004 عن الأشخاص الذين حددتهم لنيل عطاياها من المنح الملوثة لتفكيك الدولة والأكثر أنها ساعدتهم على إنشاء مراكز وجمعيات كغطاء لنشاطهم، إلا أن المخابرات البريطانية قد سبقت فى زرع عملائها للقيام بنفس الشيء من أواخر التسعينيات ويعد (أيمن نور) من أهم هؤلاء العملاء..

وكان (نور) قد سعى فى مخاطبة المخابرات البريطانية بعد علمه أنها تساعد (جمال مبارك) فى التوريث لأنه تلقى تعليمه وتأهيله الاقتصادى على أرضها، إلا أنه بعد بُرهة كانت المخابرات الأمريكية عن طريق أشخاص مقربين من (جمال) وهم رجال أعمال كانوا الحلقة المسيطرة فى لجنة السياسات فيما بعد، أوحوا له بالاتصال بالإدارة الأمريكية ومخابراتها وكان ذلك منتصف عام 99 وهو التاريخ الذى بدأ فيه (أيمن نور) نشر مقالات مترجمة فى جريدة الوفد التى يعمل بها بعنوان (الطريق الثالث) والتى كتبها (تونى بلير) وزير خارجية بريطانيا وقتذاك، محاولًا فيها التقرب من الدول النامية التى لم تتحمل الاقتصاد الحر، ومع ذلك كانت الحكومة المصرية وقتها تطبقها بكل مساوئها مما أنتج عنها تآكل الطبقة الوسطى وازدياد الفجوة الطبقية بشكل مفزع، وهو ما دعا المفكر المصرى (سيد ياسين) يقول لى فى حوار معه مهم جدا (الدولة استقالت عن دورها.. فصارت قصور هنا وعشش هناك).

لم يكن (بلير) يريد المناطحة مع المارد الأمريكى ولكنه أراد أن يقدم نفسه المنقذ للمأزق الاقتصادى الناتج عن سلبيات الاقتصاد الحر والرأسمالية المتوحشة التى تريد أمريكا أن تكون منهاجًا عالميًا لا يترك دولة كبيرة أو صغيرة، من هذا المنطلق بحثت المخابرات البريطانية عن أرباب ينشرون نظرياتها ويجعلون مجتمعاتهم تتبناها، عند ذلك طلب منهم (نور) مساعدته ودعمه بكل الوسائل الممكنة ليصير قادرًا على توصيل رسالتهم وتطبيقها فى مصر وأن يجعلوا منه اليد الأهم فى توريث آل مبارك وذات حيثية فى هذا النظام القادم.

 حصل (نور) على دعم مالى بلا حدود من لندن جعله ينقل من الزمالك إلى ضفاف النيل فى عوامة فاخرة تقدر بالملايين وغير هيئته وسيارته، وأعلن عن الطريق الثالث بأريحية منقطعة النظير فى جريدته الحزبية التى تمثل التيار الليبرالى أو بمعنى أدق الرأسمالى لنراها تنشر النظرية البريطانية (الطريق الثالث) التى هى عبارة عن تجاذب بين اليمين واليسار والرأسمالية والاشتراكية، وتروج لما تبشر به النظرية البريطانية (الديمقراطية الاجتماعية) ومفرداتها (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) هكذا بدأ (بلير) بوضع النواة ليدخل (بيل كلينتون) على الخط وكان وقتها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وينادى بالتوفيق بين من يظنون أن الحكومة هى الحل وبين من يعتقدون أن الحكومة هى العدو، فقال (لقد وجدنا طريقا ثالثا) خاصة أن (كلينتون) وهو الرئيس الـ 42 لأمريكا من 93: 2001 يعتبر أول رئيس بعد انتهاء الحرب الباردة.

لم يرق لأهل الخبرة وعلى رأسهم (أسامة الباز) الذين كانوا يقومون بتأهيل (جمال)للرئاسة تلك المجموعة التى انطوى عليها (حزب المستقبل تحت التأسيس) بقيادة أيمن نور، وقيل إنهم مجموعة تقوم (بغسيل تاريخها) السابق وتسعى ألا يفوتها القطار السياسى القادم، وأنه رغم تركيبتهم التى تكشف تنوعًا فى الانتماء الجغرافى؛ حيث أتوا من محافظات (القاهرة، البحيرة، كفر الشيخ، الدقهلية، المنوفية) وأيضا فى تنوعهم المهنى والسياسى؛ إذ إن بينهم نوابًا فى مجلس الشعب ورجال أعمال وطبيبًا وابن الرئيس جمال عبدالناصر، فى حين قالت لى بعض من تلك الأسماء التى تريد الانخراط فى الحزب أن هناك شخصيات عامة وبارزة وصغيرة السن تدرس بالفعل الانضمام لهم وكانت الأسماء التى ذكرت لى هم من كونوا (لجنة السياسات المنبثقة عن الحزب الوطنى فيما بعد).

لكن هؤلاء الذين أطلق عليهم القائمون على (غسيل تاريخهم السياسى) وعلى رأسهم خالد عبدالناصر الذى كانت تطارده حادثة (الانقلاب على الحكم) فى نهاية عصر السادات والتى كان وراءها معمر القذافى، قاموا بوضع بعض الأفكار التى تندرج تحت (غسيل فكرى) بعد أن صارت الدولة تؤمن بالليبرالية والاقتصاد الحر وهذا يسوق إلى حرية الفرد ورفاهيته وإمكانية حدوث حراك اجتماعى جديد بعد اندثار بعض الطبقات ثم ربطوا هذا بالشكل الحزبى الذى كان يزعم (أيمن نور) أنه كيان متطور يفوق كل الأحزاب الموجودة التى ليس لها أدوات لتقتحم العمل السياسى الجديد.

والغريب فى الأمر أن (نور) الذى اعتمد فيما بعد الجمعيات الأهلية فى عمله السياسى المشبوه قال لى وقتها (لو أن الأحزاب السياسية الموجودة تفهمت أدوات العمل السياسى الحديث ما استطاعت جمعيات أهلية قليلة العدد أن تسحب بساطًا آخر من تحت الأحزاب بعد أن ترهلت وشاخت) لكن الحقيقة التى فاتت على (نور) أن بعض الجمعيات الأهلية وقتها وهى الممولة مثله والتى يراها منافسة له، كانت قد رفعت هى الأخرى شعارات سياسية وصارت تلعب سياسة بدلًا من طبيعتها المجتمعية الأهلية.

وبعد فترة تصل إلى شهور عن إعلان (تأسيس حزب المستقبل الذى سينتمى إليه جمال) قلبت أمريكا الترابيزة وطلبت من جمال فى زيارته عام 2000 أن يؤسس كيانًا لا يخرج عن نطاق الحزب الأكبر الذى ينتمى إليه الأب (مبارك) وأن يضم فيه رجال أعمال شبابًا وصفات أخرى مهنية مرموقة فى مجالات مختلفة ويمنحهم شكلًا مستقبليًا قادمًا ليتحمسوا له ولتوريثه، وبالفعل بدأ العمل فى كتمان حوالى العامين لتطفو على السطح (لجنة السياسات وينضم إليها الصفوة من كل صوب وحدب) وهنا بدأ العد التنازلى لتلاشى (حزب أيمن نور) ولم يعد له ذكر، وبدأت تحركات (نور) إلى لندن فى تزايد معلنا غضبه عن أنه قام بعمل جليل للمخابرات البريطانية ولكنها لم «توفيه» حقه السياسى ولم تطلب من أمريكا أن يكون ضمن جوقة (جمال مبارك).

كان (نور) يعلم العلاقة الوطيدة والتشابكية بين كل من المخابرات الأمريكية والبريطانية وأن كلاً منهما تتنافس لكنها تؤدى خدمات لعملاء الطرفين، وهنا تم الاتفاق بأن يؤسس (نور) حزبًا آخر باسم مختلف وينتظر الأوامر، لكن المجموعة التى كانت معه فى (المستقبل) استشعرت أن الأولى بها التوجه إلى لجنة السياسات ماعدا شخصيات قليلة وجدت أنه لن يكون مرحبًا بها مثل (خالد عبدالناصر ورامى لكح وساويرس وآخرين) فى حين انضم (حسام بدراوى والقواس) للجنة السياسات.

ونعود لـ (نور) الذى كان كل همه ألا يفقد عمالته ومردودها المالى والدعم الحقوقى المزيف المبنى على خيانة الأوطان، وعندما طلب منه تجهيز نفسه لينزل ساحة الترشيحات أمام (جمال) فى 2005 كانت أمريكا قالت رأيها بأن الوقت لم يحن وعلى الأب (مبارك) أن يستمر ويخوض الانتخابات بشكل ديمقراطى جديد بأن يكون أمامه منافس وكان(نعمان جمعة) للتقارب فى السن ومن ناحية أخرى يغسل الوفد سمعته من المقالات المترجمة التى نشرها أيمن نور على صفحات جريدة الحزب والتى تحمل عنوان (الطريق الثالث) الذى لا يتماشى مع فكر لجنة السياسات الجديدة التى منحت رجال الأعمال امتيازات تفوق الخيال.

عند ذلك، لم ينسحب (نور) من المشهد الانتخابى معلنا أنه مرشح رئاسى عن حزبه الجديد (الغد) والذى أسسه بسرعة جنونية بتوكيلات مزيفة ليلحق بركب السلطة أو بمعنى أصح كان يريد من الدولة أن تسترضيه بأى منصب بعد أن أفقدته (صفقة القرن) بالنسبة له وهى المشاركة فى توريث جمال والحصول على قطعة من تورتة السلطة محصنا نفسه بأنه العميل المدلل لبريطانيا، فشل نور وتم فضحه بالتوكيلات المزورة ولكن للأسف لم تعلن خيانته وعمالته فقط زج به سجينا، وبعدها تدخلت المخابرات الأمريكية من واقع التعاون بينها وبين المخابرات البريطانية التى طلبت منها الضغط على مصر لخروج أيمن نور من السجن لأنهم لا يتركون عملاءهم الخائنين دون مساعدة، وخرج نور بإعفاء طبى ليس صحيحًا، ليعود لنا من الباب الخلفى فى يناير 2011 محملا بزكايب أموال العمالة ويكون ضمن الصفوف الحزبية والنشطاء السياسيين وكل الصفات الممكنة المدفوعة الأجر ليستكمل دوره الذى قبض من أجله ملايين الدولارات فى شكل منح معلنة ودعم مستتر، ومازال ممولا من كل جهاز مخابراتى يطلب منه العبث فى وطنه والحصول على الثمن حاملًا لقب ناشط سياسى وحقيبة تريد المزيد من الأموال ثمن وحل الخيانة ضد بلده وناسه.