من يملك حق توزيع صكوك الندم
عن الذين قالوا لـ «نجوى فؤاد» توبى !!
هبة محمد على
فى السنوات الأخيرة، أجرت الفنانة «نجوى فؤاد» عشرات الحوارات الصحفية والتليفزيونية ظهرت خلالها فى صورة الفنانة التى هزمها المرض، حيث كانت فى غالبية هذه اللقاءات تشكو مرارة الأيام، ووحشة الوحدة، وضيق ذات اليد، ورغم قسوة ما مرت به من إهمال وتقصير إلا أن اختزال فنانة بقيمة «نجوى فؤاد» فى الحديث عن معاناتها فقط لم يكن منصفا لتاريخها الفنى الذى امتد لعقود، كانت خلالها تملأ السمع والبصر، حيث جابت أشهر المسارح.
تعاونت نجوى فؤاد مع كبار الملحنين، ووقف إلى جوارها كبار نجوم الغناء على المسرح وهى ترقص، وكبار نجوم التمثيل على شاشة السينما، ولم تكتفِ بالرقص والتمثيل، بل خاضت أيضًا تجربة الإنتاج السينمائى، متحملة ما فيها من مخاطر، إيمانًا منها بالفن وبأهمية استمرار الصناعة.
لكنها فى الأسبوع الماضى أطلت على جمهورها عبر منشور على صفحتها الرسمية بموقع «فيسبوك» أعاد تقديمها بوصفها فنانة تعتز بتاريخها، وترفض المساس به، أو التبرؤ منه، حيث جاء هذا المنشور ردًا على من طالبوها بأن تختتم حياتها بالتوبة، والاعتذار عما قدمته خلال مشوارها الفنى، فأعلنت غضبها ممن يصفون تاريخها بأنه (تاريخ أسود) وبأنها قد أفسدت أجيالا برقصها، ولم تكتف بذلك، لكنها أيضا ذكرت منتقديها بمحطات مهمة فى مشوارها الفنى الطويل، فتحدثت عن الأموال التى أنفقتها لتطوير فنها، وعن الفرقة الاستعراضية التى أسستها وجابت بها العالم، وعن وقوفها على أشهر المسارح فى العالم، وتعاونها مع كبار الموسيقيين، من «محمد الموجى وسيد مكاوى وبليغ حمدى» إلى الموسيقار «محمد عبدالوهاب» الذى منحها مقطوعة (قمر 14) لتصبح الراقصة الوحيدة التى لحن لها موسيقار الأجيال معزوفة خاصة لترقص عليها.
واختتمت «نجوى فؤاد» منشورها بعبارة شديدة الوضوح، أكدت فيها أنها ستظل فخورة بكل خطوة مشتها، وبكل عمل قدمته، وبكل تصفيقة سمعتها من جمهور أحبها بصدق
والحقيقة أن هذا المنشور يتخطى كونه حديثًا تفخر فيه فنانة تجاوزت الثمانين بما قدمته دون خجل، ولا سيما أننا فى السنوات الأخيرة اعتدنا أن نرى كثيرًا من الفنانين، عندما يقتربون من نهاية مشوارهم، يتحدثون عن سنوات الفن باعتبارها خطأ أو ذنبًا، بعضهم يخضع لضغط المجتمع، والبعض الآخر يقع أسير الشعور بالذنب، فيتحدث عن أجمل سنوات عمره وكأنها صفحة يريد تمزيقها، ولذلك كان وقع ما كتبته «نجوى فؤاد» على صفحتها كبيرا، سواء على الجمهور الذى لا يزال يؤمن بأن الفن أحد أهم أدوات القوة الناعمة، وأنه جزء من الذاكرة والهوية المصرية، أو لدى من ينظرون إلى الفن بعين مختلفة، ويطالبون أصحابه بالتبرؤ منه كلما تقدم بهم العمر، لذلك كان منشورها جريئًا، لأنه رفض الخضوع لهذا المنطق، وأكد أن الاعتزاز بالمشوار لا يتعارض مع احترام الإنسان لنفسه أو لمجتمعه، فنحن أحوج ما نكون إلى الفنان الذى يفخر بما صنعه، ولا يخجل من تاريخه، ولا يعيد كتابة حياته كلما تغير المزاج العام.
ولا شك أن الناس قد يختلفون حول الرقص باعتباره فنًا، وقد يختلفون أيضا حول حدوده، وهذا حقهم، لكن ليس من حق أحد أن يطالب فنانة بالتنصل من تاريخ عاشته باقتناع، وأن يفرض عليها الاعتذار عن مهنة صنعت بها اسمها، وأدخلت من خلالها البهجة إلى ملايين الناس، فالذين يختزلون «نجوى فؤاد» فى بدلة رقص يغيب عنهم أنها كانت مشروعا فنيا متكاملا، فلم تكن تتعامل مع الرقص باعتباره مجرد حركات على المسرح، بل كانت تؤمن بأنه فن له أصول، يجب تعلمها، لذلك كان زوجها الأول، الموسيقار «أحمد فؤاد حسن» قائد الفرقة الماسية فى عصرها الذهبى يعرّفها بمدارس الرقص المختلفة، ويطلب منها أن تدرسها كما يدرس الطالب فى المدرسة، ورغم أنها لم تكمل تعليمها، فإنها لم تتوقف عن تثقيف نفسها، فكانت تحرص على القراءة، ومخالطة المثقفين مثل «أنيس منصور ومصطفى أمين، وكمال الملاخ» الذين أهدوا لها عشرات الكتب، وكانوا أكثر من أنصفوا تجربتها، حتى إن «مصطفى أمين» وصفها يومًا بأنها «ريتا هيوارث الشرق»، بينما ظل «كمال الملاخ» من أشد المؤمنين بموهبتها وداعميها حتى رحل.
وإذا كانت «نجوى فؤاد» فنانة آمنت بقيمة ما تقدمه، فأنفقت من مالها على تطوير عروضها، حتى أصبحت من أوائل الفنانات اللاتى قدمن عروضًا استعراضية تعتمد على الإخراج والديكور والدراما، وليس الرقص الشرقى التقليدى فقط، وهو ما اعتبره كثيرون نقلة فى تقديم الاستعراض على المسرح، إلى جانب انضمامها إلى حفلات «أضواء المدينة»، التى وقفت فيها إلى جوار «عبدالحليم حافظ وشادية وصباح وفايزة أحمد» وهو ما نقلها إلى صفوف النجمات الكبار، إلا أنها كانت أيضا فنانة صاحبة حس وطنى، حيث كان لها دور فى دعم البدايات الأولى لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى، إذ وفرت، بالتعاون مع زوجها «سامى الزغبى» مدير فندق شيراتون آنذاك، عشرات الغرف المجانية لاستضافة ضيوف المهرجان، وأسهمت فى تجهيز الديكورات واستقبال عدد من كبار نجوم السينما العالمية، وهى تفاصيل ربما لا يعرفها كثيرون عن فنانة يصر البعض على اختزالها فى صورة واحدة.
وقد يختلف البعض مع اختياراتها الفنية، لكن من الصعب إنكار أنها تعاملت مع ما تقدمه باعتباره مشروع عمر، لا مجرد وسيلة للشهرة أو الكسب، ولهذا كان من الطبيعى أن تدافع عن تاريخها، لأن من ينظر إلى مهنته بكل هذا الفخر، لا يمكن أن يتعامل معها يومًا ما باعتبارها خطأ يستوجب الاعتذار.
والحقيقة أن «نجوى فؤاد» بمنشورها هذا تستحق التحية لأنها اختارت أن تواجه منفردة نبرة الوصاية على الفن التى تنامت فى السنوات الاخيرة وأن تقف فى وجه من يظنون أنهم يمتلكون حق توزيع صكوك الندم، والمفارقة أن كثيرًا منهم يستمتعون بالفن، ويحفظون أغانيه، ويشاهدون أفلامه، ويستدعون مشاهده كلما أرادوا استعادة الزمن الجميل، لكنهم فى الوقت نفسه يسارعون إلى إدانة من صنعوه ويطالبون رموزه أن يشعروا بالخجل من أنهم كانوا جزءًا منه.
وأخيرا، من حق أى إنسان أن يراجع نفسه، ومن حق أى فنان أن يعلن توبته إذا كان مقتنعًا بذلك، لكن سيبقى أيضا من حق أى فنان آخر أن يقول (هذا هو عمرى، عشته بإخلاص، واجتهدت فيه، وقدمت فيه فنًا صادقًا للجمهور ولا أشعر بالخجل منه).











