الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

مدكور ثابت من التجريب إلى سحر الوثائقى

تأكد لنا أن الفيلم ثلاثى الأجزاء (صور ممنوعة) أحد كنوزنا المخبأة، والذى أتاح لثلاثة مخرجين أكاديميين الفرصة لاختبار قدراتهم على العمل فى سوق السينما، وكانت محاولة من جانب المسئولين عن السينما فى حقبة الاشتراكية لإعطاء فرصة متساوية لأكبر عدد من المخرجين الجدد.



 

الجزء الثالث من (صور ممنوعة) للمخرج «مدكور ثابت» زمن عرضه يساوى فيلمى (ممنوع) و(كان)، عنوانه (حكاية الأصل والصورة) فى قصة «نجيب محفوظ» المسماة (صورة) يدل على منحاه التجريبى وكسره للإيهام الذى يتبناه مخرجنا الباحث عن نظرية لأفلامه تختلف عن السائد متأثرا بـ«برتولد بريخت». 

تبدأ قصة «نجيب محفوظ» بصورة للقتيلة موجودة فى صفحات الحوادث الداخلية، نقلها «مدكور ثابت» إلى الصفحة الأولى التى تضم عناوين ضخمة لحرب الاستنزاف مثل «توغل القوات المصرية فى سيناء» وبجوارها خبر قتيلة الهرم المليونيرة. تعامل «مدكور ثابت» مع الحكاية كما يتعامل المخرج التسجيلى مع الواقع الذى يصوره. لم نعد بصدد حكاية واحدة بل حكايات يكشف عنها التحقيق للعديد من الشخصيات تشعر بالذنب وتتصور أنها قاتلة تلك الفتاة «فكيهة – شلبية – سميرة – درية». تحولت الصورة إلى رمز وصيغت الحدوتة باعتبار أن الملف لا يزال مفتوحا ويمكن أن تضاف فتيات أخريات إلى قائمة الضحايا. كما تشير مؤشرات النص إلى تحول «فكيهة» إلى شخصية رمزية وأن ما حدث لها هو ما حدث للوطن فى هذه الفترة. يفجر هذا الطرح قول الأب فى نهاية الفيلم «صورتك المقتولة يا ابنتى هى صورة بلدنا كلها».

بمعالجة «مدكور ثابت» للقصة أصبحت الشخصيات رموزا لكل الشرائح الاجتماعية التى تمارس القهر على الفتاة التى دفعت ثمن أحلامها. قام المخرج فى الفيلم بدور المحقق الذى لا يهتم بالتحقيق البوليسى بقدر ما يسعى إلى التحقيق الاجتماعى والتاريخى.

قبل حكاية (صورة) وبعد التخرج من الدفعة الثالثة من المعهد العالى للسينما 1965، برز نبوغه مبكرا وأخرج «ثورة المكن» كموقف تبناه المثقف بعد هزيمة 1967، عمل تسجيلى متأثر بالمدرسة السوفيتية فى المونتاج، وتتابع من إيقاعات راقصة مع حركة الماكينات المتناغمة مع تغير الألحان، ثم صفارة إنذار وتوقف الماكينات ليرتفع صوت، «المكن ده بتاعنا، احنا اللى بنيناه واحنا اللى هنحميه»، على مارش عسكرى يعود بإيقاع تصميم وفرحة، ولافتة تؤكد أن جميع العاملين فى هذا الفيلم من خريجى المعهد العالى للسينما. 

بعمليه أسس لنفسه طريقا لا يناسب سوق صناعة السينما فى مصر، عاد وتجاسر وخاض تجربة مع فيلم مصرى تقليدى، لم يكتبه فكان (الولد الغبى) أول عمل روائى منفرد مع نجم كوميدى وبعناصر السينما المصرية السائدة.. عملت فى هذا الفيلم مساعد مونتاج وشهدت كيف اختفى «مدكور ثابت» ولم يحضر المونتاج، لم يفارق البطل «محمد عوض» جلسات المونتاج ومعه المنتج «ناصر حسين»، لم يجد «ثابت» نفسه فى الفيلم الخفيف الذى يبتعد كثيرا عن عملية (صورة) و(ثورة المكن). ولا يختلف عن أفلام أخرى كثيرة نتقبلها دليلا على زمنها. قضية عذرية الفتاة تشغل جانبا من الفيلم، البطلة «وفاء» تورطت فى علاقة مع «عزت» رئيس «مفتاح»، وحين يعرف «مفتاح» يقول «يعنى أنا تزوجت واحدة سكند هاند». وقبل أن تندهش من تبنى المثقف الكبير «مدكور ثابت» لنظرة دونية للمرأة فيها تتحدد قيمتها بمحافظتها على غشاء بكارتها، سيعود بطله ويقول لها «إنت اتظلمت وأنا من حموريتى ظلمتك أكثر». سيتبين إخلاصها له وستنجح فى تبرئته من تهمة قتل «عزت» الفاسد فى عمله بتقديم الرشاوى لتحقيق مكاسب واستغلال النساء. 

(الولد الغبى) إنتاج 1977، تجربة لن يكررها «مدكور ثابت» وسيركز فى العمل الأكاديمى وفى أبحاثه ومؤلفاته المكتوبة، ويقدم أبحاثا مصورة، أفلاما تسجيلية لها بعد تاريخى هام يلقى فيها الضوء على إنجازات الوطن. 

امتلك «مدكور ثابت» شجاعة التجريب ولم يكن المناخ العام فى السينما المصرية مهيئا لاستقبال تجاربه الفيلمية، ولكنه رحب به أستاذا أكاديميا ومخرجا لأعمال تظهر فيها عقلية الباحث كآخر أعماله (سحر ما فات‏‏ فى كنوز المرئيات) والذى يؤرخ لمصر خلال أكثر من 100 عام.