الشعب فى مواجهة الإخوان:
30 يونيو عندما تحدثت الصحافة العالمية بلسان مصرى مبين
آلاء البدرى
تعتبر ثورة 30 يونيو لحظة إعادة تموضع شامل لمصر؛ فداخليًا أعادت بناء الدولة، وخارجيًا أعادتها لقلب المعادلة الدولية كلاعب لا يمكن تجاوز ثقله بملفات الأمن، والطاقة، والوساطة، والسلام، محولة موقعها الاستراتيجى لأوراق ضغط تضمن مصالحها وأمنها وسط توازن مرن بين الشرق والغرب.
وفى ذلك التوقيت، اتجهت أنظار العالم نحو الميادين لتفرض شرعية الملايين نفسها على كبرى منصات الرأى العالمية كملحمة صاغت ملامح جديدة للاستقرار الإقليمى. ورغم الانتقادات الغربية الأولى، التقطت الصحافة الدولية جوهر الثورة؛ إذ دافعت «وول ستريت جورنال» عن التحرك كاستجابة لإرادة شعبية أنقذت مصر من الفوضى، فى حين أفردت «واشنطن بوست» مساحات واسعة لتسليط الضوء على حركة «تمرد» وزخم الحشود ضد تدهور الخدمات.
شهادات دولية بارزة.. صناع السياسة العالمية يوثقون «شرعية الملايين»
أجبرت الثورة كبار صناع السياسة على قراءة المشهد بإنصاف، وتجلّى هذا فى تصريحات شخصيات بارزة فككت تعقيدات الموقف. وفى مقدمتهم، حسم «جون كيرى» وزير الخارجية الأمريكى آنذاك الغموض؛ ففى مقابلة مع قناة «جيو تى فى»، أكد أن تحرك الجيش للإطاحة بمرسى لم يكن استيلاءً على السلطة بل استجابة لإرادة شعبية جارفة، قائلاً: «إن ملايين البشر طالبوا الجيش بالتدخل لخوفهم من انزلاق البلاد إلى الفوضى، والجيش لم يستولِ على السلطة فهناك حكومة مدنية تدير البلاد، وفى الواقع كان يعمل على إعادة الديمقراطية».
من جانبه، قدم «تونى بلير» رئيس الوزراء البريطانى الأسبق ومبعوث اللجنة الرباعية، رؤية متزنة أكدت أن التطورات وضعت المؤسسة العسكرية أمام خيارين: إما التدخل لحماية الدولة أو تركها تغرق فى حرب أهلية، معتبرًا أى بديل آخر كارثة. وعن الزخم الميدانى، قال بلير: «صحيح أن خروج 17 مليون شخص لا يشبه صناديق الاقتراع، ولكنه يمثل مظهراً مهيباً وطاغياً للقوة الإرادية للشعوب». وعكست هذه المواقف اعترافاً بأن الثورة حراك شعبى خالص صاغ مفهوم الشرعية وفقاً لإرادة جماهيرية عريضة.
السقوط المدوى لـ «العابر للحدود».. كيف أجهضت القاهرة مشروع الإسلام السياسي؟
لم تقتصر الثورة على إسقاط حكم الإخوان بمصر، بل مثلت تحولاً إقليمياً أطاح بمشروع الإسلام السياسي؛ فبعد سنوات قليلة، سارعت السعودية، والبحرين، والأردن، والإمارات، وسوريا لحظر الجماعة وتصنيفها إرهابية، وتبعتها تونس بحظر حركة النهضة، مدفوعين بإدراك جماعى بأن الجماعة مشروع خارجى يهدد استقرار الدول ويغذى التطرف ويهمش شركاء الوطن والأقليات.
وفى السياق ذاته، أشارت مجلة «ميريب» الأمريكية إلى أنه فى برلمان الإخوان، رفضت الجماعة قانون عمل يضمن الحق فى تشكيل نقابات مستقلة، وانحازوا لأصحاب العمل ضد العمال، حتى أُدرجت مصر بالقائمة السوداء لمنظمة العمل الدولية. كما تجاهلت حكومة مرسى أحكام القضاء بإلغاء خصخصة الشركات التى بيعت بأسعار زهيدة، وتمسك بـ«إعلان دستورى» منحه صلاحيات واسعة، ولعجزه عن تنفيذه حشد ميليشياته بالقوة، مما سرّع بالانفجار الشعبى.
ركيزة السلام الاستراتيجية.. مصر كوسيط إقليمى لا يمكن استبداله
استعادت الدولة المصرية ثقلها التاريخى كصانع للسلام وركيزة أساسية لهندسة التوازنات الجيوسياسية؛ وهو ما وثقته الصحافة الفرنسية؛ إذ سلط مقال لجريدة «Les clés du Moyen-Orient» الضوء على الدور الاستراتيجى للأجهزة الدبلوماسية والأمنية المصرية فى إدارة الأزمات الإقليمية، لتصبح الشريك الدولى الأوثق فى صياغة الحلول للملفات الشائكة.
وتجسد هذا فى كون مصر الوسيط الوحيد القادر على فرض التهدئة، ورعاية إعمار قطاع غزة، وإدارة ملف المصالحة الفلسطينية، بجانب نجاحها فى كبح جماح الفوضى بالأزمة الليبية عبر رسم خطوط حمراء حاسمة كـ«خط سرت - الجفرة» وتوحيد مؤسسات الجوار، بالتوازى مع تحويل القاهرة لمركز إقليمى للطاقة عبر منتدى غاز شرق المتوسط الذى ربط مصالحها بأمن أوروبا، فضلاً عن تبنيها دبلوماسية وقائية تدعم الحلول السياسية لحفظ سيادة وتماسك السودان واليمن، وتأمين الملاحة بالبحر الأحمر.
فلسفة الردع الفعال.. إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمى
شهد الأمن الإقليمى تحولاً جذرياً بسبب الثورة، حيث انتقلت العقيدة الأمنية من السيولة والتهديد بتفكيك المجتمعات، إلى تثبيت أركان الدولة الوطنية الحديثة كعامل أساسى للاستقرار. وقد لخصت مصر هذه الفلسفة بالقضاء على الإرهاب؛ فقبل 30 يونيو كان هناك صعود للكيانات الموازية والميليشيات، فأعادت الثورة تأكيد أن أمن المنطقة يبدأ من تماسك مؤسسات الدولة الوطنية (الجيش، القضاء، والمؤسسات التشريعية)، واعتبرت الدبلوماسية المصرية أن دعم الميليشيات هو التهديد الأول للأمن القومى، وهو ما تجلى برؤيتها لحل أزمتى ليبيا والسودان.
كما ربطت مصر بين الاستقرار والريادة الاقتصادية بتوطين صناعة الطاقة فى القاهرة، مما أثبت للعالم أن أمن تدفقات الطاقة وشبكات المصالح بين الشرق الأوسط وأوروبا هو ركيزة أساسية. بالإضافة إلى ذلك، استحدثت مفهوم «الدبلوماسية الوقائية»، حيث تحولت القوة والدبلوماسية لأداتين متكاملتين لحفظ السلام؛ وكان أبرز مثال لها هو الخطوط الحمراء فى ليبيا والسودان والبحر الأحمر لإيقاف الحروب وفرض مسارات سياسية، وهذا الردع الذكى أجبر القوى الدولية على الاعتراف بتوازنات قوى جديدة لا يمكن تخطيها.
عقيدة التوازن النشط.. استقلالية القرار بين الشرق والغرب
أعقب الثورة تحول جوهرى فى السياسة الخارجية، حيث تبنت القاهرة عقيدة جديدة قوامها التنويع الاستراتيجى والتوازن النشط بين الشرق والغرب لإعادة صياغة استقلالية القرار الوطنى بما يخدم الأمن القومى والتنمية. وقد علقت المعاهد الدولية على هذا؛ وأهمها تقارير «معهد اليابان للشئون الدولية» الذى أشار إلى كسر مصر للاحتكار العسكرى التقليدى بتنويع مصادر تسليح جيشها عبر صفقات ضخمة مع روسيا وفرنسا والصين (الميج، الرافال، الميسترال)، لتقليل الاعتماد المفرط على واشنطن وفرض سياسة الندية معها، خاصة بعد إجراءات وقف المساعدات المؤقت، مما جعل الغرب يدرك عدم جدوى أوراق الضغط التقليدية ضد القاهرة.
بالتوازى مع ذلك، فتحت مصر آفاقاً غير مسبوقة مع بكين وموسكو، وارتبطت مع الصين بشراكة استراتيجية شاملة عام 2014، وتوج هذا بالانضمام لتكتل «بريكس». وفى تحليل لمجلة «هورن ريفيو» العالمية، وُصفت السياسة الخارجية المصرية بأنها نموذج لـ«التحوط الشرقى والمحاذاة الانتقائية»، حيث وظفت علاقاتها مع الصين وروسيا اقتصادياً وعسكرياً عبر استثمارات قناة السويس ومفاعل الضبعة لتقليل الهيمنة الغربية، دون قطيعة مع الغرب، بل خلق حالة توازن مرنة تمنحها حرية الحركة.
واختتمت مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية هذا المشهد بتحليل حاسم أكد أن الدبلوماسية المصرية نجحت فى تقديم نفسها لكل الأطراف الدولية كحليف استراتيجى لا يمكن تخطيه، قائلة بكل وضوح: «إن كل الطرق الدبلوماسية تؤدى حتماً إلى القاهرة»، واصفة هذا التوازن بأنه يعكس ذكاء دولة تجيد هندسة مصالحها وسط بيئة دولية شديدة السيولة.











