الأربعاء 30 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

المسكوت عنه فى أوراق «على الدين هلال»!

«الديموقراطية.. الحياة السياسية.. العمل الحزبى» جُمل فقدت بريقها من كثرة الاستهلاك.. بلا مناقشة حقيقية أو خطوات فعلية على أرض الواقع، لذلك ظلت المفردات المتعلقة بالعمل السياسى فى حاجة لمزيد من البحث والمناقشة الجادة؛ بعيدًا عن التنظير عديم الجدوى.



تعد تجربة الدكتور على الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إحدى التجارب المهمة فى ذلك السياق، سواء من خلال مشاركته فى العمل السياسى والحزبى قبل 2011 أمينًا للجنة الإعلام فى الحزب الوطنى، أو كصاحب رؤية ووجهة نظر كمتخصص فى علوم السياسة.

نرصد التغيرات التى طرأت على رؤيته منذ أن كان مشتغلًا بالعمل السياسى فترة النظام اللأسبق حتى الآن، مرورًا بالفترة المرتبكة عقب سقوط نظام مبارك، نناقش أفكاره عن العمل السياسى من خلال 3 كتب له: «النظام السياسى المصري.. بين إرث الماضى وآفاق المستقبل» الصادر فى 2010، «عودة الدولة.. تطور النظام السياسى فى مصر بعد 30يونيو» الصادر فى 2015، وكتابه الأخير «الانتقال إلى الديموقراطية.. ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟» الصادر منذ أسابيع.

قبل سقوط النظام

 

جالسًا فى كرسيه كأحد أعضاء الحزب الحاكم وقتها وأمينًا للجنة إعلامه، أخذ علي الدين هلال يحلل المشهد السياسى المصري، لا باعتباره أحد اللاعبين البارزين، بل لكونه أستاذًا للعلوم السياسية، يضع يديه على المشكلة الأساسية والعقبة الرئيسية فى تحولنا للديموقراطية، ويخصص فى كتابه «النظام السياسى المصري» فصلًا عن الأحزام السياسية.

يعد ذلك الفصل مدخلًا مهمًا لرؤية تطورات المشهد فيما بعد، سواء بسقوط النظام أو وصول الإخوان للحكم، ولو اعتبرنا الأحزاب نموذجًا صغيرًا للدولة أو حكومة ظل، نجد أن العمل الحزبى فى مصر حمل عوارًا كبيرًا ونقاط ضعف لا يمكن تجاوزها.

فالمشهد السياسى قبل 2011 بحسب أستاذ العلوم السياسية، تشكل فيه تعددية حزبية صورية فقط؛ إذ عجزت جميع الأحزاب عن منافسة الحزب الواحد، أو حتى عن الوصول للجماهير، ويُرجع ذلك للأصول التاريخية لنشأة الأحزاب فى مصر التى رسخت صورة العمل السياسى بأنه مقصور على حزب قوى فى مقابل أحزاب صغيرة ومهمشة.

لا تقتصر تلك الرؤية على فترة الحزب الوطنى فقط، فالمشهد لم يختلف كثيرًا عن فترة ما قبل 1952، كان الوفد حزبًا كبيرًا وجميع القوى الأخرى مجرد كيانات ضعيفة، لا تستطيع المنافسة.

أدى ذلك الركود إلى اتجاه عدد من الأحزاب إلى تكوين ائتلافات وقوى مشتركة لتشكل مجموعة قوى سياسية قادرة على خلق وعى سياسي، منها على سبيل المثال لجنة القوى الوطنية للدفاع عن الديموقراطية، واللجنة القومية المصرية لمناصرة الشعبين الفلسطينى واللبناني، ولجنة مساندة الانتفاضة الفلسطينية، وغيرها الكثير من المحاولات «الموسمية الظرفية» بحسب تعبير «هلال»، فغالبية الأحزاب لم يكن لديها مشروع واضح وناضج يمكن أن يستمر ضمن استراتيجية بعيدة المدى.

حتى إن الأحزاب الكبيرة عانت من الانشقاقات التى ساهمت فى تفتيت ما تبقى لها من شعبية.. لكن النقطة الأهم التى تضمنها الكتاب أن الأحزاب المصرية كانت تطالب بالديموقراطية فى حين أنها لم تتحقق داخل الحزب نفسه، حيث «تشهد صناعة القرار داخل أغلب الأحزاب الإنفراد من جانب رئيس الحزب... وشبه جمود فى قياداتها... فضلًا عن شيوع الشللية والعائلية».

ساهمت تلك العومل فى تآكل أدوار الأحزاب على المستوى الجماهيري، والمشاركة فى صنع القرار، وتحولت لمجرد كيانات هشة وضعيفة.  

الفوضى والقوى السياسية

 

لا يمكن فصل مشهد ارتباك القوى فيما قبل سقوط النظام/الحزب عن الفوضى فى المشهد العام بعد ذلك ووصول الإخوان إلى الحكم، إذ وصلت أغلب الأحزاب إلى تلك المحطة من دون رؤية واضحة، أو برنامج يستطيع إقناع الجمهور الذى فقد ثقته فى الأحزاب من الأساس.

مهد ذلك الطريق أمام تيار الإسلام السياسى وجماعة الإخوان تحديدًا باعتبارها الأكثر تنظيمًا وتواصلًا مع الجمهور، بالتوازى مع ذلك كان العمل النقابى قد استطاع طوال 3 عقود أن يملًأ فراغ الأحزاب فى المشهد العام، وأصبحت الكوادر النقابية تقدم أنفسها على أنهم سياسيون محنكون، ما أفسد العمل السياسي، وقصره على مجموعة من احتجاجات لمطالب فئوية.. وغابت أصول اللعبة.

عودة الدولة

 

توهمت بعض القوى السياسية والأحزاب أن جماعة الإخوان بعد السيطرة على السلطة ستترك لهم بعض المنافذ، أو تعطيهم بعض مقاعد مجلس النواب أو المناصب التنفيذية على طبق من ذهب، وغذت الجماعة ذلك الوهم لدى جميع القوى المختلفة كسُلم يصعدون عليه لسدة الحكم.

وبمجرد امتلاك مقاليد الحكم أبعدت الجماعة كل القوى السياسية والأحزاب جانبًا، سواء بتصديق الرئيس السابق محمد مرسى على تشكيل اللجنة التأسيسية بعيدًا عن توافق جميع القوى الوطنية، أو بإصدار الإعلان الدستورى فى نوفمبر 2012 رغبة فى الانفراد بالسلطة، إضافة لتعيين المحافظين ونوابهم من الجماعة، وتغير المشهد تمامًا.

ولكن يبقى السؤال الأهم: هل كانت الأحزاب والقوى السياسية قادرة على المنافسة شعبيًا وعزل الإخوان إذا لم يتدخل الجيش فى المشهد؟ ارتباك المشهد وتحركات السياسيين الحائرة وقتها يمكن اعتبارها إجابة واضحة، إذ غاب عن الصورة أى كادر سياسى يستطيع المنافسة على أرض الواقع، أو حزب قادر على الوصول للجماهير، وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول الدور الذى تقوم به الأحزاب فى مصر.

تغير المشهد السياسى تمًاما بعد عزل مرسى وتراجع قوى الإسلام السياسي، الذى تمثل فى عودة هيبة ومؤسسات الدولة، واصطفت جميع الأحزاب المدنية تأييدًا لـ 30يونيو، بينما انضمت أحزاب التيار الإسلامى دفاعًا عن موقف الجماعة، لكن أى من الفريقين لم يمتلك الأدوات السياسية التى يمكن البناء عليها فى سبيل التحول للديموقراطية، وظلت مواقف الأحزاب كما هى مجرد رد فعل!

صعوبة الديموقراطية

 

استقرار الدولة وثبات أركانها ومؤسساتها يمهد الطريق لوجود حياة سياسية فعالة وفاعلة فى الرأى العام، وهو ما يلقى على عاتق الأحزاب مسئولية أكبر فى تشكيل كيانات سياسية كبيرة تتغلب على الانقسامات التى تجعل محصلة تأثير القوى السياسية صفرًا.

هل التحول إلى الديموقراطية أمر سهل؟.. يطرح علي الدين هلال السؤال فى كتابه الأخير «الانتقال إلى الديموقراطية..ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟».. ليلقى الضوء على آفة التجارب السابقة بتطبيق ديموقراطية صورية فقط دون بناء حقيقى أو تغير جوهري.. «النظام الديموقراطى ليس مجرد فاعلين وانتخابات وتشكيل حكومات، وليس مجرد من يحصل على النسبة الأكبر من أصوات الناخبين.. بل ماذا تستطيع القوى والمؤسسات فعله».

وبالتالى فإن ظن القوى والأحزاب السياسية بأن الديموقراطية تتحقق بمجرد الإيمان بمبادئها ورفع شعارتها فقط، بمثابة خطأ فادح؛ لأن الخروج من حالة الركود ليس دور مؤسسات الدولة فقط، فالأحزاب والقوى السياسية المختلفة هى صاحبة الدور الأول للقيام بذلك، ما يتطلب البداية بإعادة هيكلة الأحزاب من الداخل أولًا؛ لتصبح قادرة على تقديم اقتراحات ورؤى مدروسة والمشاركة فى صنع القرار، بالإضافة إلى قدرتها على الوصول للجماهير، لتتكامل جميع الحلقات بما يصب فى مصلحة الدولة ومؤسساتها.