المسرح الجامعى و 100 عام من الإبداع
«الحسبة» فى الفن .. إيقاف «الدحديرة» يعيد نفوذ «التطرف» فى المسرح
أحمد عبدالعظيم
فى العمل الثقافى والجامعى، تظل مساحة الحوار والمرونة هى الأمان لأى إبداع، ولذا فإن قرارات المنع أو الإيقاف المفاجئ، حتى وإن كانت لأسباب تنظيمية أو سياقات تستدعى المراجعة، تعد إهدارًا للطاقات الشابة التى قد تحتاج للتوجيه بدلًا من وضع القيود أمامها.
عندما نتابع أزمة العرض المسرحى «الدحديرة» بكلية الحقوق، جامعة العاصمة، نجد أن المسألة تتجاوز مجرد خلاف على تفاصيل إدارية أو تضارب فى الروايات بين فريق العمل والجامعة، لتُطرح من جديد أهمية الحفاظ على أجواء الانفتاح الفكرى، ودعم الفنون داخل المحراب الجامعى، فالجامعة المصرية عبر تاريخها الممتد لأكثر من قرن، كانت دائمًا الحاضنة الأولى للقوة الناعمة، ومصنعًا حقيقيًا للمبدعين والتنوير، ومن هنا يكتسب النقاش حول هذه الواقعة أهميته، ليس من باب الصدام، بل من باب الحرص على استمرار المسرح الجامعى كمنبر حر، ومسئول يسهم فى بناء الوعى وتشكيل وجدان الأجيال الجديدة بعيدًا عن أى تضييق أو تراجع.
نقابة المهن التمثيلية
ترددت روايات تفيد بأن سبب المنع يعود إلى اعتبار بعض المسئولين أن «التمثيل حرام»، ورغم إعلان مخرج العمل محمد أشرف ميزو، انتهاء الأزمة بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية، إلا أن القضية تحوّلت إلى ما هو أبعد من خلاف إدارى داخل جامعة، لتفتح مجددًا النقاش بشأن تأثير الخطابات المتشددة ونفوذها فى المجالين الثقافى والفنى فى مصر، ومدى عودة ظاهرة «الحسبة» فى الفن.
وفى المقابل، شددت إدارة الجامعة على دعمها الكامل للأنشطة الفنية والثقافية، واستشهدت باستمرار مهرجان التمثيل المسرحى داخل الجامعة لما يقرب من نصف قرن عبر 49 دورة متتالية.
تضارب الروايات
مسرحية «الدحديرة» مستوحاة من رواية «السنجة» للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق التى تدور أحداثها فى عالم شعبى مهمش، واستغرق إعدادها نحو أربعة أشهر، وفق فريق العمل.
والقضية لا تزال غامضة بسبب تضارب الروايات، ففى حين تحدث مخرج العرض عن إيقاف مفاجئ مصحوب بتصريحات ترفض الفن والمسرح، قالت مصادر داخل الكلية إن الأزمة تعود إلى مخالفة تنظيمية تتعلق بمشاركة طالبين موقوفين عن النشاط الجامعي.
أثار القضية، نشر محمد أشرف ميزو تدوينة عبر «فيسبوك» قال فيها إن فريق العمل سمع أكثر من مرة أن «المسرح والتمثيل حرام»، متسائلًا: «إذا كان التمثيل حرامًا، فلماذا تضم الجامعة أقسامًا متخصصة فى علوم المسرح والتمثيل والإخراج؟
هل الفن تهمة؟
وظهر ميزو فى فيديو متداول متأثرًا وهو يتحدث عن إيقاف العرض بشكل مفاجئ، ما أثار تعاطفًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعى، خصوصًا بعدما كشف أنه أنفق الأموال التى كان يدّخرها لحفل خطوبته على إنتاج المسرحية.
وفى تطور لاحق، أعلن ميزو أن نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكى تدخّل لحل الأزمة، مؤكدًا أن رئيس الجامعة وعميدة الكلية لا علاقة لهما بما حدث، ومقدمًا اعتذاره لهما، لكن الجدال لم يتوقف، إذ رأى كثيرون أن الأزمة كشفت هشاشة العلاقة بين بعض المؤسسات والثقافة، وأن الخطر الحقيقى لا يكمن فى قرار إيقاف عرض مسرحى، بل فى استمرار العقلية التى ترى الفن تهمة تحتاج دائمًا إلى تبرير ودفاع.
تاريخ المسرح الجامعي
الحقيقة أن المسرح الجامعى فى مصر ليس نشاطًا طلابيًا عابرًا، بل مؤسسة ثقافية عريقة يمتد تاريخها لأكثر من قرن.
ففى عام 1917 شهدت الجامعة المصرية واحدة من أهم البدايات المبكرة للحركة المسرحية الأكاديمية، عندما قام عدد من الأساتذة بتأليف أعمال مسرحية تم تقديمها على خشبات المسرح بواسطة فرق محترفة، فى مؤشر مبكر على إدراك قيمة الفن فى العملية التعليمية.
أما منتصف الأربعينيات؛ فشهد نقلة نوعية مع تأسيس المعهد العالى للفنون المسرحية عام 1944 بقيادة الرائد الكبير زكى طليمات، وهو الحدث الذى أسهم فى تطوير الحركة المسرحية المصرية بشكل عام، وانعكس تأثيره بصورة مباشرة على النشاط المسرحى داخل الجامعات.
مصنع النجوم
من جامعة الإسكندرية خرج الفنان الكبير محمود مرسى، كما برزت أسماء لامعة مثل سميرة عبدالعزيز ومحمد وفيق ومدحت مرسى، ومن جامعة القاهرة انطلقت أسماء أصبحت علامات بارزة فى تاريخ الفن المصرى، مثل محسنة توفيق وفؤاد المهندس.
أما تجربة «ثلاثى أضواء المسرح» الشهيرة؛ فتعد واحدة من أبرز قصص النجاح التى بدأت من المسرح الجامعي؛ قبل أن تتحول إلى ظاهرة فنية عربية واسعة الانتشار.
عادل إمام
الفنان الكبير عادل إمام، أكد فى أكثر من مناسبة أن أول ما سأل عنه بعد التحاقه بالجامعة كان فريق المسرح، ومن خلال النشاط المسرحى الجامعى صقلت موهبته؛ قبل أن يصبح لاحقًا واحدًا من أهم نجوم المسرح والسينما والتليفزيون فى العالم العربى، كما أن علاقته بالمسرح الجامعى استمرت حتى بعد تحقيق النجومية، حيث كان حريصًا على متابعة العروض الطلابية واكتشاف المواهب الجديدة.
يحيى الفخراني
ربما تمثل تجربة الفنان الكبير يحيى الفخرانى نموذجًا فريدًا لقوة المسرح الجامعى، فالرجل كان يدرس الطب، لكنه وجد فى المسرح نافذته الأوسع للتعبير عن موهبته؛ وخلال سنوات الدراسة حصل على جائزة أفضل ممثل على مستوى الجامعات المصرية، كما تعرف على زوجته الدكتورة لميس جابر من خلال النشاط المسرحى، لتصبح القصة واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة بالمسرح الجامعى فى مصر.
زمن المنافسة الذهبية
شهدت السبعينيات والثمانينيات العصر الذهبى للمسرح الجامعى المصرى، ففى تلك الفترة كانت المنافسة بين الكليات والجامعات المختلفة على أشدها، وكانت العروض الجامعية تحظى بمتابعة جماهيرية ونقدية كبيرة.
ومن هذه المرحلة خرجت أسماء مثل عبلة كامل، وأحمد كمال، وناصر عبدالمنعم، وياسر على ماهر، وصلاح عبدالله، وأحمد صيام وغيرهم.
كما شهدت تلك السنوات تعاون كبار المخرجين المصريين مع الفرق الجامعية، مثل سعد أردش وكرم مطاوع وعبدالرحيم الزرقانى، الذين رأوا فى الجامعات منجمًا حقيقيًا لاكتشاف المواهب الجديدة.
من هنيدى إلى الكدوانى والعوضي
الفنان محمد هنيدى نفسه ارتبط اختياره لكلية الحقوق بشغفه بالمسرح الجامعى، وفى جامعة حلوان تألق الفنان ماجد الكدوانى ضمن فريق «أتيليه المسرح» بكلية الفنون الجميلة، وهو الفريق الذى خرّج أيضًا الفنان بيومى فؤاد.
ومن داخل المسرح الجامعى بجامعة حلوان برز كذلك الفنان أحمد العوضى، الذى كان أحد نجوم النشاط المسرحى بكلية التجارة، أما الفنان محمد فراج فيؤكد دائمًا أن مسرح كلية التجارة بجامعة القاهرة كان بمثابة معمل مفتوح لاكتشاف المواهب وصقلها.
وفى جامعة عين شمس كانت بداية الفنان محمد ثروت، بينما شهدت خشبات الجامعات بدايات الفنان هانى رمزى والعديد من نجوم الكوميديا والدراما المعاصرة.
معركة التنوير
لكن النجاح الكبير للمسرح الجامعى لم يمنعه من مواجهة تحديات فكرية متطرفة، فخلال الثمانينيات والتسعينيات تصاعد نفوذ بعض التيارات المتشددة داخل عدد من الجامعات، وظهرت محاولات للتضييق على الأنشطة الفنية والثقافية بدعوى مخالفتها للدين أو اعتبارها من المحرمات.
وشهدت تلك الفترة حملات متكررة ضد الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية والمعارض الفنية، فى محاولة لفرض رؤية أحادية على الحياة الجامعية، غير أن تلك المحاولات لم تنجح فى إيقاف الحركة الثقافية والفنية داخل الجامعات المصرية.
لماذا يخاف المتطرفون من المسرح؟
السبب بسيط.. فالمسرح ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل مساحة للحوار وطرح الأسئلة وكسر الجمود الفكرى، وكلما اتسعت مساحة الإبداع، تراجعت قدرة الأفكار المتطرفة على السيطرة على العقول.
لذلك كان المسرح الجامعى دائمًا أحد أهم أدوات بناء الشخصية النقدية القادرة على التفكير الحر، وهو ما جعله هدفًا متكررًا لمحاولات التشويه أو التضييق عبر عقود مختلفة، لكن التاريخ أثبت أن الأفكار المنغلقة عابرة، بينما يبقى الإبداع.
القوة الناعمة
حين ننظر إلى خريطة الفن المصرى المعاصر، نجد أن عشرات الأسماء التى صنعت وجدان الملايين بدأت رحلتها من مسرح الجامعة.
وهؤلاء لم يصبحوا مجرد نجوم فحسب، بل تحولوا إلى أدوات حقيقية للقوة الناعمة المصرية التى أثرت فى العالم العربى لعقود طويلة، فمن فوق خشبات الجامعات خرج ممثلون ومخرجون ومؤلفون ومبدعون أسهموا فى تشكيل صورة مصر الثقافية والفنية عربيًا وإقليميًا، ولهذا فإن دعم المسرح الجامعى لا يتعلق بمجرد نشاط طلابى، بل يرتبط بمشروع وطنى أوسع لصناعة الثقافة والوعى وبناء الإنسان.
الدرس الأهم
ربما يكون الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من الجدل الأخير؛ هو أن أى أزمة تخص المسرح الجامعى يجب أن تدفعنا للنظر إلى الصورة الأكبر، فالقضية ليست عرضًا مسرحيًا بعينه، ولا خلافًا إداريًا عابرًا، بل تتعلق بالحفاظ على أحد أهم روافد الإبداع المصري.
وعلى مدار أكثر من مئة عام، واجه المسرح الجامعى تحديات كثيرة، وتعرض لمحاولات تضييق متعددة، ومر بمراحل صعود وهبوط، لكنه ظل قائمًا يؤدى دوره فى اكتشاف المواهب وصناعة الوعى ونشر قيم الجمال.
ولهذا فإن التاريخ يمنحنا إجابة واضحة وهى أنه قد تتكرر الأزمات، وقد تختلف التفاصيل من جيل إلى آخر، لكن النتيجة واحدة دائمًا، أما الأفكار التى تحاول مصادرة الفن أو التضييق عليه، فإنها تبقى مجرد هوامش عابرة فى تاريخ طويل كتبه المبدعون على خشبات مسارح الجامعات المصرية.











