الأربعاء 30 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
ماذا حدث للمصريين؟!!

ماذا حدث للمصريين؟!!

تبقى من ذكرياتى القليلة عن لقاءات نادرة مع الممثل العالمى الكبير «عمر الشريف»  (أبريل 1932 - 2015م) سجاياه العطرة من حضور طاغ فى الواقع كما فى السينما.. احترامه الكامل لعمله وحرصه البالغ على دراسة أبعاد الشخصية الدرامية التى يجسدها.. واللماحية والذكاء والفراسة فى رصد التفاصيل.. وحميمية علاقته بالمجتمع المصرى رُغم فترات بعاده الطويلة.



 

عرفناه من خلال تجسيد أدواره التى أبدع فيها ابتداءً من ظهوره على الشاشة المصرية فى زمن الأبيض والأسود ابتداء من «صراع فى الوادى» و«صراع فى النيل» و«أيامنا الحلوة» و«إشاعة حب» و«نهر الحب» و«بداية ونهاية» و«سيدة القصر» و«فى بيتنا رجل» إلخ.. ثم غيابه عن السينما قبل حرب (يونيو 1967)؛ حيث إنه اشترك فى تمثيل عشرات الأفلام الأوروبية والأمريكية.. ثم غيابه عن مصر مرة أخرى نحو عشرين سنة من 1965 حتى 1983 لينطلق انطلاقته العالمية مع المشاهير.. ثم عودته مرّة أخرى إلى السينما المصرية ابتداء من فيلم «أيوب» إخراج «هانى لاشين» وأعقبه بفيلم «الأراجوز» ثم «المواطن مصرى» لصلاح أبوسيف.. و«حسن ومرقص».. إلخ.

 

لقد كان «عمر الشريف» دُرَّة من دُرَر السينما المصرية.. والعالمية الغالية، الذى يُعتبر الممثل الوحيد الذى عَبر الحدود وانطلق ليحقق تميزًاً عالميّاً مبهرًاً مع كبار المخرجين الأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين ووقف أمام ألمع الممثلين.. وحصل على الجولدن جلوب أكثر من مرّة.. بالإضافة إلى جائزة التسامح.. وهى الأولى من نوعها من مهرجان البندقية عن دوره فى فيلم «إبراهيم وزهور القرآن» قدّم من خلاله شخصية بائع كتب عجوز تنشأ بينه وبين شاب يهودى علاقة صداقة قوية.. إنه ذلك التسامح الذى شمل أيضًاً حياته الشخصية فقد وُلد يهوديّاً.. ثم اعتنق الإسلام وتزوج من نجمة سينمائية كبيرة هى فاتن حمامة.. لكن المفارقة أنه أحب بعد ذلك نجمة يهودية هى الممثلة والمغنية  باربرا سترايساند التى مثل معها فيلم «فتاة مرحة» فما كان من الحكومة المصرية وقتها إلا أن قامت بمنع عرضه لغضبها من قيامه بالتمثيل مع شخصية يهودية.

 

ولا جديد أن نقول إنه كان يتمتع بموهبة فياضة فى فن التمثيل وإن الأفلام السينمائية المصرية التى قام ببطولتها قد اكتسبت فى كثير منها قيمة كبيرة بسبب تجسيده لبطولتها (مثلًاً أيامنا الحلوة - صراع فى المينا - المواطن مصرى - نهر الحب). 

 

ويقدم «عمر الشريف» - رُغم أنه كان فى بداية الطريق - درساً فنيّاً راقياً لأبطال الكوميديا فى فن الأداء الكوميدى فى «إشاعة حب» إخراج «فطين عبدالوهاب» فجسّد روح الشخصية وملامحها الداخلية معتمداً على الموقف والحدث الدرامى دون تزيُّد أو محاولة لإقحام لزمات خاصة أو افتعال للإضحاك.. فأعطى للدور عمقًاً وأكسبه قدرة على البقاء  فى ذاكرة ووجدان المتفرج.

 

أمّا جنازته فقد غاب عنها النجوم ثم انشغل الناس عن إبداعاته وحصاد أفلامه وقصة كفاحه ونبوغه وشرف تمثيله لمصر فى المهرجنات العالمية.. وتباروا فى محاولة لفك لغز: هل مات مسلمًاً أمْ مسيحيّاً أمْ يهوديّاً.. فى انعكاس لردة حضارية مؤسفة.. وفى ظل تراجع عن التصحيح الجدى للخطاب الدينى وتدعياته السيئة فى التمييز والانقسام الطائفى البغيض. لم يتغير ذلك الشعار الشائن المتصل بغوغائية الطائفية فوق المواطنة.. بعد مرور خمس سنوات على رحيل «عمر الشريف» فلم ينشغل الشارع المصرى مؤخرًاً بعد وفاة الفنان «إبراهيم نصر» إلّا بفضول كريه لمعرفة ديانته.. وأعلنت الأغلبية دهشتهم حينما علموا أنه مسيحى.. وانهمرت التعليقات المختلفة والمتباينة على صفحات التواصل الاجتماعى.. ونسوا تمامًاً رثاءه كفنان أمتعهم وأضحكهم وأسعدهم وأشاع البهجة والحبور فى نفوسهم.. وانتزع الكآبة من صدورهم فى أعماله الفنية.. وفى برنامجه الشيق والمثير «الكاميرا الخفية» الذى استمر عدة سنوات وحقق نجاحًاً غير مسبوق من خلال تجسيده لشخصية «زكية زكرية».

 

كان إبراهيم نصر لمن يعرفه مثلى - عزيز النفس ذا كبرياء.. يتعفف عن حق مهضوم فيراه هوانًاً يصون نفسه عنه.. ويترفع عن السعى وراء فرصة.. أو الوقوف على باب منتج أو مخرج.. ولا تضمه شلة تروّج له.. ولا تجذبه أضواء حفلات أو سهرات فنية مخملية.. أو يلهث ليكتب عنه نقاد العلاقات العامة.. وكان لا يعانى - مثل آخرين - من بارانويا الاضطهاد فيزايد باسم الدين.

 

فماذا حدث للمصريين.. مع الاعتذار للدكتور جلال أمين؟!