محمد هانى
شخصيات حياتنا
بين نظريات ومدارس و«متاجر» التنمية البشرية التى انفجرت فى حياتنا منذ بداية الألفية وتحولت إلى صناعة منظمة وسوق ضخمة فيها علماء ومجتهدون وهواة ونصابون.. ومع حالة الهوس والشطط والجنون التى ضربت المجتمعات، مدفوعة بتكنولوجيا الإعلام والذكاء الاصطناعى والتى أصبحت «فى متناول الأفراد قبل المؤسسات» سلاحًا مخبولًا أحيانًا وموجهًا أحيانًا ومؤثرًا وخطرًا فى كل الأحيان.
أجدنى أعود دائمًا إلى التصنيف الكلاسيكى الشهير لأنماط الشخصية وأحاول تطبيقه على ما يسود فى المجتمع المصرى من مرحلة لأخرى، معتبرًا أنه أحد القياسات الدالة على اتجاهه ودرجة سلامته.
ورغم أن هذا التصنيف يبدو بسيطًا إلا أننى أراه سهلًا ممتنعًا، جامعًا مانعًا.. ودقيقًا وقادرًا على إعطاء مؤشرات مهمة على الحالة التى تسود المجتمع فى مرحلة ما، إذا أخرجناه من مجرد تصنيف فردى ودرسنا من خلاله مدى شيوع نمط معين.
بين كلمتى «Win وLose» تتحدد أربعة أنماط:
الأول «Win – Win» شخصية تكسب وأنت أيضًا تكسب.. صاحبها يفكر إيجابيًا بنزاهة وطموح، ويعتبر أن أى مسار أو قرار أو تعامل أو تفاعل مع الآخرين لا بد أن يكون فيه مصلحة لهم بقدر ماهو فى مصلحته، وأن ذلك هو ضمان تعظيم الفائدة واستمرارها واستقرارها، فضلًا عن أن نموذج النجاح هنا يصبح بشكل تلقائى ملهمًا ومشجعًا لدوائر أوسع وأطراف أكثر.. وبالتالى فإن شيوع هذا النموذج يشير إلى مجتمع مطمئن لديه دوافع قوية جاهز للصعود سريعًا وتسوده الثقة.
الثانى «Win – Lose» شخصية تكسب وأنت تخسر.. باختصار صاحبها يصعد على جثتك، مصلحته فقط فوق أى اعتبار، منظومته الأخلاقية فاسدة بالكلية فهو بالتأكيد انتهازى كاذب، وأنانى ومخادع وشرير، يحقق أهدافه حتى لو كان الثمن أن يحرق كل الأراضى وكل الجسور وكل شخص يأتى فى طريقه.. وهذا النمط تجد فيه المتنطعين والمدعين ولصوص الجهد والمال والمناصب.. وشيوع هذا النموذج يشير إلى مجتمع تتنامى فيه الكراهية والبلطجة المادية والمعنوية والشعور بغياب العدل.
الثالث «Lose – Win» شخصية تخسر وأنت تكسب.. صاحبها يضحى من أجل الآخرين على حساب نفسه وربما حياته.. وإذا لم يكن ذلك فى حدود إنسانية منطقية، وإذا لم يكن من يفعل ذلك فى موقع الأب أو الأم ومن شابههما، أو كانت التضحية فى سبيل مبدأ سامٍ أو وطن، فإن صاحبها يكون مريضًا بشكل ما، حيث إنه على الأقل يستعذب دور الضحية أو (وهذا يحدث أحيانًا) يتعمد التظاهر به (مما يجعله يتداخل مع النمط الرابع).. وهذا النموذج بالتأكيد لا يمكن أن يكون شائعًا فى أى مجتمع، وإن كان التعامل معه على المستوى الفردى مرهقًا بل ومؤذيًا فى أحوال كثيرة.
الرابع «Lose – Lose» شخصية تخسر وأنت تخسر.. صاحبها يرى ويفكر فى الأمور بنوازع سلبية ويتصرف غالبًا بعنف مادى ومعنوى كلما أمكنه.. تحكمه دوافع الفشل أو اليأس أو الانتقام فهو بصرف النظر عن موقعه لا يشعر بالتحقق ويدرك عجزه عن إنجاز نجاح حقيقى أو مكانة محترمة.. مثير للصخب دائمًا، ويشعر بالرضا حين يسقطك معه فى دائرة الخسارة.. وشيوع هذا النموذج يهدد المجتمع بدخول مرحلة تدهور وتراجع عام وعلاقات مشوهة تؤدى إلى نتائج مفزعة عنوانها «إذا كنت فاشلًا فليفشل الجميع»!
أخيرًا.. فإن ما سبق هو مجرد تفسير شخصى لتصنيف كلاسيكى قديم ومعروف، ومحاولة اعتدتها فى إسقاطه ليس فقط سعيًا للتعرف على طبائع الأشخاص وصيغ التعامل معهم، ولكن أيضًا لاستنباط مؤشرات (ولو بسيطة) على أحوال واتجاهات المجتمع من مرحلة لأخرى.
على أى حال انظر حولك ولن تخسر إذا جربت.











