دورى النقاد
دراما رمضان فى ميزان النقد الفنى
روزاليوسف
عصام زكريا
الـ3 الأفضل فى النصف الأول
مع نهاية النصف الأول من موسم رمضان الحالى، يتقدم إلى الواجهة مسلسلات (صحاب الأرض)، (عين سحرية)، و(سوا سوا)، باعتبارها أكثر الأعمال طموحاً وإنجازاً فنياً.
(صحاب الأرض) عمل مهم عن القضية الأهم فى حياتنا، ولكن قوة الموضوع لم تكن مبرراً للمخرج «بيتر ميمي» وفريق عمله لكى «يستسهل» ويقلب العمل إلى مشاهد حوارية كسولة وفاترة كما يفعل الكثيرون، ولكن قوة الموضوع، على العكس، كانت دافعاً وتحدياً له لكى يقدم دراما ولغة بصرية على المستوى نفسه.. أقصد أن تقترب من ذلك بقدر ما يستطيع، لإن مسلسلاً أو شيئاً لا يمكنه أن يكون على مستوى هذا الموضوع.
(عين سحرية) على الورق مجرد فكرة مألوفة ومكررة شاهدناها كثيراً فى أعمال سابقة، ولكن المخرج «السدير مسعود» وفريق عمله يقدمون كل مشهد وكل لقطة وكأنها أهم مشهد ولقطة أو كأنها شيء غير مسبوق، ومن ثم يتجلى هذا الاهتمام والتدقيق والتجويد على الشاشة وشريط الصوت، ويحظى باهتمام المشاهد ومتابعته طوال الوقت.
وإذا كان الكثيرون أشادوا بأداء الممثلين، فمن الواجب أن نشيد أيضاً بعمل مدير التصوير «أحمد جبر» وموسيقى «خالد الكمار».
(سوا سوا) هو أيضاً عمل شديد الطموح، إن لم يكن أكثر أعمال الموسم طموحاً فنياً ليس فقط بسبب إبداع المخرج الشاب «عصام عبد الحميد» ومدير تصويره «محمد جاد»، والممثلين وبقية فريق العمل، ولكن أيضاً بسبب جرأتهم فى صنع عالم غرائبى وأحداث كئيبة ومشاهد صامتة ومتأملة كثيرة، دون اعتبار لمتطلبات السوق وإرضاء الجمهور..لو أن السيناريو، فقط، كان على قدر الطموح نفسه، وتم التعب عليه بقدر تعب فريق العمل، لكان لهذا المسلسل شأن آخر.

علا الشافعى
رمضان 2026.. موسم المخرجين بامتياز
يمكننا أن نصف موسم دراما رمضان 2026 بأنه موسم المخرجين بامتياز، بعدما شهد حضورًا لافتًا لعدد كبير منهم، وظهور أسماء جديدة، وترسخت موهبة آخرين.
«كريم العدل» قدم فى (كان يا ما كان) عملا اجتماعيًا شديد النعومة، دراما رائقة تبوح أكثر مما تصرح أو تصرخ، وتعتمد على تفاصيل تحتاج إلى مشاهدة متأنية، فاختار الإيقاع الهادئ ليمنح شخصياته مساحة للتعبير.
«السدير مسعود» فى (عين سحرية) يؤكد أنه صاحب عالم متفرد يملك كل تفاصيله، ويصوغ رؤيته بثقة واضحة، مقدمًا تجربة تحمل بصمته الخاصة.
المخرج «يحيى إسماعيل» فى (توابع) واحد من المخرجين الشباب الواعدين، الذى يسير بخطوات متأنية، ويعرف ماذا يريد، وهو قادر على تقديم ألوان درامية متعددة برؤية واضحة وأدوات واعية.
أما «محمود عبدالتواب» فى (فن الحرب) فقد رسخ مكانته كمخرج متميز يمتلك أدواته، وأصبح من الأسماء التى يُشار إليها فى عالم الإخراج، بل صار اسمه علامة أصيلة بعد نجاحاته المتتالية.
ومن أبرز مفاجآت الموسم المخرجة الشابة «مايا زكى» فى (حد أقصى)، صغيرة فى السن كبيرة فى الإنجاز، وتعد واحدة من أهم اكتشافات دراما رمضان 2026.
ويبقى «بيتر ميمى» فى العمل الأيقونى (صحاب الأرض) صاحب التحدى الأصعب، إذ قدم عملا عن مأساة غزة دون خطاب مباشر أو استدرار للعاطفة، بل ببناء درامى محكم، وصورة بصرية ثرية، وموسيقى تصويرية مؤثرة عمقت الإحساس بالمشاهد. العمل زاخر بالقصص الإنسانية، والتناقضات ويوازن بين الحب والحرب، الموت والحياة، الألم والأمل، فى معالجة ستبقى طويلا فى ذاكرة الفن كمرجعية عن قضية القضايا.

ماجدة خيرالله
صحاب الأرض.. وثيقة فنية تفضح حقيقة ما يحدث فى غزة
أحداث تابعناها على مدى عامين من خلال وسائل الإعلام عما يحدث فى غزة من دمار وتجويع للأهالى وتدمير للمستشفيات والمبانى وسقوط مئات القتلى كل يوم وبينهم نساء وأطفال وصعوبة إدخال الأدويه والمؤن التموينية وغطرسة العدو الإسرائيلى فى التعامل مع أهل غزة العزل.. كلها مجرد أخبار اعتدنا على تداولها ببعض التعاطف والشعور بالأسف والعجز، لكن مسلسل (صحاب الأرض)، نجح فى تحويل تلك الأحداث المسموعة إلى أحداث مرئية يصل صدقها إلى أن المشاهد الجالس فى منزله يستطيع أن يشم رائحة الدم والغبار الذى ينتج عن سقوط القنابل على الأبنية.
(صحاب الأرض) عمل فنى شديد الحرفية والصدق قدمه المخرج «بيتر ميمى» عن سيناريو لـ«عمار صبرى»، وقدمت «منة شلبى» واحدا من أهم أدوارها فى السنين الأخيرة بل دور يصعب مقارنته بأى أداء لزميلة أخرى فقد التزمت بكل تفاصيل شخصية طبيبة مصرية تذهب إلى غزة مع فريق انقاذ طبى أثناء الغارات المكثفة على المدينة، ليس فقط الشكل الخارجى ولكن رأينا من خلال عينيها حجم المأساة ووقعها على من يعيشها، حتى البكاء قد تحجر فى عينيها وأصبح الموت رفيقا تتابعه كل لحظه وفراق الأحباب والأصدقاء حدثا يوميا يفرض وجوده، أما «إياد نصار» فقد ساعدته أصوله الفلسطينية الأردنية على استعاده مشاعر لم تغادره فعبر عنها بصدق بالغ وألم مدفون بين الضلوع وبدا كأنه خارج من تحت الأنقاض.
كنت أتساءل: أين الفن المصرى من تقديم تلك الحقائق، ونحن نملك كل وسائل الإبداع فالفن وسيلة لتوثيق الأحداث وليس فقط وسيلة ترفيه وإمتاع والحمد لله لم يمض موسم رمضانى إلا وفوجئنا بهذا العمل البديع والذى تم تقديمه بدون ضجيج دعائى ومع ذلك فقد صنع نجاحه من فرط صدقه وإنحيازه للحقيقة لتقديم عملا فنيا سوف يشرح بالصوت والصوره للأجيال القادمه الجرائم الوحشية التى عانى منها أصحاب الأرض فى غزة.

خالد محمود
«عين سحرية»… ثلاث لحظات كشفت جوهر الصراع
فى عين سحرية لا تُقاس قوة الدراما بحدة المفاجآت، بل بقدرتها على خلق لحظات تمثيلية خالصة يتراجع فيها كل شىء أمام صدق الأداء.
ومن بين خطوط الصراع المتشابكة، برزت ثلاثة مشاهد شكلت ذروة التأثير، لأنها كشفت معدن الشخصيات وأعادت تعريف المواجهة بين «عادل وزكى».
المواجهة الأولى بين «عادل»، الذى يجسده «عصام عمر»، و«زكى» الذى يؤديه «باسم سمرة»، جاءت إعلانًا واضحًا عن صراع الأجيال.
قدّم «عصام عمر» شخصية شابة متوترة تسعى لإثبات ذاتها، معتمدًا على نظرات حادة وإيقاع سريع يعكس اندفاعه الداخلي. فى المقابل، اختار «باسم سمرة» هدوءًا محسوبًا؛ صوت منخفض وحضور ثابت يفرضان السلطة دون صخب. المشهد لا يحتاج إلى انفجار درامى، بل بنى توتره من الصمت والمسافات بين الجمل، فكان الصمت أبلغ من الكلمات.
أما لحظة الانكسار، حين يواجه «عادل» هشاشته بعد تراكم الضغوط، فمثّلت انتقالًا من الصدام الخارجى إلى الصراع الداخلى. هنا قدّم «عصام عمر» أداءً قائمًا على التفاصيل الدقيقة: ارتعاشة صوت، نظرة زائغة، وزفرة مثقلة بالخذلان.
لم يعتمد على انفعال صارخ، بل على هشاشة إنسانية صادقة صنعت تعاطفًا عميقًا، الكاميرا القريبة دعمت اللحظة، لكن القوة الحقيقية جاءت من التعبير الصامت.
وفى مشهد الذروة، لحظة كشف الحقيقة، بدا التباين بين الخبرة والاندفاع فى أبهى صوره. أدار «باسم سمرة» انفعاله بثبات وبطء مدروس، بينما جاء رد فعل «عصام عمر» أكثر توترًا واقترابًا من الانفجار.
بدت اللحظة كمباراة تمثيلية راقية، لا غالب فيها ولا مغلوب، بل تكامل يرفع مستوى الدراما.
هكذا يثبت المسلسل أن قوته الحقيقية تكمن فى لحظات يختفى فيها كل شيء، ولا يبقى سوى صدق الأداء.

طارق مرسى على كلاى «القاضية ممكن»
بنسب شبه ثابتة يتجه مسلسل «على كلاي» وبطله «أحمد العوضي» إلى حسم الصراع على لقب نجم الشارع والبطل الشعبى بعد استحواذه على اهتمام عشاق الدراما والحارة المصرية من أول حلقة ومن «الآخر كده» هو تاج التريندى فى النصف الأول من شهر رمضان بعد انسجامه مع المزاج الشعبى.
اتسم المسلسل وأحداثه بطابع الميلودراما هى نوع درامى يعتمد على الإثارة، والمبالغة العاطفية، والحبكات البسيطة التى تركز على الصراع بين الخير والشر، وغالبًا ما تنتهى بانتصار الخير والقيم الأخلاقية، والتعاطف مع الضحية وانتظار الانتقام من الظالم والنهايات المؤثرة، وهى تيمة عادةً ما تكون مثيرة ومصممة لجذب المشاعر بقوة، ولهذا تفاعل الجميع مع أحداثه رغم غرابة بعضها وعدم منطقيتها.
نفس التيمة أصبحت من ثوابت الدراما الرمضانية ووضع قواعدها «محمد رمضان» فى أكثر من عمل وحقق فيه نجاحًا ساحقًا حتى تحولت إلى صراع بين أسماء كثيرة لنيل درجة البطل الشعبى ونجم التريند..عمرو سعد ومصطفى شعبان دخلا هذه المنطقة هذا العام سعيًا وراء التريند واجتهد كل منهما حتى تفوق على نفسه فى مسلسلى «إفراج» و«درش» وتصدرا أيضًا التريند بتفاصيل مختلفة وتجاوب الجمهور معها، لكن يظل شبح محمد رمضان يطارد كل منهم والسر فى التفاصيل والتراكيب الدرامية المكررة على مستوى الشخصيات والديكورات حتى الاستعانة بنفس الأسماء التى لمعت مع محمد رمضان نفسه.
مخرج العمل محمد عبدالسلام والمؤلف محمود حمدانى نجحا فى خلق موضوع وتوليفة شعبية لا تخلو من ملامح العالم الذى خلقه محمد رمضان والمخرج محمد سامى ويبدو أن تأثيرهما كبير على المخرج الذى عمل معهما فى أعمال جماهيرية ناجحة كمساعد مخرج مثل «البرنس» و«الأسطورة» وفى العمل يبدو كتلميذ نجيب لمدرستهما رغم نجاحه مستقلا كمخرج لمسلسلات «لؤلؤ» و«رحيل» ومع أحمد العوضى نفسه فى مسلسل «فهد البطل » العام الماضى.لكن يحسب للمخرج وبطل العمل الاستعانة بعناصر غائبة حققت نجاحًا كبيرًا أبرزها على الإطلاق «طارق دسوقى» وهو من مواليد زمن الفن الجميل والذى عاد بعد غياب 14 عامًا لكن بريقه وموهبته لم تنطفئ.. «منصور الجوهري» تلك الشخصية التى جسدها طارق من أبرز إيجايبات المسلسل إلى جانب اكتشاف مواهب جديدة سيكون لها حضور كبير مثل «يارا السكري» و«مروة الأزلى» و«ريم سامي» ومعهن «محمد عادل» الفتى الموهوب والمتحفز.. وكما أعاد المسلسل بريق «طارق دسوقى» فإنه رد اعتبار «عمر زهران» فى هذا الظهور الاستثنائى بعد الظلم الذى تعرض له من دون مقدمات بعد أن مرحت موهبته فى دراما رمضان «الاختيار» ثم أعلى نسبة مشاهدة وإمبراطورية م ومع أحمد العوضى فى مسلسل «حق عرب» وغيرهم. ومثل «عمر زهران» تعرضت «رحمة محسن» لظلم وصل لدرجة ذبحها فى أول تجربة لها، بعد تعرضها لسيل من الانتقادات لعلها تكون هذه الانتقادات دافعًا لها للإجادة ولو كره المنتقدون، وأخيرًا فإن الحكم النهائى على مسلسلات البطل الشعبى «على كلاى ودرش وإفراج» بعد تمام هلال المشاهدة ونهاية الحلقات، والقاضية ممكن .

صفاء الليثى انحراف السرد وضعف النهايات
لا يمكن إنكار التطور الحادث فى كتابة الدراما هذا العام ودمج القضايا العامة مع القضايا الخاصة بالأسرة والعائلة فى بوتقة واحدة، نجد الأمر فى (حد أقصى) الذى عرض لظاهرة غسيل الأموال باختراق حسابات نائمة بالبنوك لأفراد، وهو ما وقعت فيه «صباح» وتكشفت مصائب أخرى اقترفها الزوج الطامع بأنانية فى أموال زوجته، أفسد العمل الانحراف من البطولة الجماعية إلى سيطرة النجمة بحيث تصبح كما نجمة الجماهير تمتلك قدرات لتهزم كل الأشرار بمفردها، رغم بدايات قوية وجهد المخرجة الشابة إلا أن تهميش كل الأدوار ومنح الصفات الطيبة لـ«صباح» وحدها أضعف العمل، فجأة تحولت من ساذجة انخدعت من زوجها إلى سيدة أعمال تغلب الجميع وأضيفت قضايا ابتزاز وانتحار وإعلان توعوى فى نهاية حلقة 14.
بينما مسلسل (كان يا ما كان) يسير كما خطط له لعدم سيطرة من الممثلين عليه، «ماجد الكدوانى» ممثل شخصية بها رماديات بين الجيد والسيئ وكذا «يسرا اللوزى»، برعت الكاتبة فى إلقاء الضوء على ظواهر سيئة تحدث فى المجتمع المصرى دفعت «داليا» و«مصطفى» للانسياق ورائها وسقط الحاجز بين الخير والشر، لا يوجد شياطين وملائكة بل بنى آدمين يتصرفون كبشر يتمنون الخير لأحبائهم حتى لو اضطروا للسير فى طريق خاطئ بسبب ضغوط اجتماعية أو أفكار متسلطة عليهم.
أفسدت الميلودراما بداية من الحلقة العاشرة تميز السرد فى (عين سحرية) كالمبالغة فى ردود الفعل على موت الأم، وكذا رد فعل ابنة «زكى» غير المتفهم، وسادت بكائيات اكتملت بقتل «مريم» مساعدة «شهاب» وحفلت مشاهد المواجهة بحوارات رنانة غيرت العرض القوى والهادئ لمشكلة مافيا الأدوية الفاسدة.

حنان أبوالضياء فن الحرب و(48 قانون للقوة )
يبدو أن مسلسل (فن الحرب) أراد إعادة تجربة مسلسل (تفاحة آدم) الذى قدم منذ عدة سنوات؛ وبنى السيناريو المأخوذ عنه على أفكار كتاب (48 قانون للقوة ) لـ«روبرت جرين». فاستعان سيناريو مسلسل «يوسف الشريف» بكتاب (فن الحرب) الذى كتب قبل أكثر من 2500 عام، ولا يزال حاضرًا فى عالم الأعمال والسياسة وحتى تطوير الذات، لما يحمله من حكم تتجاوز ساحات القتال إلى تفاصيل الحياة اليومية. وحاول السيناريست جعل الحوار يجرى على لسان بطل مسلسله «زياد، يوسف الشريف» كأنه المفكر العسكرى الصينى «سون تزو»، الذى يفهم الصراع باعتباره جزءًا من الطبيعة الإنسانية، يمكن إدارته بالحكمة لا بالقوة وحدها. فينقل مقولات «سون» نقل المسطرة.
تلك المقولات يقولها قبل أن يشرح أحد حيله كأنه بنى الخطة عليها؛ وفى كثير من الأحيان تبدو المقولة وكأنها قد حشرت بلا معنى ضمن أحداث المسلسل. للأسف فكرة اقتباس مقولات لتكون خلفية شبه أساسية فى الحوار تكلفتها فصل المشاهد عن تتابع الحدث.
ثمة تشابه فى اختيار أبطاله وبين مسلسل (بـ 100 وش)، وفيلم (Ocean's Eleven) من إخراج «ستيفن سودربرج».. أما شخصية «زياد» والعديد من الحيل الإجرامية التى بنى عليه سيناريو (فن الحرب) معتمدة إلى حد كبير على مسلسل (Lupin) الذى تدور أحداث قصته حول اللص المحترف «أسانى ديوب». حيث يلفق لوالد «أسانى» تهمة سرقة عقد ألماس ثمين من قبل رب عمله، «هوبير بيليجرينى»، الثرى، فينتحر فى زنزانته، تاركًا «أسانى»، يواجه مصيره وحيدًا. بعد خمسة وعشرين عامًا، مستلهمًا من كتاب عن اللص النبيل «أرسين لوبين»، ينطلق «أسانى» لتبرئة اسم والده والانتقام من عائلة «بيليجرينى»، مستخدمًا جاذبيته وإتقانه للسرقة والخداع والتنكر لكشف جرائم «بيليجرينى». شخصيةً «زياد» والدافع الذى يحركه يتشابه مع شخصية «أسانى ديوب» كشخصية اللص النبيل. فكرة عبقرى يتفوق على الجميع بخطوة، ويسرق من الأغنياء ببراعة.
ربما ترك كاتب السيناريو لنفسه عددًا محدودًا من الخيوط غير المكتملة، يستعد فيها «زياد» للمخاطرة بكل شيء لإتمام العملية، وبالطبع لا تسير الأمور كما هو مخطط لها، مما يؤدى إلى سلسلة من التحولات وعمليات السطو.

أندرو محسن حجة الخاسر: اللجان
إن سألت صانع فيلم أو مسلسل فى أى مكان فى العالم عن سبب فشل عمله الأخير، على الأرجح الإجابة ستكون: سوء تقدير منى، أو خلافات بين فريق العمل والشركة المنتجة، أو خطأ فى توقيت العرض.
بينما فى مصر، وبالذات فى الموسم الرمضانى، يسارع الفنانون إلى إلقاء اللوم دائمًا على الكيان غير المحدد المسمى «لجان إلكترونية». لا شك أن اللجان باتت تلعب دورًا لا يمكن إغفاله فى الدعاية للأفلام والمسلسلات فى السنوات الأخيرة، والدعاية لممثلين وممثلات أيضًا، وفى النهاية قد تساهم فى الوصول إلى ترتيب أعلى ضمن قوائم المشاهدة أو انتشار أعلى بين الجمهور لكنها فى النهاية من الصعب أن تغيّر رأى من شاهد بالفعل، لن يحب مشاهد مسلسل الفنانة التى تضخم صوتها بشكل منفر لأنه شاهد منشورًا يمدحها على السوشال ميديا، ولن يوقف مشاهد آخر مشاهدته لمسلسل البطل مفتول العضلات الذى يطيح بالجميع من حوله لأنه شاهد منشورًا يهاجمه.
الأفضل هو أن يحاول الفنانون دراسة وفهم آراء الجمهور، وتحليل أسباب الفشل والنجاح بشكل منطقى، وربما محاولة تقبلها أيضًا، ثم معالجتها فى الأعمال التالية، بينما عزل النفس فى فقاعة من الآراء الإيجابية فقط لن يفضى إلا إلى المزيد من الخسائر.
الطريف فى الموسم الحالى هو تسلل عدد من الأعمال التى لا تحظى بالدعم الإلكترونى الملحوظ أو تصدر منشورات لتغطية كل لقطة ومشهد فيها، وهذه الأعمال صعدت إلى مقدمة قوائم المشاهدة، وذلك اعتمادًا على جودتها أو قدرتها على جذب الجمهور حلقة وراء الأخرى، وأبرزها (اتنين غيرنا) المسلسل الرومانسى الذى يستعرض مشاكل زوجية، ويخلو من التوابل المعتادة فى المسلسلات الأخرى لجر رجل المشاهد، والآن يحتل رقم 1 فى الأعلى مشاهدة على منصة ووتش إت.

نـاهـد صـلاح منة شلبى.. بطولة بدون ضجيج
انتهى النصف الأول من رمضان بدراما متباينة، تراوحت فيها الكتابة بين نصوص مُحكمة تعرف ما تريد قوله، وأخرى بدت متعجلة تلهث خلف الحدث دون عمق. مع ذلك؛ حمل الموسم مفاجآت لافتة على مستوى الأداء التمثيلى؛ إذ برزت أسماء جديدة بعلامة واضحة، مثل «روان الغابة» فى مسلسل (صحاب الأرض)، «صابرين النجيلى» فى (اتنين غيرنا)، و«عمر شريف» فى (عين سحرية)، و«ريتال عبدالعزيز» فى (كان يا ما كان). أسماء أخرى كثيرة برزت لتؤكد أن الشاشة لا تزال قادرة على تجديد دمها. غير أننى أتوقف هنا عند حضور «منة شلبى» المؤثر فى (صحاب الأرض)، مجسدة شخصية الطبيبة المصرية «سلمى» التى تكرّس عملها لمداواة الفلسطينيين فى غزة، فتختلط معهم فى حكاياتهم وأوجاعهم. «منة» هنا لم تعتمد على انفعال صاخب أو أداء سطحى مباشر؛ بل راهنت على أسلوبها الخاص فى التعبير شكلاً وموضوعًا: ظهور طبيعى بلا ماكياج، نظرة مترددة تختزن خوفًا مكبوتًا، ارتعاشة صوت تُخفى تصميمًا صلبًا، جسد يتحرك بحذر بين الواجب المهنى والجرح الإنسانى. إن هذا الحضور بهذه الطريقة يعكس قدرة استثنائية على ملامسة الوجدان دون استعراض، فهى تدرك تمامًا أن الشخصية التى تؤديها لا تحتاج إلى صراخ لتصل معاناتها؛ بل إلى صدق يترجم مأساة الواقع. لقد استطاعت من خلال «سلمى» أن تمنح الدور أبعادًا نفسية مُركبة؛ حيث يظهر وجهها كمرآة تعكس ألم الآخرين وصمودهم فى آن واحد، مما جعل كل لفتة أو حركة تبدو كرسالة إنسانية صامتة تخترق وجدان المُشاهد بعمق وثبات. أداؤها يتكئ على وعى داخلى بالشخصية، وإذا قارنا هذا الحضور بأدوار سابقة لها؛ حيث مالت أحيانًا إلى العاطفة الفائضة أو التوتر العالى، نلمس هنا نضجًا مختلفًا.. «منة شلبى» لا تسعى لانتزاع التعاطف؛ بل تتركه يتشكل تدريجيًا عبر التفاصيل. إنها تمثل من الداخل إلى الخارج، تمنح الشخصية مساحة صمت بليغة توازى الحوار. جاء أداؤها متماهيًا مع صلابة النص الذى صاغه «عمار صبرى ومحمد هشام عبية»، مستنيرًا برؤية المخرج «بيتر ميمى»، لينصهر الأداء بالرؤية، محولاً المسلسل من مجرد سرد لِحكاية، إلى أثر إنسانىّ باقٍ يعصى على النسيان، ويستقر كوثيقة نابضة، تترك أثرًا يمتد أبعد بكثير من حدود الشاشة.

محمد سيد عبدالرحيم «صحاب الأرض».. على هذه الأرض ما يستحق الحياة
فى وقت تتداخل فيه السياسة مع تفاصيل الحياة اليومية، يأتى مسلسل (صحاب الأرض) كعمل يواجه واقعه مباشرة. لا يتوقف عند ما بعد 7 أكتوبر بل يستشرف اللحظة الراهنة بما فيها من تصعيد إقليمى تتداخل فيه إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، بينما يبقى الفلسطينى فى موقع المتلقى الأول لنتائج هذا الصراع. المسلسل لا يُقدم تحليلا سياسيًا بل يركز على أثر هذه التطورات على الإنسان العادى فى حياته اليومية. «منة شلبى» و«إياد نصار»، تحت إدارة «بيتر ميمى» وإنتاج «المتحدة»، يقدمان شخصيات بعيدة عن الشعارات.
الخوف موجود والخسارة واضحة لكن هناك أيضًا إصرار على الاستمرار. العمل لا يعتمد على المبالغة أو الخطاب المباشر بل يقترب من تفاصيل الحياة اليومية. رجال ونساء وأطفال يلقون حتفهم وبيوت ومستشفيات ومدارس تتضرر وأعمال تتعطل وعائلات تحاول أن تبقى متماسكة. فى هذا السياق، تصبح الحياة نفسها موقفًا.
تتردد فى خلفية عقولنا ونحن نشاهد هذا العمل الملحمى عبارة الشاعر الفلسطينى الكبير «محمود درويش»: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». لا نستلهمها كاقتباس جمالى ولكن كفكرة أساسية. فالإصرار على العيش، وفتح الأبواب كل صباح رغم القلق هو شكل من أشكال المقاومة. الفلسطينى فى (صحاب الأرض) لا يصوَر فقط كضحية بل كشخص يسعى للحفاظ على حياته وكرامته فى ظروف معقدة.
المسلسل يؤكد أن الاستمرار ليس تفصيلا عابرًا بل جوهر الصراع. فالبقاء والعمل والحلم. كلها أدوات يومية تؤكد أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأن الأرض لأصحابها.

مصطفى الكيلانى شباب دراما 2026.. دماء جديدة تراهن على «الموهبة» لا «الصدفة»
مع انطلاق دراما رمضان، تظل متعة «الاكتشاف» هى الجائزة الكبرى التى أبحث عنها، تلك اللحظة التى يظهر فيها وجه جديد ليقول «أنا هنا» ببراعة الأداء لا بضجيج السوشيال ميديا. وفى النصف الأول، لم تكن المفاجأة فردية، بل جاءت جماعية ومبشرة بجيل يمتلك الوعى قبل الموهبة.
فى مسلسل (اتنين غيرنا)، قدمت «صابرين النجيلى» درسا فى كيفية العبور الآمن من منطقة الغناء إلى ملعب التمثيل. شخصية «وفاء» لم تكن مجرد تجربة لمطربة تجرب حظها، بل كشفت عن ممثلة تدرك أن لغة الجسد والعينين قد تكون أبلغ من أعذب الألحان.
أما «أحمد بيلا» فى (عين سحرية)، فقد نجح فى تقديم نفسه للجمهور فور وقوفه أمام الكاميرا، ليقدم أداءً تلقائيًا وخفيفًا وبناءً جيدًا للشخصية، وهما ما جعله نصب أعين الجمهور من أول مشهد.
ولا يمكن إغفال «عمر شريف» فى (عين سحرية) أيضًا، الذى يخطو بثبات يحسد عليه، معتمدا على أداء سهل وبسيط بعيدا عن فخ الاستعراض المجانى.
ومثله «أمير عبدالواحد»، ابن المسرح وأكاديمية الفنون، الذى ساعدته مرجعيته الأكاديمية فى طريقة تفكيكه للنص وبناء الشخصية من الداخل، بعيدا عن الارتجال غير المحسوب سواء فى (اتنين غيرنا) أو (حد أقصى).
وفى (كان ياما كان)، نجد «ريتال عبدالعزيز» تضع نفسها فى اختبار صعب، الوقوف أمام «ماجد الكدوانى» و«يسرا اللوزى» فى عمل بهذا الثقل فى المشاعر.
المفاجأة أن «ريتال» لم تتوار فى ظل الكبار، ولم تكتفِ بدور «الابنة»، بل كانت ندًا فنيًا أضاف للعمل.
القاسم المشترك بين هؤلاء الشباب هو «الاحترام»، احترامهم للمشاهد جعلهم لا يستجدون معرفته، بل يفرضون عليه حفظ أسمائهم ومتابعة خطواتهم، وهذا تحديدًا هو الحد الفاصل بين الوجه العابر، وبين مشروع النجم القادم.

على الكشوطى كان ياما كان.. دراما الغضب المكتوم
وسط تصاعد حدة الدراما التليفزيونية بصخبها المعتاد فى موسم تشتد فيه المنافسة، وعلى مسافة بعيدة، يقف مسلسل (كان ياما كان) عند الحدود التى رسمها لنفسه دراما لغضب مكتوم، تتصاعد وتيرته ثم تخفت، تتصاعد ثم تخفت، دراما من نوع خاص، تتناول قضية شديدة الحساسية، تغوص فى النفوس البشرية بتناقضاتها، بألاعيبها العجيبة، بتصرفاتها غير المفهومة وغير المبررة.
حياة هادئة مستقرة يتمناها الكثير منا، زوج وزوجة وابنة محبة، وعائلة يشعر بعض أطرافها بالدفء، ويفتقده طرف آخر، أسرة تبدو مثالية، وربما تحسد على ما تعيش فيه ولكن هذه الأسرة ينهش فيها الاكتئاب، زوجة مكتئبة تقرر إلقاء حجر فى ماء راكد، تتمرد على واقعها وترفضه، لا لعيب واضح فى زوجها، بقدر ما هو تمرد على واقعها هى.
كيف تعيش مع مريضة اكتئاب خمسة عشر عاما ولا تعرف عنه شيئا؟ ربما تلك الحياة هى التى تتركنا فى دوامة لا تنتهى، الأمر الذى يجعل الحياة تستمر رغم أنها لا تشبه الحياة، ولكنها تمر.
عبر المخرج «كريم العدل» عن تلك الحالة من خلال «ماجد الكدوانى»، الأب الهادئ العاقل الرصين، الذى يتحمل مزاجية زوجته «يسرا اللوزى»، ربما لو كان منحها القليل من الجنون والجموح لكان الوضع مختلفا.
جسد «ماجد الكدوانى» دور الأب باحترافية شديدة، وحافظ على دراما الغضب المكتوم، التى كلما توقع الجمهور انفجارها، عاد مرة أخرى إلى نقطة الصفر، دراما تشبه واقعنا الذى نحاول الحفاظ على روتينه دون خروج عن النص.
«يسرا اللوزى» هى مريضة الاكتئاب المفعول بها، التى قررت التمرد كنوع من العلاج. منحت الدور الكثير من المصداقية، لا بسيناريو وحوار يفسر ذاته، بقدر ما يُفهم من تعبيرات وجهها. ربما نغمة المسلسل ووتيرة أحداثه لا تسير على نفس نهج نوعية المسلسلات الصاخبة ذات الأحداث المتسارعة، وهو أمر يمكن استكشافه من اسمه (كان ياما كان) وكأنها حدوتة.
يبقى العمل واحدا من الأعمال المتماسكة، تعوضه ابنة تكافئ كفتى الصراع عندما تقف بجوار والدتها فى مواجهة الأب، رغم كونه محِبا مسالما يبحث عن الاستقرار والهدوء فى عالم صاخب تحكمه المادة.








