من إدارة الأصول إلى إدارة الدور..
خريطة جديدة للاقتصاد المصرى بقيادة القطاع الخاص
إسلام عبدالرسول
فى حركة تكتيكية غيرت الدولة قواعد اللعبة الاقتصادية كقطع الشطرنج لنبدأ فصلًا جديدًا فى كتابة المستقبل الاقتصادى للدولة وللأجيال القادمة، فحين يعاد توزيع الأدوار على الرقعة، وتُمنح بعض القطع مساحة أكبر للحركة يكون الفوز حليف من يتحكم فى قواعد اللعبة الجديدة ويعرف أبعادها.
هذا ما تكشفه النسخة المحدثة من وثيقة سياسة ملكية الدولة، التى لا تتحدث عن بيع أصول أو طرح شركات فحسب، وإنما عن إعادة رسم الرقعة الاقتصادية المصرية بالكامل. فالدولة التى لعبت لسنوات دور المستثمر والمالك والمدير، تستعد لإعادة التموضع كلاعب يضع القواعد وينظم حركة السوق، بينما تمنح القطاع الخاص مساحة أكبر لقيادة النمو والاستثمار والتشغيل.
إنها ليست مجرد وثيقة للطروحات الحكومية، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وبين الحكومة ورأس المال، وبين الملكية العامة وآليات السوق. ومن هنا تبدو المرحلة الجديدة أشبه بإعادة كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية المصرية، حيث لم يعد السؤال: كم تملك الدولة؟ بل أصبح: أين يجب أن تكون الدولة؟ وأين ينبغى أن يفسح المجال لقوى السوق والاستثمار الخاص؟
فى هذا السياق، تأتى وثيقة ملكية الدولة 2030 لتعلن بداية فصل جديد فى مسار الإصلاح الاقتصادى، عنوانه الانتقال من إدارة الأصول إلى إدارة الدور، ومن التواجد المباشر فى الأنشطة الاقتصادية إلى التركيز على التنظيم والحوكمة وتهيئة المناخ للاستثمار، فى واحدة من أكبر عمليات إعادة التموضع الاقتصادى التى تشهدها مصر خلال العقود الأخيرة.
كشفت وثيقة ملكية الدولة المحدثة عن التزام مصر نحو مساحة اكبر للقطاع الخاص عبر التوسع المنظم وإعادة تعريف دور الدولة فى الاقتصاد تنفيذا لطلب صندوق النقد الدولى باعتبار هذه السياسة ركيزة أساسية فى أجندة الإصلاح الهيكلى التى تتبناها مصر.
وبحسب الوثيقة فقد وجه صندوق النقد الدولى إلى أن أى صفقة تمت على الأراضى لن يتم احتسابها ضمن نشاط الدولة فى تنفيذ سياسة ملكية الدولة.
كشف حساب للمرحلة الأولى
وفقًا للوثيقة فقد تم تنفيذ برنامج الطروحات عبر أربع مراحل شملت 19 صفقة، بحصيلة فعلية بلغت 5.86 مليارات دولار، ترتفع إلى نحو 31 مليار دولار عند تضمين الصفقات الكبرى ذات الأثر التنموى منها رأس الحكمة وعلم الروم إذ تم توقيع مشروعات بنظام المشاركة بتكلفة استثمارية تقارب 15.58 مليار جنيه، وطرح 4 مشروعات أخرى بنحو 13 مليار جنيه، إلى جانب الموافقة على 32 مشروعًا خلال العام المالى 2024 / 2025 من بينها 21 مشروعًا بتكلفة تقديرية 41.3 مليار جنيه، فضلًا عن تعبئة تمويلات تنموية للقطاع الخاص تجاوزت 15.6 مليار دولار منذ عام 2020.
وبحسب الوثيقة تم تنفيذ 1008 إجراءات إصلاحية داعمة للقطاع الخاص، تركز نحو ٪69.7 منها فى تحسين بيئة الأعمال والأطر القانونية والتنظيمية، بالتوازى مع طفرة فى إنفاذ سياسات المنافسة، حيث أصدر جهاز حماية المنافسة 3381 قرارًا خلال (2021 - 2025) مقابل 401 قرار خلال الفترة المقارنة، وبت فى 1388 عملية تركز اقتصادى بمتوسط 13 يوم عمل، وأسهم تطبيق قانون الحياد التنافسى فى تحقيق حصيلة ضريبية أولية بلغت 67.4 مليار جنيه خلال عام 2024. وتعكس هذه المؤشرات انتقالًا من مرحلة إقرار السياسات إلى مرحلة التنفيذ القابل للقياس، وتعزيز الثقة فى بيئة الأعمال. الإصدار الثانى شهد تغيرا فى اتجاه الحكومة من خلال الانتقال من التركيز على حجم التخارج إلى تعظيم الأثر الاقتصادى والاجتماعى للعوائد المتحققة، وربطها بخفض المديونية، وتمويل الاستثمارات الإنتاجية وزيادة مساهمة القطاع الخاص فى الناتج المحلى الإجمالى والتشغيل والصادرات.
الإصدار الأول حدد نسب محددة لملكية الدولة فى كل قطاع اقتصادى بينما فى المقابل سيركز الإصدار الثانى على دخول الدولة فى بعض القطاعات وترك قطاعات أخرى للقطاع الخاص فى ضوء الممارسات الدولية الحديثة ودراسات مؤسسة التمويل الدولية حول نشاط الطروحات ويستهدف الإصدار الثانى (2026 - 2030) ترسيخ إطار أكثر دقة لتحديد دور الدولة فى كل قطاع، مدعومًا بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات متابعة دورية، وحوكمة استثمارية أكثر انضباطًا، بما يضمن استدامة الإصلاح، ويعزز الاستقرار الاقتصادى الكلى، ويخفض المخاطر، ويدعم قدرة الاقتصاد المصرى على تحقيق نمو يقوده القطاع الخاص فى بيئة تنافسية عادلة ومستقرة، محفزة وقادرة على جذب مختلف فئات المستثمرين، سواء المحليون أو الإقليميون أو الدوليون، وذلك فى إطار استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية على المستويين الإقليمى والعالمى، بما يدعم تنفيذ برنامج الطروحات والتخارج وفق المستهدفات الموضوعة. وبينما ركزت الوثيقة الأولى على طرح حصص من 35 شركة فقط سواء عبر طرح تنافسى او الطرح فى البورصة كان نطاق الإصدار الثانى اكثر عمقا بحيث يمتد ليشمل كافة الأصول والشركات التى تمتلكها الدولة كليًا أو جزئيا بما فى ذلك شركات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام، الهيئات الاقتصادية، والشركات القابضة وتوابعها، والشركات التابعة للقوات المسلحة التى تمارس أنشطة اقتصادية، فضلًا عن الأصول المملوكة لباقى الأشخاص الاعتبارية العامة.
وفى المقابل، يستثنى نطاق التطبيق الشركات المنشأة تنفيذًا لاتفاقيات دولية، أو المسماة فى قوانين خاصة تنظم أغراضها أو هياكل ملكيتها، وكذلك مساهمات شركات التأمين المملوكة للدولة فى رؤوس أموال الشركات، فضلًا عن الشركات التى تباشر أنشطة ذات بعد قومى أو استراتيجى يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء بناءً على عرض مشترك من الوزير المختص والسلطة المعنية بالجهة المالكة. ويعكس هذا التحديد الدقيق للنطاق حرص الدولة على تحقيق التوازن بين توحيد معايير الحوكمة وتعزيز الشفافية وبين مراعاة الاعتبارات السيادية والاستراتيجية التى تقتضى أطرًا تنظيمية خاصة. ستتحول الدولة إلى منظم وممكن وتهيئة المناخ للقطاع الخاص وليس إدارة الأصول.
7 أدوار رئيسية للدولة فى الوثيقة الجديدة
ستعمل الدولة ممكنًا للأسواق وموفرًا للسلع العامة ومصححًا لأى إخفاقات ومصححًا للسوق وضامنًا لسادة القانون تغير فلسفة الدولة لملكيتها للأصول ليصبح القرار مبنيًا على مستوى الشركة وإدارة محفظة الأصول وليس على مستوى قطاعى كالاصدار الأول وتكون ملكية الدولة انتقائية لاعتبارات سيادية او استراتيجية او اجتماعية مع إدارة المحفظة التابعة للدولة بمنطق استثمارى محفظة استثمارية هى الأضخم: ستصنف الأصول إلى فئة جاهزة للطرح او تتطلب إجراءات تمهيدية قبل الطرح وإدارة احترافية فى ضوء الأثر المالى ضمن برنامج جديد للطروحات الحكومية.
- القطاعات ذات الأولوية العاجلة: تشمل المطارات، والبنوك، والاتصالات، والسياحة.
- القطاعات ذات الأولوية متوسطة المدى: تشمل الأسمدة، والبتروكيماويات، والسكر، والطاقة، النقل والتوزيع، والعقارات.
- القطاعات ذات الأولوية طويلة الأجل: تشمل التعدين، والأسمنت، والصناعات الدوائية، والنقل.
وسيظل البرنامج خاضعًا للتقييم الدورى وقياس الأثر؛ لضمان توافق نتائجه مع مستهدفات السياسة الاقتصادية للدولة، وتعزيز كفاءة إدارة الأصول العامة، وتوسيع قاعدة المشاركة الاستثمارية بما يدعم النمو المستدام على المدى الطويل. دور قوى للصندوق السيادى للدولة : وفقا للوثيقة سيتم إعادة هيكلة الكيانات المملوكة للدولة وتحويل بعض الهيئات الاقتصادية لشركات مساهمة ونقل الأصول القابلة للإدارة الاستثمارية، والتى تتمتع بمزايا تنافسية قوية تدريجيًا لصندوق مصر السيادى باعتباره صندوق الأجيال المستقبلية والذراع الاستثمارى للدولة المصرية؛ لتعظيم الاستفادة منها وتحديد ما يمكن طرحه فى البورصة المصرية فى إطار الرؤية الاستثمارية للدولة، ذلك بما يضمن التزام تلك الشركات بأعلى مستويات الإفصاح والشفافية، وبمعايير حوكمة الشركات المملوكة للدولة والحياد التنافسى وفق أفضل الممارسات الدولية.
حرية الدخول والخروج من السوق:
تركز الوثيقة على إصلاحات تجعل تركيز الدولة على تهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية والبنية التحتية الداعمة، بما يعزز حرية الدخول إلى الأسواق والخروج منها، ويحفّز الاستثمار المحلى والأجنبى، إلى جانب تشجيع وتعزيز مشاركة القطاع الخاص. ورغم التركيز على حرية الأسواق.
شددت الوثيقة على أن الملكية العامة ستنحصر فى المجالات التى تتسم بخصائص احتكارية طبيعية أو بعد اجتماعى جوهرى أو اعتبارات أمن قومى، بما يشمل البنية الأساسية والخدمات العامة الأساسية، مع ضمان كفاءة التشغيل وإمكانية الاستعانة بأنماط وآليات مشاركة القطاع الخاص، بما فى ذلك الشراكات بين القطاعين العام والخاص الدولة.
مقدم خدمات حكومية متمركزة حول المواطن: عبر تطوير خدمات رقمية عالية الكفاءة بالشراكة مع القطاع الخاص، وتبنى دور «المشترى الأول» لتحفيز الابتكار، بما يرفع جودة الخدمات، ويُحسن تخصيص الموارد العامة. وتستهدف الدولة تعظيم القيمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية للأصول، وربط عوائدها بأولويات الاستدامة المالية وتمويل الاستثمارات الإنتاجية مع الالتزام بقواعد وآليات الحياد التنافسي. ويعكس هذا الإطار انتقال سياسة ملكية الدولة فى مرحلتها الثانية من منطق إدارة الأصول إلى منطق إدارة الدور، بحيث تصبح قرارات الملكية أداة لتحقيق أهداف تنموية ومالية كلية، لا غاية فى ذاتها، فى إطار اقتصاد يقوده القطاع الخاص وتدعمه دولة قوية ومنضبطة وفاعلة.
إدارة المحفظة بمنطق استثمارى لحماية الأجيال القادمة
تُدار الأصول المتبقية وفق معايير عائد ومخاطر وقيمة مضافة، مع إتاحة جميع المسارات المتاحة (تخارج كلى أو جزئى، إعادة هيكلة، دمج، شراكة، أو تصفية) استنادًا إلى تقييم موضوعى لكل أصل. وركزت الوثيقة على ضمان خضوع الشركات المملوكة للدولة للقواعد ذاتها المنظمة للأسواق، بما يكفل تكافؤ الفرص، ويعزز مصداقية بيئة الأعمال. يخضع استمرار الملكية العامة لتقييم منتظم فى ضوء تطور الأسواق وقدرات القطاع الخاص، بما يضمن ديناميكية السياسة وعدم جمودها. وتلتزم الدولة بتطبيق معايير حوكمة وإفصاح واستدامة وفق أفضل الممارسات الدولية على محفظتها المتبقية، بما يعزز كفاءة الإدارة، ويخفض المخاطر، ويدعم الاستقرار المالى، ويكرس استدامة سياسة ملكية الدولة للأصول على المديين المتوسط والطويل. تستهدف المرحلة الثانية من سياسة ملكية الدولة للأصول إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والسوق على نحو يعزز كفاءة تخصيص الموارد، ويرسخ دور القطاع الخاص كمحرك رئيس للنمو، ويدعم الاستقرار المالى والاقتصادى للدولة؛ وتتمثل الأهداف الاستراتيجية رفع مساهمة القطاع الخاص فى الاستثمار والناتج والتشغيل، وصولًا إلى هيكل استثمارى تقوده الاستثمارات الخاصة، وزيادة مساهمتها فى الناتج المحلى الإجمالى بحلول عام 2030 وخفض البصمة الاقتصادية للدولة فى الأنشطة القابلة للمنافسة مع القطاع الخاص، وتوجيه الموارد العامة نحو القطاعات ذات الأولوية الاستراتيجية والعائد التنموى المرتفع. وتعظيم العائد على محفظة الأصول المملوكة للدولة، بما يدعم الاستدامة المالية، وتحقيق النمو المستدام ويسهم فى خفض الدين العام.







