بعد فشل «اليمين» و«الوسط» فى تشكيل الحكومة: جمود سياسى فى تل أبيب!
وصلت الأوضاع السياسية الإسرائيلية إلى ذروة تعقيدها بما يشبه إغلاق لعبة الدومينو، فالخيارات أمام جميع أطراف اللعبة السياسية صارت معدودة بعد أن كلف الرئيس الإسرائيلى رؤوفين ريفلين الكنيست باختيار مرشح جديد لرئاسة الوزراء، الخميس الماضى، لأول مرة فى تاريخ إسرائيل إثر فشل كل من «بنيامين نتنياهو»، رئيس الوزراء المؤقت وزعيم حزب «الليكود» اليمينى، و«بينى جانتس» زعم حزب «أزرق-أبيض» الوسطى فى تشكيل الحكومة.
أطراف الصراع
تبدو خيوط اللعبة السياسية فى تل أبيب أكثر تعقيدًا مما هى عليه فى الواقع، إذ يتعلق الأمر بعدد المقاعد التى حصلت عليها كل كتلة سياسية فى الكنيست من إجمالى الـ120 مقعدًا، ويتطلب تشكيل الحكومة الحصول على موافقة 61 عضوًا كأغلبية برلمانية، وهو ما يشكل العقدة فى الوضع الإسرائيلى الحالى.
بعد فشل «نتنياهو» فى تشكيل الحكومة بعد انتخابات الكنيست الأولى فى فبراير الماضى، كان مخرجه الوحيد هو حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات ثانية، لكن ذلك جعل الأمر أكثر صعوبة.
فى الانتخابات البرلمانية، التى أجريت منتصف سبتمبر الماضى، والثانية خلال عام واحد، حصل حزب الليكود برئاسة نتنياهو على 32 مقعدًا، بينما حصل حزب أزرق-أبيض برئاسة بينى جانتس على 33 مقعدًا، وبالتالى لا تستطيع أى من الكتلتين تشكيل الحكومة بمفردها، وهو ما تسبب فى حالة جمود سياسى مع فشل أى منهما فى الحصول على أغلبية مطلقة.
بينما حصلت القائمة العربية المشتركة لأول مرة على 13 مقعدًا فى الكنيست، مما يجعلها رقمًا مؤثرًا فى المعادلة السياسية وشريكًا مهمًا فى تشكيل المشهد، كما يشكل حزب «إسرائيل بيتنا» برئاسة أفيجدور ليبرمان، وزير الدفاع السابق، أهم المتحكمين فى المشهد الآن، إذ يمثل دعمه لأى من الكتلتين يمثابة الضوء الأخضر.
فشل «نتنياهو» ومحاولة «جانتس»
يبدو أن «نتنياهو» يحاول التمسك بأى قشة تحميه من الغرق، فالسياسى الذى ظل 13 عامًا بدون منافس يقف منفردًا لمواجهة خصومه، فبعد أن كلف الرئيس الإسرائيلى زعيم حزب «أزرق- أبيض» بتشكيل الحكومة فى 24 أكتوبر الماضى، والذى حصل على دعم 54 عضوًا فقط من الكنسيت وهو ما يقل بـ7 أصوات عن كتلة الأغلبية لتشكيل الحكومة.
لم تكن مهمة «جانتس» بسيطة على الإطلاق، خاصة فى وجود منافس قوى مثل «نتنياهو» الذى عمّق تعقيدات المشهد السياسى بإعلان تشكيل كتلة تضم 55 عضو كنيست، لتحصين نفسه من المساءلة خاصة أنه مهدد بالسجن حال خروجه من الحكومة، إضافة عرقلة زعيم حزب «أزرق- أبيض» عن تشكيل حكومة بعد التحالف مع النواب العرب.
وسرعان ما اختلف «جانتس» والقائمة العربية المشتركة بقيادة أيمن عودة، بعد أن دعمته فى البداية بهدف التخلص من نتنياهو، لكن إعلانه عن عدم نيته فى مشاركة وزراء عرب فى الحكومة، تخلت القائمة عن دعمه، وفسرت رفضها أنها تعتبره مجرم حرب فى قصف غزة فى 2014 ما أدى إلى مقتل 2000 فلسطينى، أثناء قيادته للجيش الإسرائيلى.
تخلت القائمة العربية المشتركة عن دعم أى من الطرفين، وهو ما أثر فى المشهد بشكل واضح نتيجة قوتها السياسية فى الكنيست، بالإضافة لأن «أفيجدور ليبرلمان» زعيم حزب إسرائيل بيتنا، كان قد قرر منذ البداية ألا يشارك فى اللعبة للوصول لانتخابات برلمانية ثالثة، أملًا فى أن يشكل هو الحكومة.
سيناريوهات تل أبيب
فى وسط هذه الحالة من التمزق بين الكتل السياسية الكبيرة فى الكنيست يتوقع الكثيرون فشل البرلمان فى تشكيل الحكومة بعد تكليف الرئيس، والذهاب لجولة ثالثة من الانتخابات فى 3 مارس من العام القادم، خاصة فى ضوء تصريحات «ليبرمان» المتحكم فى عدد من خيوط اللعبة بأنه سيحرم كلا الرجلين من دعم الأعضاء الثمانية المنتمين لحزبه فى الكنيست، وهو ما يعنى فعليًا أنه لن يكون لنتنياهو ولا جانتس دعم كافٍ لتشكيل حكومة.
كما رجع نتنياهو عدة خطوات للوراء بعد الضجة الإعلامية التى أثارها المستشار القضائى للحكومة أفيخاى ماندلبليت وإدانته فى مؤتمر صحفى بتهمة الرشوة وتشويش وتعطيل التحقيقات للزوجين شاؤول وايريس ألوفيتش فى القضية المعروفة بالملف 4000 الخاص بموقع واللا وشركة بيزك، بعد تقديم خدمات لرئيس الوزراء حصولهم على خدمات خاصة.
إضافة لتهمة عرض رشوة وخيانة الأمانة على أرنون موزيس مالك صحيفة يديعوت أحرونوت المعروفة بالملف 2000، والذى حدثت بشأنه محادثات بين نتنياهو وموزيس لتقديم خدمة إعلامية لصالح نتنياهو مقابل أن يعمل على إقصاء صحيفة يسرائيل هيوم المنافسة، وقضية الملف 1000 بشأن حصول نتنياهو وزوجته على هدايا من رجال أعمال بناء على طلب منهما.
لكن لا يزال أمام نتنياهو ورقة أخيرة لحماية نفسه وهى طلبه الحصانة من المقاضاة كونه عضوًا فى الكنيست وذلك فى غضون 30 يومًا من إعلان القرار، وفى حالة عدم وجود لجنة دستورية بالكنيست تمنحه الحصانة تؤجل الإجراءات القانونية بحقه حتى تشكيل حكومة، ومن ثم تشكيل اللجنة أو بانتظار الانتخابات الثالثة.
ولا يمكن القول حتى هذه اللحظة أن حياة نتنياهو السياسية قد انتهت، خاصة أنه لا يزال يقاتل بشراسة، مستغلًا صلاحيات منصبه كرئيس وزراء مؤقت، إضافة إلى استناده على كتلة يمينية قوية مكونة من 55 عضوًا فى الكنيست.
وزاد المشهد تعقيدًا باستغلاله للأوضاع الأمنية الداخلية والخارجية وعمليات الاغتيال التى نفذتها مقاتلات الجو الإسرائيلية فى قطاع غزة وفى العاصمة السورية دمشق وفتح جبهات حرب جديدة من أجل دفع عجلة السياسة نحو الانتخابات للمرة الثالثة.
ويسعى نتنياهو لإحداث شلل تام فى جميع مؤسسات الكيان، بالإضافة إلى تفعيل مشروع القانون حول ضم غور الأردن إلى إسرائيل بعد تصريح وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، وتأكيده على أن المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية لا تتعارض فى حد ذاتها مع القانون الدولى، والتى تعد بمثابة محاولة سريعة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإنقاذ صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلى المنتهية ولايته حتى يتمكن من كسب أصوات اليمين المتطرف والأحزاب الدينية.
رئيس جديد لحزب «ليكود»
تشكل دعوة نائب حزب الليكود غدعون ساعر إلى إجراء انتخابات تمهيدية لرئاسة الحزب، تحولًا جديدًا فى المشهد السياسى بتل أبيب، وفى مؤتمر صحفى عقدته صحيفة جيروزاليم بوست، أول أمس، تساءل عن جدوى مساعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تشكيل حكومة جديدة إخفاقه الأخير.
يرى كثير من المحللين أن الأمر لا يشكل خطرًا كبيرًا على وجود نتنياهو فى المشهد السياسى، بعد دعوة «ساعر» لرغبته فى تشكيل حكومة ورص صفوف الشعب تحت كلمة واحده، إذ يقترن هذا الأمر باجتيازه انتخابات رئاسة الحزب، وحصول الحزب على أغلبية مرة أخرى فى الكنيست، وهو أمر صعب فى ظل خريطة التحالفات الحالية، إضافة لاعتماد نتنياهو على كتلة لا يستهان بها من نواب اليمين تنقص عن الأغلبية بـ 6 أعضاء فقط.
على ضوء ما يحدث يكون الطريق إلى إجراء انتخابات ثالثة، فى 3 مارس القادم، هو السيناريو الأكثر احتمالاً، خاصة أنه لا يوجد أى تغيير حقيقى فى الحياة السياسية الإسرائيلية، أو تركيبة الكنيست، وذلك رغم محاولات الرئيس الإسرائيلى المستميتة لعدم إقامة جولة انتخابات ثالثة تكلف تل أبيب ما يقرب من 4 مليارات شيكل، مما يهدد الأوضاع الاقتصادية للكيان.
وفى حالة اللجوء لصندوق الانتخاب مرة أخرى تزداد احتمالية تعمد نتنياهو لإحداث أزمة عسكرية حقيقية فى غزة أو سوريا أو لبنان لكسب شعبية تمكنه من تشكيل حكومة جديدة تحت رايته.
ونشرت مؤخرًا صحيفة «يسرائيل هيوم» استطلاعًا للرأى، أكد أن إجراء انتخابات للمرة الثالثة لن يخرج إسرائيل من المأزق السياسى حيث أظهر أن 40 % من الإسرائيليين يفضلون تشكيل حكومة وحدة تضم حزب الليكود وتحالف أزرق أبيض وحزب إسرائيل بيتنا، و28 % يفضلون حكومة يمين متطرفة، 17 % يفضلون حكومة من الأحزاب اليمين الوسط.
وأوضحت الصحيفة أنه بعد انتهاء المدة القانونية للكنيست واختيار أحد المتنافسين سيصبح الأمر فى يد وزير الدفاع الأسبق «أفيجدور ليبرمان» الذى رفض الانضمام لأى حكومة يشكلها نتانياهو أو بينى جانتس، ورفض فكرة تشكيل حكومة ائتلافية مصغرة بدعم من القائمة العربية المشتركة المناهضة للصهيونية.







