الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

حيل «السناتر التعليمية» للهروب من الداخلية

مراكز غير مرخصة – لا ضرائب ولا رقابة- ومعلمون لا يخضعون للوزارة، مجهولو الهوية مجهولو التوجه، وطلاب أغمضوا أعينهم وصموا آذانهم عن تطوير التربية والتعليم ومنصاتها التعليمية وكتبها التفاعلية، وأولياء أمور يصرخون من الأعباء المالية ويقدمون فى ذات الوقت أبناءهم بأنفسهم لقمة سائغة لأباطرة الدروس الخصوصية.. أهلًا بكم فى  السنتر التعليمى!



 

47 مليار جنيه فى العام فاتورة الدروس الخصوصية للمصريين، تذهب لجيوب مافيا المراكز التعليمية، والأباطرة.. حوت الكيمياء ووحش الفيزياء وأسطورة اللغة الإنجليزية - وفقًا لآخر إحصاءات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء –

«على أولياء الأمور عدم إرسال أبنائهم إلى السناتر التعليمية  للقضاء على أباطرة الدروس الخصوصية، وحفاظًا على العملية التعليمية والصحة العامة، وعدم إهدار أموالهم» نداء متكرر للأسر المصرية من الدكتور طارق شوقى وزير التربية والتعليم لم يجد من يلقى السمع.

الدولة قبل أن تطلق نذير الحرب على مراكز الدروس الخصوصية حماية لأبنائها وفرت البدائل. طرحت بنك المعرفة ومنصة «إدمودو» التعليمية والتى حظيت باشتراك 12 مليون طالب ومليون معلم ومليون ولى أمر - بحسب وزارة التربية والتعليم - ومؤخرًا أعلنت عن إطلاق مجموعات التقوية بالمدارس.

 المداهمات الأمنية المتلاحقة وتشميع المراكز التعليمية فى ربوع مصر، والتى أسفرت عن غلق 3000 سنتر على مستوى المحافظات منها 566 بمحافظة الجيزة فقط! 

- وفقًا للدكتور خالد حجازى وكيل التربية والتعليم بالجيزة - لم تثنِ مافيا الدروس الخصوصية عن مواصلة نشاطها، وبعد عودة الحياة إلى طبيعتها عقب إجراءات كورونا انتهجت «السناتر» التعليمية حيلًا جديدة للعودة لنشاطها دون أن تقع فى قبضة الأمن..«روزاليوسف» قامت بتجربة ميدانية فى ربوع محافظتى القاهرة والجيزة - صاحبتا النصيب الأكبر من الدروس الخصوصية- لتكشف حيل المراكز التعليمية للهروب من الملاحقات الأمنية

مبنى محصن ومخرج آمن!

منذ أن تطأ قدماك منطقة دار السلام جنوب القاهرة تستطيع أن تشتم رائحة الدروس الخصوصية، فالمراكز التعليمية منتشرة بكثافة الجميع -المواطنون وأصحاب المحلات التجارية- يتطوعون لمساعدتك للوصول إليها من باب مساعدة جيرانهم.

من مركز التحرير أحد «السناتر التعليمية» المعروفة بضمها لمشاهير الدروس الخصوصية كانت البداية، مبنى مكون من طابقين يضمان 6 قاعات متباينة المساحة، تستوعب كل منها من 30: 50 طالبًا، محصن ضد المداهمات الأمنية بثلاثة أبواب حديدية أحدها للسلم والآخر لمدخل المبنى الآخر، ومخرج آمن للمدرسين والطلاب فى حال وصول الشرطة.

المسئول عن المركز واستقبال طلبات الحجز قال لنا بعد أن أخبرناه برغبتنا فى حجز دروس الصف الثالث الثانوى، إن المركز يعمل من الساعة التاسعة  صباحًا حتى العاشرة مساءً، وتبلغ قيمة الحصة الواحدة فى كل مادة 55 جنيهًا، مؤكدًا على أن الحجز والدفع يكون كل يوم وليس كما هو معتاد شهريًا، بسبب الملاحقات الأمنية المستمرة لمراكز الدروس الخصوصية و«الوضع اللبش» - بحسب تعبيره-، لكنه استدرك الأمر وحرص على أن يطرد القلق المصطنع الذى ارتسم على وجوهنا مشيرًا إلى أن هناك اتفاقًا بين إدارة المركز وعدد من موظفى الحى التابع له لإبلاغهم مسبقًا فى حال توجه أى حملة للمنطقة.

الناضورجى من أجل الكبسة:

«الأكاديمية» أحد أكبر مراكز الدروس الخصوصية الشهيرة، حيث يتكون المقر من 5 أدوار كاملة يضم كل دور ما بين 3 إلى 5 قاعات، ويمتاز موقعه بقربه من مجمع المدارس الذى يضم كل المراحل التعليمية. الواجهة عبارة عن «مقهى» تحت اسم «دريم»، جزء من رواده أفراد أمن يعملون لصالح المركز لرصد أى حركة غريبة، بالإضافة إلى «الناضورجية»، ففى حين يقف شاب عند مدخل الشارع الجانبى المؤدى للمركز يجلس الآخر على بوابة المبنى لإبلاغ مسئولى المركز بأى حركة مريبة فى الشارع.

قبل صعود المركز قالت لنا ولية أمر تواجدت للحجز لنجلتها إن المركز يضم عددًا كبيرًا من أباطرة الدروس الخصوصية، مضيفة أن المعلمين يتنقلون فى مقار مختلفة تابعة لعدة «سناتر تعليمية» - بسبب التضييق الأمنى- وأنهم كأولياء أمور يتتبعون حركتهم بين المراكز المختلفة لاقتفاء أثرهم واللحاق بهم، أينما ذهبوا من خلال مجموعات خاصة على فيس بوك.

مسئول الحجز ويدعى «شريف» قال لنا إن هذا المركز يضم نخبة من أهم المعلمين وأن لديهم معلمة تابعة لوزارة التربية والتعليم – قالها بفخر- ما يكشف أن معظم المدرسين المتعاقدين مع المركز من غير العاملين فى الوزارة، وهو نفس الأمر الذى أكده لنا أحد أولياء الأمور.

مسئول المركز أبلغنا بأن سعر الحصة الواحدة 60 جنيهًا لكل المواد منوهًا أنه تم إيقاف جميع الدروس «الأون لاين» بقرار من المدرسين، مختتمًا حديثه بأن المركز يراقب الوضع جيدًا وله فى كل مكان شخص يؤمن المنطقة! 

كشرى الفيزياء

فى منطقة حدائق المعادى توجهنا إلى عنوان مركز «الهيثم» وفقًا لما أخبرنا به أهل المنطقة، فى البداية لم نعثر على ما يدل عليه وتلاحظ لنا وجود بيت قديم يبدو مهجورًا مكون من ثلاثة أدوار، لا يمكن أن يظن أحد أنه «سنتر تعليمى»، لكن أحد مطاعم الكشرى المجاورة له أكد لنا أنه مركز للدروس الخصوصية وقدم دعاية له، لنكتشف أن هذا المطعم ومطاعم أخرى مجاورة هي حلقة الوصل بين الطلاب وأولياء الأمور والمركز، حيث تستخدمهم الإدارة فى الوصول للمركز بسرية تامة أثناء الحصول على الطعام، إضافة للكاميرات التى تراقب وتؤمن الشارع الرئيسى والمنزل من الخارج.

 «الهيثم» المتخصص فى الصف الثالث الثانوى فقط يتبع ذات السياسة، الحساب بالحصة فى هذه الفترة والتى تبلغ قيمتها خمسون جنيهًا ترتفع فى بعض مواد الشعبة العلمية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والأحياء.

مسجد ودور مهجور

«الرحمة» ليس اسمًا لـ«سنتر تعليمى» وإنما هو مسجد فى منطقة عرب المعادى يضم طابقًا علويًا لا يزال تحت الإنشاء، أحد عمال النظافة التابعين للمسجد أصر أن يرافقنا فى محاولة صعودنا لاستكشاف الطابق العلوى الذى أثار ريبتنا،  لنجد أمامنا سيدة فى العقد الرابع من عمرها تتفحصنا بنظرات مريبة دون أن تنطق إلا بكلمة واحدة «العدد مكتمل»!  

قبل أن تصطحبنا إلى الأسفل خارج المبنى وتودعنا قائلة «مافيش مجموعات فاضية حاليًا»  لنكتشف أنهم يستخدمون المسجد كستار لمركز دروس خصوصية بلا لافتة لعدم إثارة الشكوك.

التنمية البشرية.. ميمى!

 

كيف تغير حياتك للأفضل! فى منطقة البساتين يمكنك أن تجد ضالتك فى مركز «الميمى» للتنمية البشرية المتخصص وفقًا للافتته فى عقد دورات تدريبية فى مجال إدارة الذات، لكنك بمجرد دخولك  للمبنى المكون من طابقين، ستكتشف أنه «سنتر تعليمى»! بدأ العمل فعليًا فيه منذ شهر أغسطس الماضى.

 إحدى المعلمات العاملات بالمركز أعلنت اعتراضها لمسئولى المركز أثناء تواجدنا على دخول الحصة المقررة بالطابق الأرضى حتى لا تكون أول من يقبض عليها عند المداهمة، قبل أن يطمئنها المشرف وتتعالى الضحكات! 

حضانة ثانوية عامة

إحدى ورش الحدادة فى منطقة مصر القديمة، كانت بوصلتنا للوصول للمركز التعليمى المتواجد فى المنطقة بالقرب من شارع المدارس، لكن المفاجأة أننا لم نجد له أثر، وكل ما وجدناه هو حضانة تحت اسم «الرحاب» بابها الحديدى موصد، لكن صاحب الورشة الذى عدنا إليه أكد لنا أن الحضانة هى نفسها المركز، وأنهم متواجدون بالداخل، واصطحبنا وقام برن الجرس، لتظهر سيدة منتقبة بصحبة أطفال صغار، سمحت لنا بالدخول على مضض، وأغلقت الباب مرة أخرى، قائلة «إن المركز التعليمى يعمل بعد الثانية ظهرًا، وأن الشقة - المقر- تعمل بالفعل كحضانة فى الفترة الصباحية، وأن وجود لافتة الحضانة فقط للاحتياط.

السيدة المنتقبة أخبرتنا بعد أن أتصلت بأحد الرجال -الذى تبين فيما بعد أنه صاحب الشقة- بأن عدد المجموعات مكتمل، ولا يمكن استقبال المزيد من الطلاب بسبب ضيق مساحة الشقة، لكنها نقلت لنا اقتراحه بعمل مجموعة من 10 طلاب يدفع فيها الطالب 70 جنيهًا فى الحصة الواحدة، ويكون موعدها فى نفس مواعيد الحضانة الصباحية! 

خطة الهروب 4/4

«لا يوجد أى محاضرات حاليًا بالسنتر.. والسنتر مفتوح فقط للاستفسار» لافتة معلقة فى إحدى حارات منطقة الطالبية التابعة لشارع الهرم، بمجرد دخولنا للحارة تلاحظ لنا وجود مجموعة من الشباب ذوى الأجسام الضخمة يرتدون ملابس سوداء موزعين على مدخل ووسط الحارة التى يقع فيها سنتر «المصرى» التعليمى.

الطلاب يترددون على المركز لحضور الدروس الخصوصية - رغم اللافتة المضللة - لكن ليس فى نفس المبنى، إذ إن إدارة السنتر لجأت إلى حيلة باستغلال مبنى سكنى مجاور مكون من طابقين يضم 3 قاعات تتسع الواحدة منها لنحو 200 طالب وطالبة، حتى إذا حدثت مداهمة من رجال الشرطة لمقر السنتر فلن يجدوا أى نشاط يذكر.

عندما طلبنا من سكرتارية السنتر جدول حصص الصف الثالث الثانوى أخبرتنا الموظفة بأن سعر الحصة 40 جنيهًا بالإضافة لشراء ملزمة بـ10 جنيهات وكتاب بـ 60 جنيهًا، أما الصف الأول والثانى الثانوى تبلغ فيه سعر الحصة 50 جنيهًا، بالإضافة لشراء ملزمة بـ15 جنيهًا وكتاب بـ70 جنيهًا، وتابعت فى محاولة للدعاية للمركز: «لو فى حد عندك في  المرحلة الإعدادية والصف الأول والثانى الثانوى السنتر هنخصص لهم أسبوعين حضور مجانًا، كنوع من تشجيع الطلاب على الحضور» مؤكدة أن الأسعار لم تعلن بعد للمرحلة الإعدادية.

مع خروج الطلاب من المبنى المجاور للسنتر، كان أغلبهم لا يرتدون الكمامة ولاحظنا وجود شخص تابع للسنتر يشرف على خروج الطلاب بحيث يخرج 4 طلاب وعند وصولهم إلى منتصف الحارة يخرج 4 آخرون وهكذا حتى يخرج الجميع! فى منتصف الحارة يقف شابان دورهما انتظار الإشارة من الشاب الذى يؤمن مدخل الحارة، للسماح بمن وصلوا للمنتصف بتكملة المسير، وبمجرد وصول الطلاب إلى مخرج الحارة يطالبهم الشاب القابع هناك بالانصراف سريعًا، ولا يسمح لهم بالوقوف وتبادل الأحاديث.

بين الجناين..كلمة السر: «زحمة»

«بين الجناين» مركز تعليمى يقع فى أحد الشوارع الجانبية من شارع العريش الذى يتوسط منطقتى فيصل والهرم. الازدحام المعتاد بالشارع الذى يعد أحد أشهر الشوارع التجارية بالمنطقة سهل الأمر على إدارة «السنتر»، وجعل حركة الطلاب آمنة، وبنفس النهج السابق حرصت الإدارة على تعليق لافتة دونت عليها أن السنتر مفتوح للاستفسارات فقط دون وجود محاضرات.

داخل مقر المركز يجلس شخص يراقب المترددين على الشارع أمامه طاولة يضع فوقها استمارة الاشتراكات بالسنتر للمرحلة الإعدادية وللمرحلة الثانوية. لفت نظرنا خروج ودخول مجموعة من الشباب لشارع مظلم مجاور للمركز، وعند دخولنا رأينا إضاءة طفيفة تأتى من مبنى مكون من ثلاثة طوابق، تبين أنه مقر الدروس الخصوصية التابع للسنتر التعليمى، يجلس خارجه مجموعة من الشباب بالإضافة إلى مجموعة أخرى تجلس بالداخل، وأمام المبني  يجلس طفل وضع طاولة صغيرة أمامه لبيع الكمامات والأقلام للطلاب المترددين على السنتر.

أسعار الحصص الدراسية أخبرنا بها مسئول المركز بعد أن ادعينا أننا نريد الحجز لأشقائنا فى المرحلتين الإعدادية والثانوية حيث قال: إن المرحلة الإعدادية الحصة فيها بـ 30 جنيهًا شاملة الملزمة، أما الصف الأول والثانى الثانوى فتبلغ قيمة الحصة فيه 45 جنيهًا، وتصل فى الصف الثالث الثانوى إلى 50 جنيهًا وفى بعض المواد 55 جنيهًا، على أن تبدأ الحصص من الساعة 10 صباحًا حتى 8 مساءً، أى قبل انتهاء موعد إغلاق المحال التجارية الذى حددته الحكومة المصرية فى العاشرة مساءً، خوفًا من اكتشاف أمرهم بعد توقف الحركة التجارية وعودة الشارع للهدوء.

مبنى الدروس الخصوصية مكون من 3 قاعات كبيرة تتسع الواحدة لـ300 طالب، لكنه لا يُسمح إلا بدخول 150 فى القاعة الواحدة - وفقًا لمسئول المركز- وهو ما نفته عدد من الطالبات اللاتى تحدثنا معهن وأكدن أن العدد فى الحصة يتخطى الطاقة الاستيعابية -300 طالب - منوهات أنهن مضطرات للقبول برغم أن المعلمين داخل السنتر لا يعملون فى المدارس بالمنطقة ولا يعرفون عنهم شيئًا، لأنه ليس أمامهم حل آخر!

مع انتهاء الحصة تبدأ الإجراءات الأمنية المنظمة لخروج الطلاب، حيث  يبدأ الشباب العاملون بالسنتر توزيع أنفسهم بطول الشارع حتى التأكد من خروج آخر طالب دون لفت نظر أحد. لاحظنا ضمن إجراء «السنتر» الأمنى ذهاب شابين تابعين له للوقوف بالقرب من إحدى دوريات الشرطة المتواجدة لتطبيق قرار الحظر على المحال التجارية، بعد الساعة العاشرة مساءً، لتنبيه إدارة المركز بأى خطر قادم! 

الاسم جبسة والفعل جرينتش!

سنتر «جرينتش» الواقع بمنطقة الكفر التابعة لـ كرادسة، يعد من السناتر الذى تعرضت للعديد من الحملات الأمنية فى الآونة الأخيرة، ما دفع إدارة السنتر للاعتماد على عدد من «الناضورجية» فى مراقبة جميع  الحوارى الضيقة المطلة على السنتر، كان عددهم 5  أشخاص اثنان على مدخل السنتر وثلاثة على مداخل الحوارى المؤدية له.

حاولنا التحدث مع أحد «الناضورجية» ويدعى «مصطفى جبسه» بحجة رغبتنا فى الاطمئنان على مستوى التعليم فى السنتر، لتهدأ ريبته ويتبادل معنا الحديث بود مصطنع غرضه دفعنا للالتحاق بالمركز، حيث كشف لنا أن عمله يبدأ من الساعة 11 صباحًا حتى 7 مساءً، وأنه يتقاضى 200 جنيه فى اليوم، وأن مهمته هى حماية الطلاب ومنع  حدوث مشاجرات بينهم -على حد قوله- يتكون السنتر من طابقين بهما 4 قاعات تسع الواحدة لـ100 طالب وطالبة، والحصة تبدأ من 40 إلى 55 جنيهًا للشهادة الثانوية.

«أسماء» الطالبة بالصف الثانى الثانوى وإحدى المترددات على «السنتر» قالت إنهم يعيشون فى حالة من الرعب المستمر داخل السنتر، وأنه بمجرد الاستماع إلى أصوات بالخارج، تغلق الإدارة الأنوار عليهم داخل القاعة ويبقون فى ظلام دامس حتى يبدأ أفراد التأمين بها فى إخراجهم بالتدريج بعد التحقق من أمان الشارع.