الخميس 28 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

كمامة للإيجار!

رغم تزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا، وسقوط وفيات يومية بسبب الوباء؛ فإن «الفهلوة» و«السبوبة» كانت ما يحرك الباعة الجائلين أمام المصالح الحكومية.. وكأن وقوع الكارثة لن يؤثر عليهم.. فالكمامة التى من المفترض أن تكون أداة للوقاية.. تحولت إلى أحد أسباب انتشار المرض تحت شعار «لقمة العيش»!



 

نحقق من أمام عدد من المصالح الحكومية فى أوقات العمل.. حيث يصطف الباعة منذ الصباح لتجهيز بضاعتهم من الكمامات مجهولة المصدر والمستعملة.. والغريب أن الكثير من الناس أقبلو على شراء كمامات «نقل العدوى» بحجة قضاء المصالح.. وأمام أحد البنوك برر أحد العملاء تأجيره كمامة مستعملة «ما هما مش راضيين يدخلونا من غير كمامة»!

 



 

تحولت الأرصفة المقابلة للبنوك إلى معرض لبيع الكمامات.. يجتمع عدد من الباعة الجائلين فى الصباح ويفرترشون الرصيف.. أحدهم يبيع الكمامات المصنوعة من القماش.. وآخر تخصص فى تأجير الكمامات المستعملة لعملاء البنك.. وعلى طريقة أسواق الخضار تعلو صيحات كل بائع معلنة عن سعر الكمامة.. المستعملة بـ 2جنيه والقماش بـ10 جنيهات!

 

أمام بنك مصر فى منطقة وسط البلد يستغل باعة الكمامات الاجراءات الوقائية للبنوك لترويج بضاعتهم، ينادون العملاء قبل دخول البنك «اشترى كمامة.. مش هتعرف تدخل من غيرها».. وبين رفض رجال الأمن دخول غير الملتزمين بالقرار ونداءات الباعة الجائلين.. هناك من فضل شراء «كمامة العدوى» على أن يمشى عدة أمتار إلى الصيدلية!  

 

يقول «محمد رمضان»، أحد باعة الكمامات أمام بنك مصر:« بـدأت البـيع أمام البـنك بعد قرار منع الدخول من غير كمامات.. وواحد صحبى دلنى على مصنع ملابس بيشتغل الأيام دى فى الكمامات.. بنجيب منه كل يوم وننزل نبيعها قدام البنوك ونحاسب صاحب المصنع آخر اليوم وناخد حسنتنا».

 

يؤكد «رمضان» بثقة عجيبة أن الكمامات التى يبعها أفضل من التى تباع فى الصيدليات « ببيع كمامات مصنوعة من القماش الطبـيعى، وبتتميز عن الكمامة الطبـية أنها ممكن تتغسل وتتعقم وتستعملها مرة تانية». 

 

بعد اعتراض أحد الزبائن على بيع الكمامة القماش بـ 10 جنيهات، رد عليه رمضان: «مش كل الكمامات زى بعضيها ياحاج.. كل حاجة منها درجات وفيه قماش مغشوش وقماش طبيعى بيقتل كورونا.. والخامة بتفرق فى السعر.. ولو مش مناسبك سعرها عندى مستعمل بـ2 جنيه الواحدة خدها قضى بيها مصلحتك ورجعها تانى»! 

 

وبالطريقة نفسها يستمر «رمضان» وأقرانه من باعة الكمامات أمام البنك إلى أن تنتهى أوقات العمل الرسمية.. أو تنتهى الكمامات، لكن يبدو أن تلك المسرحية الهزلية لم تنته بعد إذ يقول رمضان «فيه ناس أجرت منى كمامات بجنيه وخدوها وما رجعوهاش تانى وأنا مش هسامحهم لأن ده رزق ولادى»! 

 



 

وأمام بـنك ناصر الاجتماعى، لم يختلف شىء سوى أسعار الكمامات.. إذ يفترش شاب الرصيف وأمامه مجموعة من الكمامات على الأرض بجوارها ورقة صغيرة مكتوب عليها «الكمامة بـ 5 جنيهات».. على الجانب الآخر أمام بوابة هناك من ظن أنه يحارب استغلال الباعة.. ويعطى كمامته بعد الخروج لمن يتبعه فى الدور.

 

فى الوقت نفسه، طالب أحد المنتظرين أمام البنك من أحدهم أن يعطيه كمامته أثناء خروجه وعندما رفض.. وقف ليصفه بالأنانية.. والتقط منه آخر أطراف الحديث قائلًا «مفيش حد بيفكر فى التاني.. فيها إيه يعنى لما يديك الكمامة بعد ما خلص مصلحته»! 

 

«كمامة بنص التمن» كان نداء أحد الباعة على الرصيف المقابل للبنك وعن سبب بيعها بنصف ثمنها يقول «ببيع كمامات قماش مستعملة.. فيه ناس كتير بتستعمل الكمامة القماش مرة واحدة رغم أن ممكن غسيلها واستعمالها لوقت طويل.. فبجمعهم وأغسلهم بمطهرات وأبيعهم هنا.. منها باكل عيش والناس بتقضى غرضها لأن ممنوع يدخلوا البنك من غيرها». 

 

وتمامًا كالبائع السابق تكلم وكأنه خبير «الكمامة اللى معايا رغم إنها مستعمله إلا انها أحسن من الكمامات الطبـية لأنها بتضرب فى مصانع بير السلم.. لكن أنا غاسلها ومعقمها ولابس واحدة منها عشان الناس تطمن».

 

ويضيف: الكمامات درجات « فيه قماش درجة أولى وفيه حاجات الزبالين بيجبوهالنا من الزبالة بنص جنيه الواحدة بس أنا مبرضاش أشتغل فيها.. بس فيه بياعين كتير بياخدوها ويغسلوها ويبوعوا الواحدة بـ5 جنيهات.. لأن ده يعتبر موسم»!  

 

على بعد خطوات يقف بائع كمامات آخر هاجمه أحد المارة: «انتم سبب المرض.. ربنا ينتقم منكم».. لكن البائع سرعان ما برأ نفسه من هذا الاتهام وصاح بصوت عال: «إحنا بنساعد الناس اللى مش قادرة تشترى كمامة بـ ١٠ جنيهات.. وبعدين أنا ما بضربش حد على إيده بقول إن اللى معايا مستعمله وببيعها بـ2 جنيه مع إنى ممكن أبيعها على إنها جديدة وكل واحد حر». 

 

ويقول البائع «فيه ناس بيطلبوا منى تأجير الكمامة حتى تنتهى مصلحتهم داخل البنك بجنيه بس أنا برفض لأن ناس كتير ما بترجعهاش»!

 

وعند سؤال إحدى السيدات التى تشترى كمامة مستعملة عن خوفها من الإصابة بالعدوى قالت «كورونا ده فى التليفزيون بس.. أنا عاوزة أخلص مصلحتى وأروح».

 



 

وبمتابعة تفاصيل المشهد لاحظنا تردد أحد باعة الكمامات على إحدى محلات الملابس بجوار البنك لإحضار مزيد من الكمامات بعد بيع الكمية التى معه.. وهو الأمر الذى تكرر مع بائع آخر.. وبسؤال أحد الباعة عن السر قال «كلنا سريحة بنبيع الكمامات مقابل نسبة من المكسب.. إنما خالد صاحب محل التيشيرتات هو اللى بيجيب كميات كبيرة وكل اللى فى المنطقة بياخدو منه.. ودلوقتى بقى بيع الكمامات بيكسب أكتر من المناديل فكل البياعين بيشتغلو فيها». 

 



 

لم تخل المنطقة أمام البنك الأهلى من بائع كمامات.. لكن هذه المرة كان «صلاح عيد» هو من يحتكر بيع الكمامات هناك ويطرد كل من يأتى من الباعة يقول «أنا من أول ما كورونا بدأ ببيع كمامات فى الإشارات ومكسبها حلو.. وبعد منع دخول البنك من غير كمامة جيت وقفت هنا.. بس ما ببيعش حاجة مستعملة كل حاجة جديدة.. ومصنوعة من القطن الطبيعى ومالهاش أضرار زى اللى البياعين التانيين بيوزعوها عشان كده بمشى أى حد بييجى هنا».

 

تختلف أسعار الكمامات التى يبيعها صلاح حسب نوعها «الكمامة السادة بجيبها جملة بـ 6 جنيهات وببـيعها بـ10 جنيهات، أما الكمامة اللى عليها رسومات ببيعها بـ12 جنيها»! 