اختفاء «قسرى» لـ«تحالف 30 يونيو»
محمود صالح
على سبيل الاستسهال يستخدم غالبية الكتاب تعبير «التراجيديا الإغريقية» لوصف مسارات ومصائر الأحداث والأشخاص فى لحظات التاريخ الفاصلة وما تنتهى إليه فى الغالب من محن أو انكسار بعد أحلام المجد والعظمة مع أن «التراجيديا المصرية» أقوى وأكثر دراما وأبطالها يتجاوزون أبطال المأسى الإغريقية فى غرابة المصائر والتحولات. وفى الصراع التراجيدى الماثل أمامنا فى مصر ما بعد سقوط حسنى مبارك عصفت التحولات بشخصيات كثيرة وتدافعت الأحداث على نحو لم يكن يتخيله أحد وتوقع الشعب وهو «يثور» مرة واثنتين أن تتبدل الأحوال، وأن يكون القانون هو الفيصل وأن يكون العدل هو الغاية، وأن تكون الحرب على الفساد هى القضية وأن تطوى صفحة شخصيات نافذة أذلت المصريين على مدار عقود، وأن يسحق الإرهاب بالتوازى مع سحق الفاسدين.. ومن بين شخصيات وكيانات سياسية أو تحالفات وطنية واسعة برز تعبير «تحالف 30 يونيو» الذى علق المصريون عليه أوسع الآمال فى أن يزيح الإخوان ليبدأ فى بناء دولة وطنية حديثة تحقق ما سبق.
بعد عامين من تكوين هذا التحالف ونجاحه- بفضل الشعب العظيم- فى إزاحة الإخوان بدا هذا التحالف داخلا فى «التراجيديا المصرية» من أوسع أبوابها.. وبدت مصائر أفراده وأحزابه بحاجة إلى تحليل لنعرف ماذا حدث لهم.. وهل بقوا من الأصل متحالفين.. وما مصير الحياة السياسية فى ضوء ما حدث خاصة أن عناصر هذا التحالف التى كانت تدور حولها علامات الاستفهام و«الشبهات» تصدرت المشهد.. فى حين وقف أحد مناضلى «جبهة الإنقاذ» التى كانت العمود الرئيسى لتحالف 30 يونيو منذ أيام متهما وهو يصرخ غاضبا أمام شاشات الفضائيات «الإشارات الحمراء فى مصر توضع أمام الشرفاء فقط فى حين تفتح كل الأبواب أمام قوى الفساد».. هذا ما قاله المناضل المحترم والوزير السابق كمال أبوعيطة.. بالحرف الواحد!
بدأ تعبير «تحالف 30 يونيو» فى الظهور قبل سقوط الإخوان عن الحكم بشهور قليلة، تحديدا منذ تم الإعلان عن يوم 30 يونيو كيوم لمظاهرة وطنية حاشدة تطالب الرئيس الإخوانى الأسبق محمد مرسى بالتنحى عن الحكم وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة حقنا للدماء بعد قناعة الجميع باستحالة إدارة أمور الدولة على الطريقة الإخوانية، وتكون التحالف بالأساس من «جبهة الإنقاذ» التى ضمت عددا من الشخصيات والأحزاب الوطنية كان أبرزها التيار الشعبى «حمدين صباحى» وحزب الوفد «السيد البدوى» وحزب الدستور الذى كان يرأسه وقتها الدكتور «محمد البرادعى» وحزب المؤتمر، وكان يرأسه «عمرو موسى»، وحزب مصر الحرية د.«عمرو حمزاوى» و«حزب المصريين الأحرار» الذى كان يرأسه أحمد سعيد، ويقوم على تأسيسه وتمويله الملياردير الشهير نجيب ساويرس «والتحالف الشعبى الاشتراكى» عبد الغفار شكر، إضافة إلى طيف من الشخصيات الوطنية الأخرى مثل الدكتور حازم الببلاوى والدكتور عمرو حلمى وزير الصحة الأسبق وأحد قيادات حزب الكرامة والدكتور يحيى الجمل وجورج إسحق والإعلامى حسين عبد الغنى، وشكلت حركة «تمرد» ضلعا قويا آنذاك فى هذا التحالف قضائيا كان المستشار أحمد الزند الذى كان يشغل وقتها منصب رئيس نادى قضاة مصر هو العنصر الأكثر فاعلية وتأثيرا فى تحالف 30 يونيو، حيث قاد معارك القضاة ضد تدخل مرسى والإخوان فى الشأن القضائى من أول قرار عزل النائب العام الأسبق عبد المجيد محمود إلى معارضته القوية للإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس الإخوانى، وكان «الإعلام» طرفا رئيسيا وربما الأكثر تأثيرا فى هذا التحالف.
عدد كبير من «ثوار يناير» كانوا أيضا فى قلب التحالف وأعلنت أكثر من 10 حركات ثورية «ليس من بينها 6 إبريل» مشاركتها فى يوم «30 يونيو».
مجموعة أخرى شكلت جزءا مهما من هذا التحالف تمثلت فى «الخبراء الإستراتيجيين»، وهم عدد من اللواءات السابقين كانوا يخرجون على الناس محذرين من الفوضى ومطالبين بالتمسك بالدولة المصرية واعتبار الثورة «مؤامرة» من حيث المبدأ.
وكان «حزب النور» طرفا رئيسيا فى تحالف 30 يونيو فقد كان الطرف الوحيد الممثل لتيار الإسلام السياسى الحاضر فى مشهد بيان 3 يوليو فى الظل ودون وجود إعلامى صاخب كانت جماعات منتمية لعصر ومصالح نظام مبارك متواجدة بقوة وتدعم الإطاحة بالرئيس الإخوانى ليس لأنه حارب الفساد بل لشعور قطاعات منهم ومن الثوار أيضا بأن تحالف الجميع هو الطريق الوحيد للخلاص من حكم دمج السياسة بالعنف والتكفير الدينى ولوح باستخدام السلاح علنا.
نجح التحالف نجاحا باهرا فى حشد ملايين المصريين فى واحدة من أكبر المظاهرات فى كل التاريخ المصرى وتحول المطلب الشعبى منذ اللحظة الأولى إلى إقصاء مرسى عن الحكم، وأصدر وزير الدفاع- وقتها- عبد الفتاح السيسى «بيان 3 يوليو» معلنا خارطة الطريق، وعقب تولى المستشار عدلى منصور منصبه رئيسا للبلاد بدا تعبير «تحالف 30 يونيو»، وكأنه الحل السحرى الذى وجدته مصر بعد شهور من الفوضى.. تقبل الناس «على استحياء» عودة قيادات سياسية من عصر مبارك، واعتقدوا أنهم قد استوعبوا درس يناير، وأن من فسد منهم سيخرج من الصورة تلقائيا أو سيكتفى بالانزواء.. وبدا حلم «الدولة الوطنية» يداعب الجميع وسط مشاعر هادرة اجتاحت ملايين المصريين الذين نجحوا بمعجزة «شعبية» فى التخلص من حكم الإرهاب.
اتسع التعبير بعد أن تشكلت أول حكومة فى عهد المستشار عدلى منصور، حيث ضمت هذه الحكومة عددا من الشخصيات التى لعبت أدوارا مهمة فى معارضة الإخوان فأصبح الدكتور حسام عيسى «الناصرى العتيد» نائبا لرئيس الوزراء والمناضل اليسارى كمال أبو عيطة وزيرا للقوى العاملة والدكتور زياد بهاء الدين نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للتعاون الدولى والدكتور مصطفى حجازى مستشار الرئيس لشئون الأمن القومى والإعلامى أحمد المسلمانى مستشارا إعلاميا للرئيس المؤقت عدلى منصور.
أين ذهب هذا التحالف ورموزه الآن.. ها ندخل فى قلب «التراجيديا المصرية».. لنعرف ونشاهد ما هو أعجب من العجب.
الدكتور محمد البرادعى أبرز قادة ورموز ثورة يناير و«جبهة الإنقاذ» غادر مصر فى أغسطس 2014 عقب تقديم استقالته من منصبه كنائب للرئيس المؤقت عدلى منصور ومنذ أكثر من عام ونصف يكتفى البرادعى بالتواجد على منصته الإعلامية المفضلة «تويتر» منددا أحيانا ومطالبا بالمصالحة أحيانا ومتحدثا عن الشئون الدولية معظم الوقت.. ويلقى موقف البرادعى ومعه الناشط وائل غنيم الذى غادر مصر إلى الولايات المتحدة بعد عزل مرسى بشهرين المزيد من «الأعباء» على المدافعين عن ثورة يناير فى مواجهة من يعتبرونها ثورة شعبية خالصة.. فالرجل فى نظر المصريين «هارب» لا يدافع عن نفسه فى مواجهة اتهامات لا تتوقف له بالضلوع فى مؤامرة تستهدف الدولة لا ثورة تستهدف تغيير حياة المصريين للأفضل، وربما كان موقف البرادعى تحديدا هو الباب السحرى الذى نفذت منه كل السهام إلى 25 يناير فكرة وأشخاصا، لقد خرج الدكتور زياد بهاء الدين من منصبه فى 14 يناير 2014 بعد أن قدم استقالته، وظلت تطارده تهمة أنه من أنصار البرادعى ومن دعاة الفوضى ولم تشفع له مشاركته القوية فى 30 يونيو ليس فقط مشاركته كمثقف وسياسى بل كشريك فى السلطة فعليا، واكتفى زياد بهاء الدين بدوره فى الحزب المصرى المصرى الديمقراطى وبعض المقالات فى بعض الصحف، وهى مقالات تحمل فى الغالب تنديدا بما يعتبره عشوائية حكومية فى إدارة الكثير من الملفات وفى القلب منها الملف الاقتصادى، الدكتور مصطفى حجازى الذى لمع بعد ثورة يناير لم يشفع له دوره فى ثورة 30 يونيو من موجات الهجوم التى تصنفه باعتباره واحدا من صناع الفوضى وأتباع البرادعى، وقد اكتفى هو أيضا بكتابة المقالات التى يبدو فيها معارضا «قال مؤخرا أن مصر تعيش ما أسماه عصر البذاءة»، وفى الأغلب فإن لغته الأكاديمية الجافة تجعله فى مأمن عن المزيد من الهجوم وقد اضطرت الظروف الدكتور حجازى للتحول من كاتب ومفكر يكتب بلغة رصينة إلى الكتابة الأدبية، حيث خرج بأول قصة قصيرة له منذ شهرين متقمصا القصة القديمة «كليلة ودمنة» فى الهجوم على المناخ السياسى والتنديد به من خلال الرموز، الدكتور عمرو حمزاوى الذى أيد 30 يونيو وتباين موقفه من بيان 3 يوليو ترك الحزب الذى أسسه «حزب الحرية»، واكتفى أيضا بالمقالات وإن خرج فى أحد البرامج مؤخرا ليعلن أن ما يشاع عن أنه يرى 30 يونيو «انقلاب» ليس صحيحا حيث يعترف تماما بشرعية النظام القائم وإن كان يعارض التوسع الأمنى فى إدارة جميع الملفات وخشية اتهامه بالمزيد من الضلوع فى المؤامرة فقد تنازل حمزاوى عن أى جنسية سوى المصرية منعا لكى يتم وصفه كما كان يحدث بـ«الأمريكانى» أو «رجل ألمانيا فى مصر» إلى آخر هيستريا تصنيفات الإعلام المجانية التى يوزعها بلا أى محاسبة من أحد. بالنسبة للأحزاب التى شكلت «جبهة الإنقاذ» فقد تبدد معظمها.. «حزب الدستور» تعرض لعملية تدمير بأيدى أصحابه، وهو حاليا بلا رئيس بعد انسحاب هالة شكر الله من رئاسة الحزب وربما من الحياة السياسية، التيار الشعبى لم يعد موجودا وإن كان حمدين صباحى «مؤسسه» يحاول تأسيس تحالف جديد وسط اتهامات له بأنه جزء أساسى من «المؤامرة» رغم أن الرجل كان منافسا فى الانتخابات الرئاسية التى فاز فيها الرئيس عبد الفتاح السيسى، حزب الجبهة الديمقراطية التى كانت ترأسه سكينة فؤاد قرر حل نفسه واندمج مع حزب المصريين الأحرار فى عام 2014، التحالف الشعبى الاشتراكى الذى كان مؤسسوه يعتزمون إيجاد حزب يسارى قوى وفاعل لم يعد موجودا على الساحة لانعدام تمويله وللظروف الصحية لمؤسسه المناضل عبدالغفار شكر الذى ترك رئاسة الحزب فى منتصف العام الحالى، حالة الاختفاء والانزواء التى شهدتها هذه الأحزاب شهدها أيضا عدد من الشخصيات المؤثرة فى جبهة الإنقاذ، فقد اختفى الدكتور على السلمى تماما من ممارسة السياسة واكتفى أيضا ببعض المقالات الصحفية، وهو نفس حال الدكتور عمرو حلمى والإعلامى حسين عبد الغنى الذى كان بطلا للعديد من المناظرات الإعلامية فى مواجهة قيادات الإخوان، وقد أعلن عبد الغنى بعد اختفائه الطويل أنه بصدد تقديم برنامج على قناة «روسيا اليوم» لكنه لم يظهر لاحقا لا هو ولا البرنامج. وقد طالت حالة الاختفاء هذه «حركة تمرد» ونال محمود بدر مؤسس الحركة مقعدا فى البرلمان القادم بعد فوزه ضمن قائمة «حب مصر» فى حين فشل محمد عبد العزيز الاسم الثانى فى الحركة فى الانتخابات، لكن تطورا لافتا حدث لـ«تحالف 30 يونيو» منذ شهور وأسابيع قليلة.. فإذا كان مفهوما هجوم نافذى عصر مبارك المتواجدين فى الإعلام على رموز يناير فالذى ليس مفهوما هو انتقال الهجوم على من شاركوا فى 30 يونيو فقط مثل حزب النور.. لقد تعرض النور لأوسع حملة هجوم ضد حزب سياسى قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة.. وقام الإعلامى أحمد موسى بإظهار فضيحة جنسية لأحد مرشحى الحزب «المرشح حسام عامر فى الدائرة الرابعة بمحافظة الإسماعيلية»، وهى حركة شبيهة بحركة الإعلامى عبد الرحيم على مع إذاعة تسريبات أحد قادة جبهة الإنقاذ «الدكتور سيد البدوى» منذ شهور مضت ولم تكن تسريبات جنسية بل تتضمن سبابا يوجهه البدوى لعدد من السياسيين.
فى مواجهة حالات الاختفاء أو الانزواء الذى عانته شخصيات وأحزاب فقد تعرض عدد آخر لمحاولات اغتيال معنوى قام بها عدد من الإعلاميين كان المخرج خالد يوسف «مصور ثورة 30 يونيو» ضحية لأحدها، حيث لم يشأ عام 2015 الرحيل إلا والمذيع أحمد موسى يقدم واحدة من مفاجآته الإعلامية شديدة المهنية والاحترام بتقديم ما قال إنه «فضيحة جنسية بالصوت والصورة للمخرج الشهير»، وكان المناضل العمالى كمال أبو عيطة «الوزير السابق فى حكومة 30 يونيو» ضحية ثانية، حيث تم اتهامه باختلاس 85 ألف جنيه! وسارعت بعض الصحف بإدانته قبل أى تحقيقات الأمر الذى جعله يعقد مؤتمرا صحفيا بنقابة الصحفيين بدا فيه غاضبا للغاية من منهج تشويه ومحاولة الاغتيال المعنوى لكل من شارك فى الثورة وقال فى فورة غضبه «الإشارات الحمراء فى مصر توضع فقط أمام الشرفاء فى حين تنفتح كل الأبواب أمام الفاسدين»، وقد حضر المؤتمر العديد من القوى السياسية ليس فقط لمؤازرة أبو عيطة بل لمحاولة التنديد بماكينة التشويه التى لا تتوقف.
بالنسبة لفريق «الخبراء الاستراتيجيين» فقد فاز معظمهم بمقاعد فى البرلمان القادم الذى يشهد لأول مرة نوابا أطلق عليهم «صقر المخابرات» و«وحش الداخلية» و«قاهر الإرهاب» وهى الألقاب التى شهدتها الحملات الانتخابية للواء حمدى بخيت واللواء تامر الشهاوى واللواء على الدمرداش الفائزين فى الانتخابات رغم عدم وجود أى بحث أو كتاب هام أو «استراتيجى» فى أى مجال.
على جانب آخر بدا أن هناك فى «تحالف 30 يونيو» بعض المتواجدين بقوة الذين تتمدد مساحات تواجدهم.. إنهم الحلقة الأضعف فى معسكر 30 يونيو.. من قبل الناس وجودهم لأنهم حتما استوعبوا الدرس.. ونقصد إعلاميى مبارك ورجال أعماله.. لم يستوعب هؤلاء أى درس بل يستمرون فى إعطاء المصريين درس «أننا حاضرون بقوة ولا يمكن لأحد أن يزيحنا».. لقد خرج من الصورة يسرى فودة وريم ماجد وبقى أحد موسى وتوفيق عكاشة وعبد الرحيم على.. وتضخم نفوذ رجل الأعمال محمد أبو العينين أكثر وفاز نجيب ساويرس بالمزيد من الصفقات إلى جانب 65 مقعدا لحزبه فى البرلمان.
هل تفكك إذن تحالف 30 يونيو.. بالطبع.. بل وفشل هذا التحالف فى تقديم حالة سياسية جديدة إزاء السلطة.. ولم يبق منه قويا وفاعلا إلا أسوأ حلقاته ممثلة فى «تحالف الإعلام القديم مع رجال أعمال نظام مبارك».. ربما لهذا خرج الدكتور حسام عيسى فى تصريح صحفى ليحذر من «خطر داهم».. وربما لهذا أيضا قال المفكر السياسى مأمون فندى «على الرئيس السيسى أن يعيد تحالف 30 يونيو برؤية أوسع، ينزل رجال الأعمال والمطبلاتية فى المحطة الجاية علشان باقى المصريين يلاقولهم مكان».







