الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من حرب الوكلاء إلى المواجهة المباشرة:

هل يصمد النظام الإيرانى أمام اختبار الحرب المصيرى؟

بإعلان اغتيال مرشد الثورة الإيرانية على خامنئى، بعد هجوم جوى عنيف، ضمن عملية أعلن عنها أمريكيا باسم «الغضب الملحمى»، وإسرائيليا باسم «زئير الأسد»، دخلت إيران مرحلة من عدم الاستقرار السياسى والأمنى غير مسبوقة، وعلى وقع الفراغ ا لذى أ حدثه الهجوم العسكرى فى قمة هرم السلطة الإيرانية.  



وإزاء الصدمة التى واجهتها طهران، سارعت السلطات إلى تشكيل لجنة قيادية مؤقتة لإدارة المرحلة الانتقالية.  وفى موازاة ذلك، اتجهت إيران إلى تنفيذ رد عسكرى واسع النطاق امتد من الداخل الإيرانى إلى محيط الخليج، حيث شهدت المنطقة تحركات عسكرية وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية وممرات استراتيجية، قابلتها أنظمة دفاعية فى عدد من دول المنطقة، وسط تصاعد سريع فى مستوى المواجهة.

المشهد الراهن يضع إيران أمام مفارقة معقدة، ففى الوقت الذى يسعى فيه النظام إلى تعبئة الشارع عبر خطاب يرتكز على فكرة «المظلومية»، واستهداف الرموز الدينية لاحتواء صدمة الاغتيال، يرزح المواطن الإيرانى تحت وطأة أزمة اقتصادية وأمنية متفاقمة. 

ومع تقارير عن سقوط طائرات حربية أمريكية فى الكويت، وخروج قواعد عن الخدمة، تبدو طهران وكأنها انتقلت من نمط «حرب الوكلاء» إلى مستوى أكثر مباشرة فى المواجهة، فى تطور يضع أمن المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، تتراوح بين احتواء التصعيد أو الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبعيدًا عن التطورات الميدانية، يبرز تساؤل محورى داخل إيران حول كيفية تلقّى الشارع لهذه اللحظة المفصلية، ففى حين تركز مؤسسات الدولة على خطاب تعبوى يستند إلى توصيف ما جرى باعتباره «اعتداءً خارجيًا» يستوجب الرد، يواجه المواطن أوضاعًا معيشية صعبة تفاقمت مع اتساع دائرة التصعيد.

وتعكس تلك التطورات مفارقة واضحة بين طموح تأكيد الدور الإقليمى وإظهار القدرة على الردع، وبين تحديات الداخل المرتبطة بالاقتصاد والاستقرار الاجتماعى. 

فى هذا السياق، يحاول هذا التقرير قراءة الموقف الإيرانى من الداخل، واستكشاف كيفية موازنة صانع القرار بين الحفاظ على النفوذ الإقليمى وتجنب كلفة مواجهة مفتوحة، فى لحظة قد تعيد رسم معادلات الأمن فى الخليج وممرات الطاقة الحيوية.

الشارع الإيرانى معبأ برفض صارخ

يؤكد د.محمد خيرى الكاتب والباحث المتخصص فى الشئون الإيرانية، ومدير وحدة الفكر الإيرانى فى المنتدى العربى لتحليل السياسات الإيرانية، أن الشارع الإيرانى بات اليوم معبأً برفض صارخ لكل ما هو أمريكى، موضحًا أن النظام نجح فى «تجييش» الرأى العام عبر تصوير الولايات المتحدة كعدو يسعى لإسقاط الدولة. 

وأشار إلى أن استهداف «مدرسة إيرانية» وسقوط ضحايا من الأطفال مثّل نقطة تحول زادت من حنق الآباء تجاه الدعم الأمريكى المطلق لإسرائيل، فضلًا عن نجاح البروباجندا الرسمية فى إقناع المواطن بأن الانهيار المعيشى وتدهور العملة، هما نتاج مباشر للعقوبات المفروضة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووى عام 2018. 

وشدد على أن «الشخصية الإيرانية» ترفض بطبعها الإملاءات الخارجية، ما يجعل قبول أى شخصية تفرضها واشنطن أمرًا مستحيلًا شعبيًا.

وحول طبيعة الرد الإيرانى، كشف د. خيرى أن القيادة فى طهران تزاوج حاليًا بين «المواجهة المباشرة» وإدارة «الوكلاء الإقليميين». 

ورغم خسارة إيران لأذرع مهمة بسقوط النظام السورى، وتحييد فصائل فلسطينية بعد أحداث 7 أكتوبر، إلا أنها تستميت للحفاظ على توازن القوى عبر حزب الله، والميليشيات العراقية، والحوثيين فى اليمن، لاستخدامهم كمصدات جغرافية تمنع وصول الحرب للداخل الإيرانى، وتوجه ضربات موجعة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية.

حرب وجود 

ووصف د. خيرى المواجهة الأخيرة بأنها «حرب وجود» بالنسبة للنظام الإيرانى الذى يستمد شرعيته من صبغة دينية، تعتبر أن «عناية إلهية» تحيط به، ويرى فى التحركات الأمريكية استهدافًا مباشرًا لمكانة «الإمام الغائب». 

وأضاف أن طهران تسعى جاهدة لتجنب كسر «الكبرياء الإيراني» أمام المجتمع الدولى، ولذلك لن تدخل هذه المعركة منفردة، بل ستدفع بكل أوراقها من الميليشيات الحليفة لتعزيز أمنها القومى، وتوسيع نطاق الاستنزاف للتحالف الصهيو- أمريكي.

وفيما يخص احتمالية اندلاع انتفاضة شعبية جديدة، استبعد د. محمد خيرى حدوث أى احتجاجات فى الوقت الراهن، مرجعًا ذلك إلى الاستنفار الأمنى لقوات «الباسيج» والحرس الثوري. 

وحذر من أن أى تحرك داخلى الآن سيتم وصمه فورًا بـ«التبعية للعدو» وسيُعامل كجريمة «خيانة عظمى» عقوبتها الإعدام. 

واختتم خيرى بالإشارة إلى أن النظام يراهن حاليًا على فكرة «التماسك الوطني» فى مواجهة التهديد الخارجى، مستغلًا مخاوف الشعب من تحركات الجماعات الانفصالية كالأحوازيين و«جيش العدل» البلوشى التى قد تستغل أى خلخلة أمنية لتحقيق مآربها.

أكبر موجة تحول يواجهها النظام

وقالت الدكتورة دينا محسن، مديرة مركز العرب للدراسات السياسية: إن الداخل الإيرانى يمر حاليًا بـ«عاصفة شديدة جدًا»، معتبرة إياها أكبر موجة تحول عنيف واجهها النظام منذ نشأته. 

وأكدت أن ما يحدث الآن يتجاوز فى خطورته وتأثيره أى احتجاجات شعبية سابقة أو أزمات اقتصادية أو عقوبات دولية، واصفة المشهد الحالى بأنه «الأخطر والأعنف والأكثر اختلافًا» فى تاريخ النظام.

وبشأن احتمالية صمود النظام الإيرانى، رأت أن النجاة ممكنة فى حالة واحدة، وهى أن يقوم النظام بـ«تطهير نفسه بنفسه»، عبر التخلى التام عن الجناح المحافظ والمتشدد، والاتجاه كليًا نحو التيار الإصلاحى المعتدل. 

وحذرت من أن التشبث بالمشددين سيقود حتمًا إلى انتهاء النظام تمامًا، خاصة فى ظل استراتيجية «التحالف الصهيو-أمريكي» التى تعمل بشتى الطرق على تصفية القيادات والمستشارين المحسوبين على التيار المتشدد لقطع الطريق أمام عودتهم للمشهد السياسي.

 وفى تحليلها لقوة المعارضة، أوضحت مديرة مركز العرب أن تغيير نظام الحكم من قبل المعارضة أمر «غاية فى الصعوبة»، لكونها معارضة غير مسلحة ومشرذمة وتفتقر للقيادة الموحدة فى الداخل.

 الحرب النووية الخيار القادم

وفيما يتعلق بالتصعيد العسكرى، رأت أن الضربة الأمريكية الأخيرة، رغم ما أوقعته من خسائر فى الجانب الإيرانى، لم تحقق أهدافها الاستراتيجية كاملة فى مرحلتها الأولى، مرجحة انتقال التصعيد إلى مراحل أكثر خطورة، قد تشمل سيناريوهات شديدة التعقيد. 

كما حذرت من أن اتساع رقعة المواجهة ودخول أطراف إقليمية جديدة، خصوصًا من الخليج، قد ينقل الصراع إلى مسارات أكثر تعقيدًا وربما متعددة الأطراف.

وأوضحت أن الجميع «مستنزف» اقتصاديًا بما فى ذلك مصر ودول الخليج، مشيرة إلى وجود محاولات لتوريط المنطقة فى حرب «سنية - شيعية» متعددة الأطراف لخدمة مصالح نتنياهو وحده، وهو ما ينعكس حاليًا فى حالة الانهيار شبه الكامل للوضع الاقتصادى والمجتمعى داخل إيران، وتذبذب أسعار الطاقة والذهب عالميًا.