الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
يابيوت السويس «نستشهد تحتك وتعيشى أنتِ»!

يابيوت السويس «نستشهد تحتك وتعيشى أنتِ»!

فى الرابع والعشرين من أكتوبر من كل عام تحتفل مصر بعيد المقاومة الشعبية لمدينة السويس، أو ما تعارفنا على تسميته بمعركة ستالينجراد المصرية، حيث نجحت حفنة من العسكريين بمعاونة بضع مئات من المدنيين، نجحوا فى سحق ودحر ما يقارب فرقة إسرائيلية كاملة بما فيها لواء مظلات، ذلك السلاح المعروف أنه الأكثر شراسة فى الجيش الصهيونى وأوقعت بها خسائر بشرية فادحة قاربت المائة رجل غير الجرحى وبخلاف طوابير من الأسلحة المدمرة لتخرج البقية الباقية من الغزاة تحت جنح الظلام موقعة على صك هزيمة غير مكتوب تاركة المدينة من غير رجعة لتنفض السويس عن نفسها - من جديد - غبار الخراب والدمار والحروب الطويلة المتتالية معلنة ومؤكدة أن.. المجد للحياة.



 

يحسب معظمنا أن السويس واحدة من المدن الحديثة التى خلقها حفر القناة، بينما الحقيقة أن تاريخها الحقيقى يعود إلى العصور الفرعونية السحيقة، حيث كانت نقطة البداية لكثير من الرحلات التجارية والاستكشافية التى قام بها المصريون القدماء، وقد عاشت مراحل مختلفة ومتعاقبة من نوبات الغفلة، ثم الصحيان الحضارى حتى جاءت نهضتها العملاقة الأخيرة فى عهد الخديو إسماعيل الذى أعاد بناءها على أسس حديثة وأكمل وطور خط السكك الحديدية الخاص بها والذى بدأه سلفه الوالى محمد سعيد باشا وبالمناسبة هو الأقدم فى تاريخ سكك حديد مصر وليس خط الإسكندرية كما يعتقد معظمنا! كما شهدت المدينة لاحقًا وصول مياه النيل إليها لأول مرة فى تاريخها من خلال حصتها فى ترعة الإسماعيلية التى تم شقها لاستكمال أسباب حفر القناة لتكتمل لها بذلك سبل الحياة، تلك الحياة التى قررت «روزاليوسف» أن تسترجع بعض جوانبها وتعيد عرضها على أبناء مصر فى ذكرى.. عيد السويس.

مع نشأة الميناء الحديث وبدء حركة النقل الملاحى العالمى وبالتبعية ازدهار النشاط التجارى بالمدينة تواجدت جاليات أجنبية من العالم كله، وهو ما ظهر واضحًا فى نقل الكثير من المرادفات الحضارية الواردة من الغرب من ثورة صناعية ونهضة معمارية وتقنيات وأزياء ونقل عادات وامتزاج لغات وعشرات من العناوين الأخرى كان منها إن لم يكن على رأسها «صناعة الصحافة» التى بدأتها جاليات السويس الأجنبية وتحديدًا اليونانيون ثم الطلاينة فى نهايات القرن التاسع عشر، ثم اقتحم الوطنيون أبناء البلد مضمار الصحافة الإقليمية وقد اخترنا واحدًا من أندر وأقدم صحف السويس القديمة وهو «السويس الناهضة» الذى صدر العدد الأول منه فى بدايات عام 1924 وهى الصحيفة التى اخترناها لننقل منها مقتطفات متنوعة تقدم لنا وتوضح كيف كانت الحياة فى «بيوت مدينتى» قبل مائة عام.. إلا قليلاً.

كالعادة، فإن «ترويسة» أى جريدة هى بطاقة التعارف التى تقدم بها تلك الجريدة نفسها إلى قرائها، حيث نعرف من المعلومات التى تتضمنها توقيت صدورها والغرض منه والحيز الجغرافى ليس لمجرد توزيعها، بل أيضًا لاهتماماتها وأخبارها فالسويس الناهضة، وكما ذكرت عن نفسها نصًا «جريدة أسبوعية» للدفاع عن مصالح السويس ومنطقة القنال وسواحل البحر الأحمر»، إذا كان تواجدها وتوزيعها هناك أمرًا مفهومًا ومنتظرًا، فإن الغريب والمثير هو امتدادها إلى سواحل البحر الأحمر وهى السواحل التى كانت تعنى فى الأساس مدينة القصير فى أقصى الجنوب، حيث كانت الغردقة حينذاك نقطة شبه مجهولة لا يتواجد بها سوى عدد مفرط القلة من العاملين فى مجال التعدين، بينما كانت العاصمة ومكاتب الإدارة وبقايا الميناء والأنشطة التجارية خاصة الشركات الإىطالية العاملة فى المحاجر والتعدين، كان كل هذا بما يتبعه من كثافة سكانية نسبية، كان كل هذا متمركزًا بمدينة القصير التى شكلت جزءا مهمًا ونسبة لا يستهان بها من أخبار جريدة السويس الناهضة.

تكشف لنا الترويسة أيضًا أن عدد صفحات الجريدة هو أربع فى الظروف العادية تزداد إلى ست وربما ثماني فى الأعداد والمناسبات الخاصة بسعر خمسة مليمات أو نصف قرش للعدد، وهو نفس سعر الصحف القاهرية الكبرى مثل المقطم والأهرام والوطن ومصر وغيرها، أما عنوان الإدارة فكان يقع قريبًا من الميناء وتحديدًا فى 3 شارع الورشة وكان المدير المسئول هو نفسه صاحبها ابن السويس الأستاذ حسن صابح الجداوى.

اشتمل متن الصحيفة على الهيكلين الأساسيين وهما الأخبار والتحليلات من ناحية، والإعلانات والإشارات التجارية من ناحية أخرى، وكلاهما يعكس بدقة متناهية تفاصيل الحياة السياسية والثقافية والتجارية للمدينة.. من العدد رقم 16 والصادر يوم 24 أكتوبر، أى نفس يوم عيد السويس القومى، ولكن عام 1924 أى قبل 96 عامًا كاملة كتب صاحب الجريدة ورئيس تحريرها ومديرها المسئول تحت توقيع «سويسى»، كتب افتتاحيته التى حملت عنوان «خطاب مفتوح لجناب حكمدار بوليس السويس» ولأن الحكمدار كان قد تسلم مهام عمله قبل أيام من صدور العدد، فقد وجه إليه الجداوى بعد التحية والمباركة المعتادين الكثير من النصائح، موضحًا له أحوال البوليس بالمدينة وأنه فى حاجة إلى المزيد من الارتقاء والإصلاح، حيث كشف له عن قسوة بعض رجال الأمن فى التعامل مع الجمهور وكذلك إهمال البعض الآخر لمظهره وخلو العديد من الشوارع خاصة تلك الواقعة فى الأطراف من رجال البوليس، مما يشجع الأشقياء على ارتكاب المزيد من الجرائم.

تمتلئ الصفحات الداخلية لنفس العدد بأخبار متنوعة منها ما هو اجتماعى يتحدث عن ظاهرة إخفاق الكثير من حالات الارتباط الزوجى الحديث بالمدينة، وذلك بسبب «طيش الشباب وسوء اختيارهم لشريك الحياة»! وكذلك عمود كامل عن الحالة الصحية بالمدينة التى يعترف محرر العمود أن المجلس البلدى يبذل جهودًا مضنية للحفاظ على نظافتها إلا أنه يمكن الحصول على مستوى أفضل إذا تم بذل مجهود إضافى سوف يؤدى إلى «تميز السويس بين غيرها من كبريات مدن القطر المصرى».

من عالم «الرياضة والألعاب البدنية» لدينا ومن نفس العدد خبر مشوق ومثير تحت عنوان «حياتنا الرياضية» ومن خلاله نعرف بوجود كيان كروى ورياضى باسم «فريق النهضة المصرية لكرة القدم»، كان وكيل مؤسسيه هو إبراهيم أفندى أحمد الصباغ وكان الغرض الأول والأساسى له هو «ترقية الحالة الرياضية بالمدينة».

الخبر الأخير الذى ننقله من العدد هو مزيج من الصحافة والترفيه معًا، كما يحمل فى طياته وبين سطوره الكثير من المعانى التى سنحاول قراءتها، الخبر هو «مسابقة العدد» والتى احتوت على أسماء الفائزين فى مسابقة العدد الرابع عشر، ثم أسئلة العدد الجديد.. الخبر يحمل الكثير من الدلالات لعل أوضحها ذلك التمثيل النسائى البارز فلدينا قبل حوالى قرن فتاتان تطالعان الصحف وتشاركان فى أنشطتها الثقافية وتحصدان جوائزها، أما الأكثر دلالة ورقيًا فهو أن إحداهما تعمل موظفة بمحل شأنها شأن الفتيات الأجنبيات.. من الأمور التى نخلص إليها أيضا هى ذلك التمثيل الاجتماعى المتكامل لكل الفئات، ما يعكس وجود جمهور عريض للجريدة سواء من أبناء تلك الأماكن البعيدة أو من السوايسة المقيمين فيها.

 

من عالم الأخبار إلى كنوز الإعلانات وما تحمله من أسرار ومعلومات تكشف لنا بجلاء خبايا ودوافع المجتمع السويسى قبل قرابة مائة عام مضت وهى إعلانات نعاود قراءتها من العدد رقم 20 لنفس الجريدة - السويس الناهضة - والصادر فى 21 نوفمبر 1924 وكانت الإعلانات فى العادة تتمركز فى الصفحة الأخيرة وتحتل الجانب الأكبر منها.

كان أول المعلنين هو أحد «أرقى أصناف البضاعات المتنوعة»، والذی جاء فيه نصا: «اقصدوا محلات محمد عبدالجواد أبوالعينين وشركاه. شارع إيواز بك بالسويس والحربية بالأربعين تليفون نمرة 190. مانيفتورة جميع الأنواع - حراير - أصواف - مفروشات - موبيليات - نحاس - مصاغات توت عنخ آمون ذهب وفضة دمغة ميرى وبالاختصار كافة ما يلزم العائلات والجهازات.. شعارنا البيع الكثير والربح الطفيف ورضاء الجمهور غاية قصدنا»، يلفت النظر أنه فى هذا الوقت المبكر وفى مدينة مهما كانت أهميتها، فإنها كانت صغيرة ومحدودة السكان والمساحة، يوجد لمحل مانيفتورة فرعان، مما يوضح لنا نمو وازدهار الحركة التجارية وإقبال الأهالى والزوار على الشراء وهو ما يعكس المستوى الاقتصادى وحالة الرواج للمنطقة كما نلحظ أيضا تشبيه موديلات ورسوم المصاغات بما تم اكتشافه حديثا جدا فى مقبرة توت عنخ آمون وهو ما يشير إلى أن المتحكمين فى سوق الذهب بالقاهرة وكان معظمهم من اليهود إن لم يكن جميعهم، وعلى ذكر اليهود أيضا نكتشف وجودهم من جديد وبشكل غير مقصود من خلال ذكر الإعلان لشعارهم ومبدأهم الشهير «شعارنا البيع الكثير والربح الطفيف»، ولا يخفى طبعًا أن هذا الشعار هو الذى شيد إمبراطورية اليهود الاقتصادية على مستوى العالم.

من مانيفتورة أبوالعينين إلى مطبعة مرسى فهمى عوض أو المطبعة الوطنية بالسويس وهذا هو اسمها الرسمى والتجارى.. مبدئيًا فإن وجود مطبعة بمدينة صغيرة قبل قرن كامل تقريبا يعنى أول ما يعنى نهضة حضارية وصحوة ثقافية، فالمطبعة هى مطعم الأفكار ومقهى الحريات وكافيتريا الديمقراطية وحديقة التقاء كل الأضداد، فهى تقدم الورق المطبوع فى صوره المختلفة، ربما - بل من المؤكد - أن جانبًا منه مطبوعات حكومية وتجارية حتى تستطيع المطبعة وهى فى أول الأمر ونهايته منشأة تجارية، أن تحقق لها عائدًا وربحًا يضمن لها البقاء والاستمرار فى مهمتها وتأدية رواتب عمالها والفنيين الذين يديرونها، ولكن فى المقابل فإن الجانب الآخر من المطبوعات هو مادة ثقافية فى شكل صحف ومجلات وكتب متنوعة ليس باللغة العربية وحدها، ولكن بأكثر من لغة أجنبية خاصة اليونانية وذلك لوجود جالية أجنبية ضخمة وصلت فى السويس وطبقا لإحصاءات السكان فى عام 1917 إلى نحو 3٪ من مجموع السكان وذلك بخلاف عشرات الألوف من جميع الجنسيات الذين كانوا يمرون على المدينة لمدد تقصر أو تطول كبحارة وتجارة وزوار على مدار العام.

 

نطل الآن على وثيقة جديدة بالغة الندرة ويعود تاريخها إلى عام 1899 وسبب ندرتها أنها من الوثائق القليلة التى تتحدث عن ميناء جديد لم يكتمل بالمدينة هو «بورت إبراهيم» وعملية إنشاء موضع للجمارك به وهى عبارة عن أمر شغل بالحفر والإنشاءات لمقاول مصرى اسمه المعلم حسين عفشة.

مستند جديد تنفرد به روزاليوسف عبارة عن خريطة على ورق «كلك» تعود إلى عام 1893 ويضم مجموعة من أشهر معالم وشوارع السويس حينذاك وعلى رأسها مبنى وشارع المساجرى الشهير وكذلك شوارع يوسف محرم والسوق العمومى.

من يوليو عام 1899 ننفرد بنشر مذكرة تخص طلب تقدم به الوزير والسياسى اليهودى الشهير يوسف بك - باشا لاحقا - موصيرى لإنشاء محطة سكة حديد جديدة على مساحة فدانين تقع بين محطتى المحسم ونفيشة بالقرب من الكيلو 98.. مذكرة جديدة بخصوص طلب آخر ولكن المتقدم به هذه المرة هو اللورد كرومر شخصيا - المعتمد البريطانى لدى مصر - والخاص برغبته فى شراء قطعة أرض من أملاك الميرى - أى أملاك الدولة - لبناء كنيسة للطائفة الإنجيلية الإنجليزية عليها بميدان المساجرى وكانت مساحتها 723 مترًا وقد تم تسعيرها بواقع مليم أى عشرة قروش للمتر الواحد بإجمالى سعر 72 جنيها وكسور وكان ذلك فى يوليو من عام 1800.

امتدادا للتعريف بالطوائف الدينية الموجودة بالسويس حينذاك لدينا وثيقة جديدة تعود إلى نفس العالم وتخص طلب لراهبات الراعى الصالح بالسويس لشراء قطعة أرض تتعدى مساحتها الفدانين - 8872 مترًا تحديدا - لبناء مدرسة ومحل لتربية الأيتام عليها طبقا للشروط المعمول بها من الحكومة الخديوية الجليلة».

أخيرا بيان مهم وتاريخى يوضح بدقة بيان «محلات الحكومة» - أى المبانى الحكومية - الكائنة بمدينة بورتوفيق من مساجد ومستشفيات وصهاريج مياه وجمارك وخفر سواحل ومصلحة الليمانات والفنارات وغيرها من الأنشطة الحكومية المتنوعة وكذلك أنشطة الشركات والتوكيلات الملاحية والتجارية التى تشرف عليها وتديرها بمعرفتها.