ليلة السقوط السياسى لما يسمى تحالف المعارضة
هل انتحرت الحركة المدنية على «أسوار قرطام»؟
عبدالعزيز النحاس
فى السياسة، قد تخسر الأحزاب معاركها أمام خصومها، وقد تتراجع شعبيتها بفعل أخطائها، لكن الأغرب أن تختار إطلاق النار على نفسها.
هذا ما حدث من الحركة المدنية خلال الأيام الماضية، حين انزلقت من ساحة القضايا العامة -بفرضية صحة آرائها- إلى مربع المصالح الخاصة، فتبنت بيانًا للدفاع عن أزمة قصر أكمل قرطام «المخالف»، الأمر الذى لا يمت للعمل السياسى بصلة، فوجدت نفسها فى مواجهة موجة واسعة من الانتقادات، دفعتها إلى التراجع، فبدا المشهد انتحارا سياسيا جرى على ثلاث مراحل: بيان متعجل، وشكر محرج، ثم تراجع مخزٍ.
لم يكن المشهد الذى قادته الحركة المدنية، مجرد خطأ فى التقدير، بل كشف أزمة أعمق تتعلق بترتيب الأولويات وفهم حدود الدور السياسى، فبين بيان دعم لأكمل قرطام، وبيان شكر من حزب المحافظين الذى يرأسه، ثم بيان اعتذار من الحركة المدنية نفسها، اكتملت فصول قصة بدت أقرب إلى درس فى كيفية إهدار الرصيد السياسى أكثر منها نموذجًا للعمل العام.
فالحركات والأحزاب تُقاس بقدرتها على التعبير عن هموم المواطنين والدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، لا بالانخراط فى معارك ذات طابع شخصى مهما كانت ملابساتها، وعندما تختلط الحدود بين العام والخاص، تتحول السياسة من مساحة لخدمة المجتمع إلى أداة لخدمة الأفراد، وهنا تبدأ خسارة المصداقية، وهذا تماما ما كان يدعيه قادة أحزاب الحركة المدنية فى شعاراتهم، ليضعهم «بيان القصر» أمام مرآتهم الحقيقية، بأنهم قادة لأحزاب تدعى الديمقراطية ولا تمارسها داخل جدرانها، تهاجم التخبط الإدارى وتتفنن فى ممارسته داخليا، ترفع شعار مصلحة المواطن أولا لنكتشف أن الهدف مواطنهم هم لا المصريين بشكل عام.
زلزال الحلفاء
قد يعتقد البعض أن تلك الأزمة أثارت شهية معارضى الحركة المدنية الديمقراطية فقط، لكن الواقع كشف عن خلافات واسعة بين أحزاب الحركة ذاتها، إضافة للحلفاء القدامى، ففى أعقاب البيان أعلن حزب العدل انسحابه الكامل من الحركة المدنية بعدما كان قد جمد عضويته فى 2023.
كما دعا «العدل» الأطراف المشاركة فى هذه التجربة إلى تقييم موضوعى لمسيرتها ومستقبلها، مضيفا أنه يرى أن الحفاظ على رصيد الحركة وتاريخها يقتضى التفكير الجاد فى إنهاء التجربة بصورتها الحالية بدلًا من استمرار شكلى لم يعد يعكس واقعها، وأن الحل المنظم والمسئول قد يكون أكثر احترامًا لإرث الحركة من الإبقاء على كيان فقد قدرته على الفعل والتأثير.
فيما أكد حزب التحالف الشعبى الاشتراكى أنه «لم يوافق على بيان الحركة المدنية الديمقراطية، ولا يوافق على النهج الذى انطلق منه فى معالجة القضية»، موضحًا أن «خروج بيان الحركة كان بمثابة إخلال واضح لميثاق الحركة المدنية، ومبدأ المشاركة بين مكوناتها».
كواليس بيان الأزمة
وفقًا لمصدر –رفض ذكر اسمه- فقد بدأت الأزمة حين رُفع مقترح عبر جروب «واتس آب» الخاص بمجلس أمناء الحركة، بخروج بيان دعم لقرطام فى أزمته، وقبل انتظار القبول أو الرفض تم نشر البيان، وكشف المصدر لـ«روز اليوسف» أن مسودة البيان اشترك فى إعدادها عدد من قادة الحركة بينهم وفاء صبرى رئيس حزب الدستور، وقد تسلمها المهندس أحمد بهاء شعبان، رئيس مجلس أمناء الحركة المدنية، والذى صاغ البيان فى شكله النهائى وأرسله للنشر.
وأضاف أن هناك حالة لغط كبيرة داخل الحركة؛ بسبب رفض بعض الأحزاب المكونة لها أن تدفع الثمن السياسى لتلك الخطوة غير المحسوبة، ولهذا تمت الدعوة لاجتماع الجمعة.
كيان عاجز
وفى إطار التحليل السياسى للمشهد، أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن الحركة المدنية لا تملك وجودًا حقيقيًا فى الشارع أو الحياة السياسية المصرية منذ البداية، واصفًا إياها بـ«مجموعة مصلحية» تسعى لتحقيق مكاسب شخصية وتسييس الأمور لصالح أفرادها عبر استخدام «التريندات الإعلامية».
وأضاف «سلامة» –فى تصريحات لـ«روز اليوسف»، أن الأزمة الأخيرة كشفت بوضوح غياب العمل المؤسسى، معتبرًا أن التراجع السريع عن البيان جاء مدفوعًا بكون قرطام هو الممول الأساسى للحركة، ما جعل المواقف تخضع لـ «الشخصنة» والمصالح بدلًا من المبادئ السياسية أو الصالح العام.
وتابع: فقدت الحركة كل مصداقيتها بسبب هذه البيانات والبيانات المضادة، وتحولت إلى كيان عاجز، فكيف لها تقديم معارضة حقيقية أو طرح بدائل وحلول سياسية ملموسة لمشكلات المواطنين؟.
تفكيك الحركة
وفى سياق تقييمه لـ«الحركة المدنية»، أكد «سلامة» أن المشاركين فيها يفتقرون إلى الفهم الحقيقى لطبيعة عمل الأحزاب وأدوارها، ولا يملكون رؤية للعمل العام أو القدرة على إدارة العمل الجماعى، مشيرًا إلى أن الحل الأفضل فى الوقت الراهن هو «أن يفكوا بعضهم»، وأن تعمل هذه الأحزاب بشكل منفرد ككيانات مؤسسية مستقلة، بدلًا من البقاء داخل تكتل يؤثر على جميع أطرافه بالسلب ولا يملك أى صدى على أرض الواقع.
ووجه «سلامة» نصيحة لقيادات الحركة المدنية بضرورة الابتعاد عن العمل العام مؤقتًا، والالتحاق بدروات تدريبية متخصصة فى «بناء القدرات المؤسسية» لتعلم المبادئ العلمية للسياسة، مثل: الديمقراطية الداخلية، والتداول السلمى للسلطة، وإيثار المصلحة العامة.
دعوة إصلاحية
من جانبه، أكد المهندس كريم عبدالعاطى، وكيل هيئة التحالفات بحزب المحافظين، أن الحركة المدنية تحتاج إلى الإيمان بأهمية إتاحة المجال لأجيال جديدة من الكوادر الحزبية لأعضاء الحركة، وضمها لدائرة صنع القرار، بما يسمح بدمج فكر مرحلة عمرية جديدة تنظر للسنوات القادمة بما يضمن استمرارية الحركة واتساع تأثيرها.
وأضاف «عبد العاطي» –فى تصريحات لـ«روز اليوسف»، أنه رغم علو عدد من الأصوات التى تطالب بالانسحاب من الحركة المدنية إلا أنها لا تزال الكيان الجامع لغالبية أحزاب المعارضة، ولا يجب المشاركة فى أى تحرك قد يؤدى إلى إضعافها.
وأوضح أن بيان الحركة المدنية أثار تفاعلًا كبيرًا داخل هيئات ومكاتب حزب المحافظين، ورأى الحزب وجوب شكر الحركة على موقفها فى البيان، من تمسكها بمبدأ سيادة القانون واحترام الحقوق الدستورية والملكية الخاصة، وكذلك التأكيد على ضرورة طرح القضايا العامة فى إطارها الطبيعى بالمساحة التى تتناسب مع تلك القضايا.
أخيرًا
جلست أتابع على مدار الأسبوع أزمة قصر قرطام الذى لا تتجاوز مساحته 6 أفدنة، واندهشت من فشل الحركة المدنية فى التعاطى مع أزمة تعرض لها أحد رموزها بينما يطرح قادتها أنفسهم بديلا قادرا على إدارة دولة، حتى وصلت ليقين أن الأزمة كانت صراعًا فى النيل جرفت سيولها الحركة المدنية إلى شواطئ التيه.
فإذا كانت قد عجزت عن إدارة أزمة تدور حول 6 أفدنة، فكيف تقنع المواطنين بقدرتها على إدارة وطن يمتد على 238 مليون فدان؟.











