الخميس 8 مايو 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

العالم السرى لدولة الكافيهات

العالم السرى لدولة الكافيهات
العالم السرى لدولة الكافيهات


خلف دخانها الأزرق، وبين فنجانى شاى «مستورد» يزيد سعر الواحد منهما على 150 جنيها وأكثر (بعد المينى تشارج)، مع إعطاء «بقشيش» محترم للنادل الذى حجز لهم مكانا فى «الركن» بعيدا عن الأعين «البصاصة»، تعقد الصفقات المشبوهة:  تجارة مخدرات، وعملة ودعارة، وتدار دولة موازية للدولة، حيث الربح السريع والمجزى مع التهرب من الضرائب، والعمل بدون ترخيص، إنه عالم الكافيهات المشبوه، والذى تزداد غزواته يوما بعد يوم فى كل أحياء مصر خاصة «الهاى كلاس»: الزمالك، جاردن سيتى، المهندسين، مدينة نصر، ومصر الجديدة، والتى شهدت الأسبوع الماضى جريمة مقتل الطالب محمود بيومى فى كافيه «كيف» الذى يمتلكه رجل الأعمال أسامة النجار، والذى كان أحد الأعضاء النشطين بحملة المرشح الرئاسى السابق أحمد شفيق، وأحد أصدقائه المقربين، وكان دائم الظهور فى مقر الحملة، كما أنه دائم التردد على الإمارات لعقد الصفقات وزيارة الفريق فى مقر إقامته هناك.

وفى خطوة مستفزة تؤكد قوة دولة أصحاب الكافيهات وأعوانهم من البلطجية، أعلن كافيه «بلكونة» الشهير بالمهندسين والمملوك للضابط السابق ورئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، علاء عابد وزوجته المذيعة بسمة وهبة، قبل ساعات على صفحة الكافيه بالفيس بوك عن توفير فرص عمل للعاملين السابقين بكافيهات مصر الجديدة ومدينة نصر، التى جرى غلقها بعد جريمة مقتل الشاب محمود بيومى عقب مباراة نهائى بطولة أفريقيا بين مصر والكاميرون الأحد الماضى، فى تحد واضح لغضب المصريين ودولة القانون.
وقد فجرت جريمة قتل بيومى بعد مشادة على طريقة طلب الحساب على يد بلطجية استعان بهم صاحب الكافيه رجل الأعمال أسامة النجار، غضبا عارما استجابت له الدولة بحملة قوية لغلق تلك الكافيهات التى تبين أن أغلبها غير مرخص، وأنها تدار بسطوة أصحاب النفوذ، وهو ما كشف عنه اللواء أحمد تيمور نائب محافظ القاهرة تحت قبة البرلمان قبل شهور قليلة، فواجه حملة هجوم شرسة ممولة من أباطرة هذا النشاط والبيزنس الخارج عن السيطرة.
لم ترق حملة غلق الكافيهات لشبكة المصالح التى تملك أوكار الكافيهات - خاصة الخمس نجوم - التى تمارس فيها أنشطة غير قانونية أخرى، إلى جانب تقديم المشروبات والأطعمة بعيدا عن مراقبة أجهزة الأمن، لسبب بسيط هو أن من يملكها ويديرها كثير من وجهاء المجتمع ورجال الأعمال والفنانين والضباط السابقين والنواب، أمثال علاء عابد الذى يتحدى مشاعر المصريين وتحركات الدولة صراحة بدعوته الأخيرة لإلحاق بلطجية الكافيهات للعمل فى الكافيه المملوك له ولزوجته.
وقد حصلت «روزاليوسف» على صورة رسمية من ترخيص لكافتيريا تدعى «بيج برجر - جو البحر حاليا» فى شارع رستم بحى جاردن يسمح بتقديم الخمور، وهى واحدة من النشاطات المخالفة الكثيرة التى تجرى داخل تلك الأوكار، التى يتردد عليها الأجانب والخليجيون، والتى تصل إلى الدعارة وإدارة شبكات الآداب.
من جهته أمر المستشار عبدالرحمن أمين مدير نيابة مصر الجديدة، بإخلاء سبيل 8 من عمال كافيه مصر الجديدة، عقب التحقيق معهم فى حادث مقتل الطالب محمود بيومى داخل الكافيه، وأمرت النيابة بإرسال الـ«مطواة» والـ«فتاحة» وقميص المجنى عليه للطب الشرعى، لبيان تطابق الدماء مع الأدوات التى استخدمها المتهمون فى طعن المجنى عليه، ونفى عمال الكافيه علاقتهم بالواقعة أمام نيابة مصر الجديدة، وأكدوا أن المشاجرة كانت بالطابق الثانى، ولم يتدخلوا فيها أو يشاركوا فيها، بينما جدد قاضى المعارضات حبس رجل الأعمال أسامة النجار 15 يومًا على ذمة التحقيق.
وكان المستشار عبدالرحمن أمين مدير نيابة مصر الجديدة، أمر بحبس أسامة النجار صاحب كافيه «كيف» 4 أيام على خلفية جريمة قتل بيومى، وكشفت تحقيقاته، أن شهود العيان أجمعوا على أن النجار كان موجودًا بالكافيه وقت وقوع الحادث، وأن العامل المتهم «عمرو» طعن محمود بيومى بآلة حادة، بينما تعدى عليه باقى العمال بالضرب بالكراسى والأحزمة و«ماشة الشيشة».
وأضاف شهود العيان، أمام النيابة إن المجنى عليه كان برفقة 12 من أصدقائه، وحضروا إلى الكافيه لمشاهدة مباراة مصر والكاميرون فى نهائى البطولة الأفريقية، وعقب انتهاء المباراة أغلق الكافيه، وعندما طلب المجنى عليه مغادرة المكان رد عليه عامل «محدش هيمشى يابهوات إلا لما نجمع كل حساب المشروبات»، فرد عليه المجنى عليه «دى بلطجة»، فقال له المتهم «هتشوف البلطجة بجد».
وبمواجهة مدير كافيه مصر الجديدة بالعامل المتهم «عمرو فزاع» اعترف مدير الكافيه على العامل أمام النيابة قائلا: «عمرو هو إللى قتل محمود بيومى» وضربه فى بطنه ورقبته، وأضاف مدير الكافيه إنه علم بوجود مشاجرة فى الطابق الثانى من الكافيه بسبب جمع قيمة «المشروبات» عقب المباراة، وشاهد عامل الكافيه المتهم «عمرو فزاع» فى مشادة كلامية مع المجنى عليه، وأنه تدخل لإنهاء المشادة الكلامية، وطلب من العامل الانصراف، وأنه سيقوم بحساب «ترابيزة الزبون» قائلا: «حساب ترابيزة محمود عندى»، ثم تجددت المشاجرة بين «فزاع» و«بيومى» عقب نزوله إلى الطابق الأول، وطعنه بآلة حادة فى بطنه ورقبته، فسقط «محمود» غارقا فى دمائه.
لكن بعض العاملين اعترفوا أن عبارة «الشيك دا عندى» لم تكن إلا «سيم» متعارف عليه بين مدير المحل والبلطجية الذين استعان بهم لتأمين المحل فى يوم المباراة، ومعناه إصدار أمر بتأديب «الزبون» بعد مغادرته باب الكافيه. واعترف المتهم عمرو فزاع أمام المستشار عبدالرحمن أمين مدير نيابة مصر الجديدة، بضرب المجنى عليه محمود بيومى بـ«فتاحة» قائلا: «المجنى عليه ضربنى بالشلوت.. روحت ضربته بفتاحة».
فيما نفى كابتن طيار كريم سمير البرنس صديق الضحية وزميل دراسته فى الجامعة البريطانية تصريحات محامى صاحب الكافيه بأن الجريمة وقعت خارج الكافيه، مشيرا إلى أن العاملين بالمكان أجبروا محمود على النزول من سلم جانبى حتى لا يشاهده أصدقاؤه واعتدوا عليه بالضرب بالأحزمة «وماشة الشيشة» حتى وصل إلى خارج المكان وسقط غارقا فى دمائه نتيجة طعنه فى بطنه ورقبته.
وعلمت «روزاليوسف» أن القاتل طعن بيومى طعنتين: الأولى فى صدره أعلى القلب، وتسببت فى قطع الشريان الأورطى، والثانية فى بطنه فوق سرته، ما يحقق قصد القتل العمد.
وقالت مصادر من عائلة الضحية لـ «روزاليوسف» إن محمود الذى ولد فى 21 فبراير 1993 كان يعتزم الاحتفال بعيد ميلاده الرابع والعشرين هذا الشهر، وأنه كان ينوى السفر للعمل فى الكويت، حيث وفرت له شقيقته سارة المقيمة هناك عقد عمل، تمهيدا لاستقراره وإتمام عقد قرانه على خطيبته فى الصيف المقبل، وإن عائلته وخاصة والده أستاذ الطب المعروف محمد بيومى، ووالدته سحر يعيشان ظروفا نفسية صعبة للغاية بعد مقتل نجلهما، وأنهما وبعض أصدقائه تعرضوا للانهيار العصبى خلال تشييع جنازته فى مسقط رأسه بالمنصورة عقب الصلاة عليه فى مسجد العيسوى بعد صلاة العشاء ثم جرى دفنه فى مقابر العائلة.
وأكدت مصادر من العائلة أن المشاجرة لم تكن بسبب المال لأن والد محمود ميسور جدا ويوفر له حياة كريمة كما أن محمود كان برفقة خطيبته، ولكنه اعترض على طريقة البلطجية الذين استعان بهم صاحب الكافيه للتعامل مع الزبائن، وقالوا إن المجنى عليه كان برفقة 12 من أصدقائه حضروا لمشاهدة مباراة مصر والكاميرون، ثم انضم إليهم فى الدقائق الأخيرة أصدقاء آخرون، فأراد مدير الكافيه أن يحصل منهم «مينى شارج» البالغ 150 جنيها، فاعترضوا قائلين إنهم لم يحضروا المباراة من البداية ولم يطلبوا مشروبات بهذه التكلفة، إلا أن مدير الكافيه وأعوانه أصروا على الدفع، فتطوع محمود بدفع الشيك الذى تجاوز ألف جنيه، وطلب فتح الأبواب التى أغلقها البلطجية ليغادر هو وخطيبته وأصدقاؤه، إلا أنهم رفضوا حتى ينتهوا من تحصيل الحساب من كل الزبائن فى الأدوار الثلاثة، وهو ما دفع محمود للغضب والاعتراض، ليفاجأ بسلسلة من الشتائم والاستفزازات من العاملين، حتى تدخل مدير الكافيه بعبارة «الشيك دا عندى» رغم دفع الحساب بالفعل، وذلك فى إشارة للسماح له بالخروج ثم التعرض له وتأديبه خارج المحل.
من ناحية أخرى، تنصل المطرب اللبنانى عاصى الحلانى من أى علاقة بالفرع المصرى لكافيه «كيف» وقال إنه باع العلامة التجارية لرجل الأعمال أسامة النجار مقابل 300 ألف دولار فقط، وأنه لا يشاركه فى ملكيته، كما نفى المطرب مصطفى قمر الذى يملك كافيها آخر، مشاركة النجار، وقال إن علاقته به توقفت على إنتاج كليب عن الإرهاب بمشاركة المطرب إيهاب توفيق قبل سنوات.
وقد تجولت عدسة «روزاليوسف» فى شوارع مصر الجديدة ومدينة نصر عقب الحادث، ورصدت آثار الحملة التى شنها رئيس حى مصر الجديدة إبراهيم صابر على تلك الكافيهات المشبوهة، والتى شملت الغلق وتحطيم واجهات المحلات فى بعض الأحيان، كما حدث فى كافيهات جابرييل ولوجراند رويال وجوستو وكرانز، فى شوارع النزهة وإسحق يعقوب وعبدالمنعم حافظ وعبدالمنعم إسماعيل والحرية والميرغنى، كما نشط عبدالعزيز مصطفى رئيس حى شرق مدينة نصر الجديد، والذى جرى نقله مؤخرا من حى باب الشعرية بعد تحقيق إنجاز هائل فى الحى وحصوله على المركز الأول فى أحياء القاهرة النظيفة، وشن حملة موسعة على الكافيهات وأغلق كل الكافيهات والمقاهى غير المرخصة، وأمر بتشميعها بالشمع الأحمر، خاصة فى حى السفارات ومنها كافيهات الشمندورة وبلكونة، ما استقبله السكان بتعبيرات الرضا والتأييد.
وقد عبر مسئول كبير فى محافظة القاهرة لـ «روزاليوسف» عن عجزه عن مواجهة تلك الظاهرة بسبب نفوذ أصحاب تلك الكافيهات، وقصور القانون فى مواجهة تلك المخالفات، حيث إن غرامة فض الشمع لا تتجاوز 50 جنيها، ما يغرى أصحاب تلك الكافيهات التى يصدر قرار غلقها وتشميعها بفض الشمع وفتحها مرة أخرى، كما حذر من فساد الموظفين فى الأحياء والمرافق، مشيرا إلى أن نقل رئيس حى مجتهد هنا أو هناك لن يحل المشكلة طالما ظل العاملون المنوط بهم الرقابة على تلك المحلات المخالفة أكثر من عشرين عاما فى أماكنهم، حيث يتقاضون رواتب ثابتة شهرية من أصحاب تلك الكافيهات، ويعطلون تنفيذ القانون ويجهضون كل حملة لتصفية تلك البؤر المخالفة والمشبوهة، لافتا إلى أن وكيل وزارة الثقافة السابق الذى تردد اسمه فى الأخبار قبل عدة أشهر بعد احتراق ملهى ليلى يملكه فى العجوزة وتفحم 17 من العاملين به، استطاع فتح كافيه جديد باسم مانديلا مرة أخرى دون ترخيص أو رقابة، كما اكتفى كافيه دوار العمدة فى شارع دجلة بالمهندسين بوضع ستارة على واجهة المحل لتغطى ما يجرى داخله من رقص وتقديم خمور ومخالفات أخرى، بفعل شبكة المصالح التى تتستر على المخالفين.
وقد اتجه كثيرون من رجال الأعمال وأبناء الكبار إلى نشاط الكافيهات نظرا لما تدره من أرباح خرافية خارج رقابة الدولة ودون دفع ضرائب، ومن بينهم نجل المشير أحمد إسماعيل الذى يملك كافيه «بوترى» فى الزمالك وهو الكافيه الذى يظل مفتوحا لمدة 24 ساعة فى أى وقت من السنة، حتى إنه كان الوحيد الذى يسمح له بالعمل فى أوقات حظر التجول قبل عامين.
ويشارك فى هذا البيزنس عدد من الإعلاميين، حيث إن ابنة إعلامى معروف كانت موجودة فى مسرح الجريمة بكافيه كيف واتصلت بوالدها فورا عقب الحادث، ليخصص والدها حلقة عن الجريمة، ثم يتراجع فى اليوم التالى باستضافة عدد من أصحاب الكافيهات لتخفيف حدة غضب الرأى العام ضدهم والتماس العذر لهم بادعاء أن مئات العاملين الشرفاء يفتحون بيوتهم من العمل لديهم.