من هرمز وباب المندب إلى ملقا والبسفور
مصير مجهول للصراع على ممرات التجارة العالمية
آلاء البدرى
تحولت الممرات البحرية العالمية من مجرد شرايين تجارية وطرق آمنة لعبور السفن والبضائع إلى نقاط اختناق استراتيجية تتشابك فيها مصالح القوى الإقليمية مع القوى الدولية، لتصبح مسرحًا لصراعات النفوذ وميدانًا لاختبار الإرادات والسيادة ومع تصاعد التوترات والصراعات على كل مضايق العالم تقريبا.
تعمل المضايق الدولية حاليا كأداة ضغط سياسى واقتصادى وأوراق مساومة فى الحروب والنزاعات لتكشف عن هشاشة الأمن البحرى العالمى، وتضع العالم أمام معادلة معقدة بين الاستقرار والاضطراب.
عسكرة المضايق البحرية
فى السنوات الخمسة الأخيرة تحولت المضايق البحرية إلى ساحات صراع مفتوحة، تجسد عسكرة الجغرافيا وتكشف هشاشة الأمن البحرى العالمى، فقد أصبح باب المندب الذى يربط البحر الأحمر بخليج عدن تحت ضغط هجمات الحوثيين الإرهابية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والقرصنة على السفن التجارية، ما رفع تكلفة التأمين البحرى وأجبر ناقلات النفط أحيانًا على تغيير مسارها نحو رأس الرجاء الصالح.
كما أن هشاشة الدول المطلة عليه مثل اليمن وجيبوتى وإريتريا وضعف بنيتها الأمنية ودخولها ضمن صراعات إقليمية مفتوحة، فتح الباب أمام عسكرة المضيق عبر قواعد أجنبية أمريكية وفرنسية وصينية.
فيما ساهم عدم استقرار دول قريبة كالصومال والسودان وإثيوبيا فى تحويلها إلى ساحة تنافس دولى، يهدد مباشرة قناة السويس وسلاسل الإمداد العالمية
مضيق هرمز
المضيق الإيرانى شهد تصعيدًا غير مسبوق حين أعلن الحرس الثورى الإيرانى إغلاقه رسميًا بعد ضربات أمريكية وإسرائيلية على مواقع إيرانية، محذرًا من استهداف أى سفينة تحاول العبور.
هذا الإعلان هز أسواق الطاقة العالمية، إذ يمر عبر المضيق نحو 13 مليون برميل يوميًا، أى ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، وأجبر عشرات الناقلات على التوقف أو تغيير مسارها، حتى إن معظم الشركات اليابانية والأوروبية علقت مرور سفنها حفاظًا على سلامة الطواقم والحمولات.
مضيق ملقا
وفى مضيق ملقا أيضا، تصاعدت التوترات بسبب ارتفاع عمليات القرصنة واحتقان جيوسياسى متزايد، خاصة بعد ما نشرته الصحف الأسترالية عن الخطة الرمادية، وهى رؤية مثيرة للجدل تدعو كانبرا إلى استخدام المضيق كورقة ضغط ضد الصين فى حال اندلاع أزمة عسكرية حول تايوان عبر تشديد الرقابة على الشحن المتجه إلى بكين وفرض أدوات اقتصادية محددة وضغوط بحرية تشمل الاعتراض الانتقائى، وتغيير مسارات التجارة ومنع الوصول البحرى المنسق.
المفارقة أن المضيق يعد ممرًا تجاريًا حيويًا لأستراليا نفسها لكنه فى الوقت ذاته نقطة ضغط يمكن أن تغيّر حسابات الصين خاصة إذا تداخلت الأزمة مع مواجهة مباشرة بين بكين وواشنطن.
ومن جانب آخر تبنى الهند قاعدة جوية جديدة فى جزر أندامان ونيكوبار القريبة جدا من مضيق ملقا فى خطوة تعكس تركيزها الاستراتيجى على المحيطين الهندى والهادئ، وتنامى مخاوفها من النفوذ الصينى بالتنسيق مع شركائها الولايات المتحدة واليابان وأستراليا.
أزمة قناتي السويس وبنما
تأثرت قناة السويس بشكل مباشر بالحروب والصراعات فى الشرق الأوسط، ومنطقة القرن الأفريقى خاصة، حيث شكل انخفاض حركة الملاحة بأكثر من 40 % فى أوائل عام 2024 أزمة اقتصادية وجيوسياسية عميقة لمصر والمنطقة بأكملها.
هذا التراجع جاء نتيجة تصاعد التوترات فى البحر الأحمر، إذ أدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية إلى عزوف شركات الشحن العالمية عن المرور عبر باب المندب، ما انعكس فورًا على القناة باعتبارها الامتداد الطبيعى لهذا الممر الحيوى، وألقى بظلاله الثقيلة على الموازنة المصرية التى تعتمد على القناة كأحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
ورغم هذه التحديات الكبيرة لم تفقد مصر قدرتها على استثمار موقعها الجغرافى كقوة لوجستية ولم تقف مكتوفة الأيدى بل كثفت جهودها للحفاظ على القناة جزءًا من جاذبيتها الاستراتيجية عبر إثبات نفسها كفاعل إقليمى قوى قادر على التأثير فى الصراعات الإقليمية وكوسيط معتدل يسعى إلى السلام الحقيقى، مما انعكس بشكل كبير المجتمع الملاحى الدولى، وضمان انتظام حركة العبور.
دور محوري
فى إطار هذه الجهود لعبت القيادة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى دورًا محوريًا فى التهدئة الإقليمية من خلال عقد قمة السلام بشرم الشيخ، التى نجحت فى بث رسائل طمأنة بشأن حرية الملاحة فى البحر الأحمر وباب المندب.
وأسهمت فى إعادة قدر من الاستقرار إلى المنطقة وهو ما انعكس إيجابًا على أداء القناة إذ أظهرت الإحصائيات الرسمية للنصف الأول من العام المالى 2025/2026 تحسنًا ملموسًا، إذ ارتفعت أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 %، وزادت الحمولات الصافية بنسبة 16 %، ما أدى إلى نمو الإيرادات بنسبة 18.5 % مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.
وتواكب ذلك مع مشروع توسعة وازدواج القطاع الجنوبى للقناة واستحداث حزمة من الخدمات الملاحية الجديدة لتعزيز الأمان والسلامة البحرية كما قدمت هيئة قناة السويس حوافز تشجيعية منها تخفيض قدره 15 % لسفن الحاويات العملاقة 130 ألف طن فأكثر، سواء كانت محملة أو فارغة إلى جانب دراسة خيارات إضافية لدعم أنواع مختلفة من السفن. وبدأ الاهتمام الدولى بالقناة واضحًا حيث تزايدت استفسارات ملاك ومؤجرى سفن الغاز الطبيعى المسال حول مستجدات العبور مع توقعات بارتفاع ملحوظ فى أعداد السفن والحمولات خلال عام 2026.
أما قناة بنما التى تعد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، فتعانى أيضا فى قلب صراعات جيوسياسية وبيئية متشابكة خلال الأعوام الأخيرة، ما انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية
فعلى الرغم من عدم وجود حروب مباشرة تستهدف القناة إلا أن المواجهة الدبلوماسية الحادة بين الولايات المتحدة والصين حول النفوذ فى إدارة الموانئ المرتبطة بالقناة إلى جانب الاضطرابات الاجتماعية الداخلية، أدت إلى انخفاضات حادة وطويلة الأمد فى الطاقة التشغيلية.
فمنذ مطلع عام 2025 زادت واشنطن ضغوطها على بنما لإعادة النظر فى الامتيازات الممنوحة لشركة (CK Hutchison) التى تتخذ من هونغ كونغ مقرًا لها، وتدير موانئ الحاويات الرئيسية على طرفى القناة.
وهذه الضغوط وصلت إلى حد التهديد المباشر بـاستعادة القناة بدعوى حماية الأمن القومى الأمربكى، وهو ما رفضته بنما لكنه تسبب فى احتكاك دبلوماسى شديد طوال عام 2025، وفى الوقت نفسه شهدت البلاد احتجاجات واسعة على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة الاقتصادية، إضافة إلى رفض عقود تعدين مثيرة للجدل فى الفترة 2023 و2024، ما أدى إلى تعطيل الخدمات اللوجستية والحركة داخل البلاد بشكل دوري.
والأزمة لم تقتصر على الجانب السياسى والاجتماعى بل تفاقمت بفعل تغير المناخ، حيث عانت القناة من نقص حاد فى المياه اللازمة لتشغيل الأهوسة، ما أدى إلى تقليص عدد السفن المسموح بعبورها يوميًا من 18 : 22 سفينة فقط فى 2024-2025 مقارنة بـ36 سفينة فى الظروف الطبيعية.
هذا الانخفاض الحاد رفع تكاليف الشحن وزاد أوقات العبور، ودفع بعض الشركات إلى تحويل مساراتها نحو طرق بديلة، ما أثر على سلاسل الإمداد العالمية.
دبلوماسية البحر
ظهر مصطلح دبلوماسية البحر فى ظل تصاعد الصراعات المباشرة على الممرات الدولية، إذ برز كأداة استراتيجية للقوة الناعمة، حيث أدركت دول فاعلة مثل مصر والمملكة العربية السعودية، أن حماية شرايين التجارة العالمية لا يمكن أن تكون مسئولية عسكرية فقط، بل تحتاج إلى مظلة سياسية ودبلوماسية جماعية، فتم تشكيل منتدى الأمن البحرى للبحر الأحمر الذى يضم مصر والسعودية والإمارات والسودان وجيبوتى وإثيوبيا بمشاركة مراقبين من الاتحاد الأفريقى وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة ليكون منصة إقليمية ودولية لتنسيق الجهود.
وقد حدد المنتدى مهام رئيسية تشمل تنسيق تقييمات التهديدات البحرية لمواجهة القرصنة، والهجمات غير التقليدية مثل الألغام والطائرات المسيّرة، وتنظيم دوريات بحرية مشتركة لتعزيز الردع، وضمان حرية الملاحة إلى جانب تطوير آلية استجابة سريعة للتعامل مع الأزمات المفاجئة.
وتقليل زمن التدخل كما يسعى المنتدى إلى حماية الاستثمارات البحرية والبنية التحتية المرتبطة بالموانئ والقنوات، بما يضمن استمرار تدفق التجارة العالمية ويعكس إدراكًا جماعيًا بأن البحر الأحمر وباب المندب لم يعودا مجرد ممرات تجارية، بل ساحات استراتيجية تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا.







