السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
عملية إنقاذ ميراث «الجد الأعظم»

عملية إنقاذ ميراث «الجد الأعظم»


26 سفيرا ومستشارا ثقافيا يمثلون 16 دولة عربية وأجنبية، علاوة على عدد من مديرى المعاهد الأثرية الأجنبية رافقوا الدكتور خالد العنانى وزير الآثار إلى مدينة أبوسمبل، فى جولة تفقدية لمعبدى أبوسمبل لمشاهدة ظاهرة تعامد الشمس على تمثال الملك رمسيس الثانى بمعبد «أبوسمبل» وهى الظاهرة التى تبقى شاهدة على تفوق المصريين القدماء فى علوم الفلك والهندسة والنحت والمعمار.
تمر السنون وتتعدد الأحداث وتتعرض الآثار المصرية لقسوة الزمن، فيعتريها الكثير من أوجه الهوان، ويأتى مشروع إنقاذ آثار النوبة، وخصوصا معبدى أبوسمبل الكبير والصغير، كواحد من أهم المشروعات الحضارية والثقافية الكبرى فى العالم أجمع خلال القرن العشرين.
بدأ التفكير فى ذلك المشروع العملاق بعد أن قررت مصر الشروع فى بناء مشروع السد العالى، وعلى إثر ذلك قامت القاهرة وساعدها فى ذلك دول العالم المتحضر آنذاك، بالحفاظ على التراث الحضارى فى أرض النوبة العريقة من الغرق والضياع فى مياه بحيرة ناصر التى كونها السد العالى خلفه على مساحة شاسعة.
سارعت الحكومة المصرية بتقديم طلب رسمى لمنظمة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة من الضياع الوشيك. وبدورها خاطبت اليونسكو الدول الأعضاء لبدء الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة. وبالفعل قامت بعثات العديد من الدول بحفائر علمية منظمة واسعة النطاق، وتم تسجيل وترميم العديد من المواقع الأثرية، وتم إنقاذ وترميم آلاف من القطع الأثرية، وكذلك تفكيك ونقل العديد من المعابد الأثرية المهمة، وإعادة تجميعها فى عدد من المواقع الجديدة، وكان من بين أكثر المعابد شهرة فى هذا السياق معبدى أبو سمبل الكبير والصغير ومعبد فيلة وغيرها من معابد النوبة العزيزة.
> تاريخ مصر فى أرض النوبة
ولمن لا يعرف فإن أرض النوبة واحدة من أغنى المناطق الأثرية على ضفاف نهر النيل، وعليها قامت حضارات عظيمة، وعثر بأرضها الممتدة على العديد من البقايا الأثرية بداية منذ عصور ما قبل التاريخ مرورا بالعصور الفرعونية واليونانية-الرومانية والمسيحية والإسلامية ووصولا إلى العصر الحديث.
جغرافيا تمتد منطقة النوبة من جنوب مصر إلى عمق أرض السودان وتحديدا من مدينة أسوان إلى الدبة على وادى نهر النيل الخالد، ويتحدث أهل هذه المنطقة الحضارية العريقة اللغة النوبية. وتقسم عادة النوبة إلى النوبة السفلى - والتى تمتد من الجندل الأول إلى الجندل الثانى على نهر النيل- والنوبة العليا التى تمتد فى أرض السودان الشقيق. ووفقا لعلماء الآثار والمؤرخين، فإن النوبة تمتد عادة إلى أواسط السودان لتشمل المناطق التى كانت تحت حكم دولة كوش المعروفة ،التى كان مقرها فى مدينتى ناباتا ومروى فى الألفية الأولى قبل ميلاد السيد المسيح وبعد ميلاده عليه السلام.
شغلت تلك المنطقة حضارات عديدة منذ عصور ما قبل التاريخ وتكونت بها ثقافات محلية مدهشة وامتد منها عبق الحضارة المصرية القديمة إلى أطراف وأعماق القارة الأفريقية. وفى عصور الدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة الفرعونية، شهدت منطقة النوبة وجودا مصريا متميزا ومزدهرا. وتشبع ذلك الجزء من النوبة بالحضارة المصرية القديمة مما أدى فى عصر الانتقال الثالث إلى قيام أهل كوش بالسيطرة على الحكم فى أرض النيل وتكوين ما يعرف بالأسرة الخامسة والعشرين مقلدين بذلك سير فراعنة مصر العظام أمثال الفرعون المحارب الملك تحتمس الثالث والفرعون الشمس الملك أمنحتب الثالث ونجم الأرض الفرعون الأشهر الملك رمسيس الثانى.
بحلول العصر المتأخر، بسطت مصر نفوذها على أرض النوبة إلى أن دخلت الحضارة الفرعونية إلى مرحلة الذبول والنسيان. ومع دخول الإسكندر الأكبر أرض مصر، تحولت مصر إلى جزء من العالم الهللينستى، ثم ازدهرت مع عصر البطالمة، وصارت جزءا مهما من العالم الرومانى والبيزنطى ثم من العالمين المسيحى والإسلامى إلى وقتنا الحالى.
> حملة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة
ونتيجة لبناء السد العالى غمرت بحيرة السد مواقع أثرية مهمة وامتدت المنطقة التى تغمرها مياه بحيرة ناصر إلى مسافة كبيرة. وتنبهت الحكومة المصرية إلى الخطر الذى يحيق بآثار مصر هناك، فدقت ناقوس الخطر ودعت دول العالم لأن تمد يد العون لإنقاذها ولم يكن ذلك واجبا وطنيا فحسب، بل كان واجبا إنسانيا يخص العالم أجمع.
كان لبناء السد أكبر الأثر على تطور البحث الأثرى فى بلاد النوبة إذ قامت العديد من البعثات المصرية والدولية بإجراء أبحاث أثرية كاملة وتسجيل جميع نتائج الحفائر الأثرية التى كان يتم العثور عليها بكل دقة وعناية. وفى وقت وجيز، نجحت منظمة اليونسكو فى تكوين حملة عالمية للحصول على المعونات المالية اللازمة والخدمات والخبراء. وفى تلك المناسبة، أقيم حفل كبير فى اليونسكو للإعلان عن النداء العالمى للإسهام فى حملة إنقاذ آثار بلاد النوبة.
> ثروت عكاشة «أبو الثقافة المصرية»
لم يكن لهذا العمل العملاق أن ينجح أو حتى يتم التفكير فيه دون وجود قامات ثقافية عظمى، ونذكر منهم الدكتور ثروت عكاشة والأستاذ عبدالمنعم الصاوى والدكتور محمد جمال الدين مختار والدكتور شحاته آدم والدكتور عبدالمنعم أبوبكر وغيرهم من الأسماء اللامعة العديدة التى لا تسقط من الذاكرة فى هذا العمل الملحمى الفريد، غير أن الفضل يرجع أولا وبشكل أساسى إلى دينامو العمل وشعلته التى لم تكن تخبو أبدا الدكتور ثروت عكاشة القامة الثقافية الكبرى فى مصر فى منتصف القرن العشرين وما بعده وفى حياة المصريين الثقافية.
يتضح من خلال كتاب الدكتور عكاشة المعروف «إنسان العصر يتوج رمسيس الثانى» أهمية الدور المحورى الذى بذله لإقناع الرئيس جمال عبدالناصر بضرورة إطلاق حملة دولية لإنقاذ آثار النوبة، واختار القدر أن يعتذر عبدالناصر عن حضور الاحتفال بنقل معبدى أبوسمبل إلى موقعهما الجديد وينيب الدكتور عكاشة الذى خلد التاريخ اسمه، لقد كان نقل آثار النوبة ملحمة تاريخية مثيرة للإعجاب، وسوف يظل التاريخ يذكرها بأحرف من نور.
>  معبدا أبوسمبل
تقع مدينة أبوسمبل إلى الجنوب من مدينة أسوان على الضفة الغربية لنهر النيل الخالد فى النوبة المصرية بالقرب من حدود السودان، وبنى بأبوسمبل معبدان منحوتان فى الصخر يرجعان إلى عهد الفرعون الأشهر رمسيس الثانى من الأسرة التاسعة عشرة من عصر الدولة الحديثة الفرعونية.
وكان معبد أبوسمبل الكبير واحدا من أربعة معابد بنيت خلال فترة حكم الملك رمسيس الثانى كوحدة واحدة، والثلاثة الأخرى هى: معبد وادى السبوعة «مقر المعبود آمون رع» ومعبدالدر «مقر المعبود رع حور آختى» ومعبد جرف حسين «مقر المعبود بتاح». وقد أمر الفرعون رمسيس الثانى مهندسيه البارعين بالبدء فى بناء معبدى أبوسمبل فى السنوات الأولى من فترة حكمه العريق واكتمل العمل فيهما فى العام الخامس والعشرين من حكمه المديد.
> معبد أبوسمبل الكبير
 يطل معبد أبوسمبل الكبير على بحيرة ناصر فى منظر جمالى رائع قلما أن يتكرر فى مكان أثرى آخر حيث تتزاوج زرقة السماء الصافية بزرقة المياه الرائقة ورمال صحراء مصر الصفراء النقية بصخور المعبد الداكنة وخضرة الأشجار والنباتات الموجودة فى المنطقة بسمرة أبناء مصر المميزة.
وتتصدر تماثيل الملك رمسيس الثانى الأربعة الجالسة واجهة المعبد التى تشبه الصرح ويبلغ كل تمثال من هذه التماثيل حوالى 22 مترا، ويحيط بهذه التماثيل تماثيل أصغر واقفة تجسد أم الملك وزوجة الملك، وتماثيل أكثر صغرا تصور أبناء وبنات الملك الممثلين واقفين بين قدمى الفرعون.
حدث زلزال فى العصور القديمة أثر على التمثالين المحيطين بالمدخل إلى المعبد مما أدى إلى تساقط الجزء العلوى من التمثال الجنوبى، بينما عانى التمثال الشمالى منهما بشكل أقل ضررا وتم ترميمه فى عهد أحد خلفاء الملك رمسيس الثانى، وهو الملك سيتى الثانى فى نهايات عصر الأسرة التاسعة عشرة.
فوق المدخل يوجد كورنيش ضخم يحتوى على اسم الملك رمسيس الثانى. ويضم جانب المدخل على اليسار نقشا يضم ألقاب الملك. ثم أجزاء المعبد المعمارية وصولا إلى قدس الأقداس حيث يوجد تمثال الملك رمسيس الثانى بين تماثيل آلهة مصر الكبرى فى تلك الفترة المهمة من تاريخ مصر الفرعونية.
ومن أروع معالم معبد أبوسمبل الكبير هو اختراق شعاع الشمس باب المعبد ليصافح وجه رمسيس الثانى مرتين من كل عام فى ظاهرة هندسية وفلكية تثير الانبهار باستمرار. ويؤكد هذا على عبقرية المصرى القديم التى لها أدلة كثيرة ما تزال تحير العالم كله إلى اليوم الحالى. وتعد ظاهرة تعامد الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس الثانى بذلك المعبدالمهم حدثا فريدا ينتظره عشاق مصر فى كل مكان فى العالم.
> معبد الملكة نفرتارى
يقع معبد أبوسمبل الصغير أو معبد جميلة الجميلات الملكة نفرتارى إلى جوار المعبدالكبير الخاص بزوجها الفرعون الشهير الملك رمسيس الثانى. ومن أجل الجميلة نفرتارى بنى لها زوجها ذلك المعبد المتميز فى الصخر الطبيعى. ونحتت تماثيل عديدة فى واجهة المعبد تمثل الملك العظيم وزوجته الجميلة التى أبهرت العالم قديما وحديثا بجمالها وجاذبيتها وعذوبتها ورقتها التى لا تقاوم.
حملت منطقة وادى الملكات فى مصر القديمة أسماء عدة مثل «الوادى العظيم» و«الوادى الجنوبى» و«تاست نفرو» ويعنى الاسم الأخير «مكان الجمال»، وأسس المكان فى البداية كجبانة مخصصة لدفن نساء الطبقة المالكة من المجتمع المصرى القديم فى بداية عصر الدولة الحديثة على الشاطىء الغربى لنهر النيل المواجه لمدينة الأحياء فى شرق طيبة «الأقصر الحالية». ولم تبدأ الحفائر العلمية المنظمة إلا فى عام 1903م، بوصول الإيطالى الشهير «إرنستو سيكياباريللى» «1856-1928م» -مدير المتحف المصرى فى تورينو-وحصوله على التصريح بالتنقيب فى الوادى من مصلحة الآثار، فنجح فى اكتشاف مقبرة الملكة الفاتنة نفرتارى، جميلة الجميلات.
اعتبرت هذه المقبرة واحدة من أجمل المقابر التى أبدعتها مخيلة المصريين القدماء فكرا وأداءً، فبلغت الرسوم المصورة على جدرانها وممراتها 520 مترا مربعا من الجمال الساحر. وقد اكتشفها سيكياباريللى فى عام 1904م.
> ملحمة عالمية لإنقاذ معبدى أبوسمبل
كانت عملية نقل معابد أبو سمبل من أصعب عمليات نقل المبانى على مر التاريخ حيث كان التحدى كبيرا أمام المهندسين المعماريين والآثاريين على حد سواء كى ينجحوا فى تنفيذ ذلك المشروع العملاق، خصوصا أن التحدى الأصعب أمامهم كان الحفاظ على الزوايا الهندسية والقياسات الفلكية كى تستمر ظاهرة تعامد الشمس على وجه الفرعون الأشهر الملك رمسيس الثانى مرتين فى العام.
تمت العملية على عدة مراحل. فى الأولى منها تمت إقامة سد عازل بين مياه نهر النيل الخالد وبين المعبدين لحماية المعبدين من الغرق فى المياه التى كانت ترتفع بسرعة. وفى المرحلة الثانية، تمت تغطية واجهة المعبدين بالرمال أثناء تقطيع الصخور المكونة لهما. وفى المرحلة الثالثة، قام المهندسون البارعون بتقطيع كتل المعبدين الحجرية ثم ترقيمها حتى يسهل تركيبها بعد النقل، قبل أن يتم نقلها إلى مكان المعبدين الجديد.
وبعد نقل جميع الأحجار من موقعها القديم، تم البدء فى المرحلة الرابعة، وكانت عبارة عن تركيب الأحجار مرة أخرى بداية من قدس الأقداس إلى واجهة المعبدين. كما تم بناء قباب خرسانية تحت صخور الجبل الصناعى فوق المعبدين لتخفيف حمل صخور الجبل على المعبدين. وبذلك تم نقل معبدى أبوسمبل العظيمين بنجاح ساحق ليصبح نقلهما أحد أهم وأكبر مشاريع القرن العشرين الضخمة والدقيقة التى تطلب تنفيذها الحفاظ على تعامد الشمس على وجه نجم الأرض الفرعون الأشهر الملك رمسيس الثانى.
وفى النهاية، فإن مشروع إنقاذ آثار النوبة وتحديدا معبدى أبوسمبل الكبير والصغير، الذى تبنته منظمة اليونسكو العالمية، سوف يظل علامة ساطعة كالشمس وبراقة الوضوح وناصعة الضياء على تكاتف المجتمع الدولى فى لحظة ما من عمر وتاريخ وحضارات الأمم من أجل إنقاذ آثار النوبة العظيمة من الغرق.